بسام البدارين أشعر كالكثيرين بأن القنبلة الدخانية التي ألقيت على الشعب الأردني فيما عرف بقضية الفوسفات لا تحسم أمر الفساد والفاسدين والمفترضين بقدر ما تنتج في الساحة المزيد من الألم والحسرة والأخطر الفوضى والتطرف والتصعيد في الهتاف والمطلب.
وأتلمس كغيري بأن الشارع تعجبه لعبة التحول إلى محكمة وبعض قواه تمارس بإمتياز لعبة النظم الشمولية وهي تصنف الناس وتقسمهم وتشكك بولائهم لمجرد الإختلاف في الرأي.
توقعي كمواطن أردني أن من نزل للشارع فعل ذلك لإن السلطة لم تكن تحترم بالماضي الرأي الأخر. وفعل ذلك دفاعا عن حقي وحق أي مواطن أردني في التعبير والرأي والكلمة على أساس التساوي والتوازي ومن غير المعقول أن يتحول الشارع اليوم في بعض تعبيراته إلى سوط أو سلطة تقمع وتمنع من يخالفها الرأي.. هذا كثير جدا على حراك وليد في الأردن يعاني أصلا من إختراقات رموز كانوا في السلطة. لكن توقعاتي تخيب فبعض قوى الشارع اليوم ترفع شعار{لا صوت يعلو فوق صوت الصخب} وعندما تعلق الأمر بقضية الفوسفات مثلا برزت المفارقة المؤلمة فلا أحد يستمع لأحد وكل ما يريده أصحاب الصوت العالي في الشارع هو قطف رؤوس وإيداعها السجن بصرف النظر عن الحقيقة والعدالة والأدلة والقضاء ودولة المؤسسات والقانون. لم نؤيد الشارع ونبارك خطواته ونغفل قصدا عن مشكلاته ومحاولات البعض ركوب مطالبه الشرعية لكي يحولنا حتى قبل إشتداد عوده عندما نختلف معه بالرأي إلى متهمين وحماة للفساد المفترض.
حراك الأردنيين كما أفهمه إنطلق لصيانة حقوقي الدستورية كمواطن ولا يحق لأحد تحويله إلى محكمة شعبية وأداة لقمع الرأي وتخوين الناس أو تكفيرهم أو وسيلة للإرهاب الفكري فليس كل ما يقوله الشارع أو يدعيه صحيح ومنطقي ولا يمكن لوعيي قبول فكرة أحد منظري الشارع عن عقوبة أولا تعقبها محاكمة… ما هذا الهراء؟.
وكل من تحدث قبل الربيع العربي وضعف النظام وإنطلاق الحراك بسنوات طويلة عن الظلم والتعسف والسيطرة الأمنية وتحمل كلفة ذلك إقصاء وتهميشا وإستهدافا حتى من قبل بعض رموز الشارع اليوم عندما كانوا في خندق النظام.. كل هؤلاء وأنا منهم سيقاومون لحظة {التوحش} عند بعض رموز حراك الشارع من أصحاب الأجندات ودعاة العدالة العمياء وبنفس الكفاءة التي كشفوا فيها التعسف والإستبداد في الماضي. الإستبداد نوع واحد لا أنواع وبعض دعاة الفرقة والإنقسام الذين يريدون إصلاحا ديمقراطية لنصف الشعب الأردني فقط يختطفون الحراك ويحولونه إلى إستبداد من نوع مطابق لإستبداد الناس الذين خرجنا بالشوارع أصلا ضدهم. ليس من حق أحد إدعاء الحقيقة والصواب.. تلك قاعدة أساسية للحوار الحضاري بين البشر لا تشمل النظام ورموزه فقط بل قبل النظام يتوجب تطبيقها وبحرفية على رموز الشارع والحراك والإختلاف بأي جزئية مع إيقاع الشارع الصاخب اليوم لا يخرج أحدا من الملة ففي عمان اليوم لا يوجد ثورة ولا يوجد ولا شخص واحد يريد إسقاط النظام ومحاكم الحراك الإقصائية التي تخطف لغة البيان والإعلام أحيانا هي السبب المباشر في إنتاج ظاهرة {الأغلبية الصامتة} وفي إبعاد نخب صلبة ومؤثرة وذكية عن مشهد الحراك الذي يحاول بعض أوغاد السياسة والإعلام والإبتزاز إختطافه لمساحتهم.
سيتهمني البعض بخيانة الحراك والتعامل مع المشروع الصهيوني فقط لإني تجرأت على إنكار حق الشارع بإقامة محاكم شعبية ورفضت بدعة المحاكمة السياسية ففي الخطاب الحضاري لا توجد هذه ولا تلك.. ما أعرفه ولا أريد معرفة غيره هو وجود قانون وقضاء وحقوق دفاع متكافئة. المتهمون بالفساد شعبيا او قضائيا من الذين يخطبون فينا ليل نهار بالعفة والفضيلة ما الذي يمنعهم من التقدم ولو من تلقاء أنفسهم للإجابة على تساؤلات الناس وتوضيح الحقائق وحتى للخضوع لتحقيق قضائي فالخضوع للقضاء شرف حضاري لا يدانيه شرف خصوصا إذا كان الخاضع بريئا فعلا. لوكنت بصراحة متهما بالفساد وأؤمن ببرائتي لبادرت فورا للتحدث مع الناس وقول الحقيقة كما رأيتها للشارع ولقدمت رأسي طوعا بين يدي القضاء النزيه العادل فالمتهم في وجدان الشارع لا يمكن تنظيفه إطلاقا إلا عبر القضاء وليس عبر ألاعيب سياسية وجانبية مع أطراف مراوغة أو يمكنها تبديل موقفها حسب الحاجة داخل النظام أو عبر خيمة تضامنية بائسة تخطف عنوان العشيرة.
أعزائي المتهمون شعبيا بالفساد: تقدموا من تلقاء أنفسكم للقضاء.. وقدموا شروحاتكم للناس.. ذلك لا يعيبكم ويحمي المصلحة الوطنية ولا أعتقد أن القضاء الموثوق يمكن أن يغادر الإنصاف والعدالة فهو سيعرض لكم مسارين لا ثالث لهما.. العقوبة وفقا للقانون إذا ثبت الخطأ والبراءة أمام ألله والشعب والنظام بحيث تعودون للمجتمع كالعرسان وتثقبون عيون من يكرر الكلام السخيف عن فسادكم.
ذلك أجدى برأيي المتواضع من تسول تأجيل الهتافات بين حراكات المحافظات أو إستجداء الإعلام أو اللجوء للنظام للعب دور الضحية أو التشدق بالفضيلة وإدعاء الإستهداف وأجدى بالتأكيد من الإسترسال في بناء خيم تضامنية عشائرية تدعو للشفقة على شعبنا وحالنا. المعادلة إذا واضحة حنى تصمت الألسن التي تدعو لمحاكم سياسية وشعبية بإسم الشعب المصدوم وحتى تتحقق ملامح الإنصاف ويعود رجال الدرك إلى معسكراتهم والناس إلى بيوتهم على المتهمين بالفساد بصرف النظر عن هويتهم قول الحقيقة الأن حفاظا على النظام والدولة والشعب معا والتقدم ببلاغات وإفصاحات للنائب العام. عليهم سرد قصتهم كما حصلت تماما بدون مراوغة أو تلاعب بالحقائق ووضع أنفسهم بين يدي القضاء في موجة عدالة وإنصاف وطنية.. المخطيء ينال عقابه بموجب القانون والبريء يعود عريسا نظيفا عفيفا له إحترام الشعب والنظام ساعتها لن يجرؤ أحد على إتهامه بالفساد والقيادة لن توضع أمام خيارات إستراتيجية آحادية وضيقة ومفتوحة على الإحتمالات والشعب سيصفح بالتأكيد لإنه أوعى منا جميعا بقيمة البقاء ويتحلى بالمسئولية أكثر بكثير من جميع نخبه وجنرالاته ومسؤوليه.
للأخوة في الحراك: أرجوكم لا تمارسوا الإرهاب الفكري وتحرفوا المسار وللأخوة المتهمين بالفساد: أرجوكم قولوا كلمتكم وقصوا علينا الحكاية وسلموا أنفسكم للقضاء.’ مدير مكتب ‘القدس العربي’ في الاردن