إستفتاء فلسطيني بنكهة إسكتلندية!

حجم الخط
0

ما أن انتصف ليل الثامن عشر من سبتمبر/ أيلول الحالي حتى وقفنا جميعاً على رؤوس أصابعنا نتابع عملية الفرز في أنحاء إسكتلندا، لمعرفة نتائج الاستفتاء الخاص بانفصالها عن المملكة المتحدة، لكن نار الانشغال كانت الأكثر استعاراً في العاصمة البريطانية لندن، التي خشيت رحيل اسكتلندا وخسارتها لمعظم مواردها الطبيعية وإرثها الاتحادي، ابتداءً باسكتلندا ووصولاً إلى مقاطعتي ويلز وشمال إيرلندا وجزر القنال. ومع هذا وذاك «تبّنج» المتابعــــون لمجريات الاســــتفتاء أمام مشهدٍ مثيرٍ وفاتحٍ لشهية العديدين في أوروبا، ممــن طالبوا لعقودٍ طويلة بالانفصال كأقليمي الباسك وكتالونيا وغيرهما.
كثيرٌ من المشاهدين انتظروا لحظة تفكك المملكة البريطانية المتحدة، التي لم تغب عنها الشمس ذات يوم، ربما من باب التشفي أو رغبة بأن تشرب بريطانيا من الكأس ذاته الذي فصلّت معه وباستعمارها حدوداً جديدة ساهمت في شرذمة الأمم وتفاقم بؤسها وزيادة صراعاتها.
الفلسطينيون المنشغل معظمهم في غزة والمصالحة وحوار القاهرة، لم يعبأوا كثيراً بتفاصيل الاستفتاء، لكنهم ترقبوا النتائج رغبة منهم في معرفة مستقبل الدولة التي استعمرتهم وقدمت وعد بلفور وسلمت زمام الأمور للدولة العبرية على حساب الفلسطينيين، لكن ومع ظهور النتائج التي أذهلت مخرجاتها الفلسطينيين ظهر العديد من الأسئلة: كيف جرى الاتفاق على الاستفتاء أصلاً؟ ولماذا يرفض شعبٌ ما خلاصه من محتليه؟ ولماذا حسم المترددون أمرهم باتجاه البقاء في الاتحاد البريطاني كجزءٍ من المملكة المتحدة؟
ما آلم الفلسطينيين هو كيف يسمح لاسكتلندا أن تُستفتى على استقلالها بينما يحرم الفلسطينيون من ذلك؟ وتُستثنى قرارات الشرعية الدولية؟ ويُجمد القانون الدولي؟ ويسمح للمحتل أن يبني مستوطناته وجداره؟ بينما يستمر احتلاله دونما إذعان أو حتى مجرد التفكير بتطبيق ما أقره العالم في الامم المتحدة وغيرها؟ ناهيكم عن الطلب الإسرائيلي الظالم للفلسطينيين بأن يكونوا واقعيين؟
الفلسطينيون يريدون استفتاءً إسكتلنديَ الهوى في إصراره ورشاقته، لكنهم يريدونه حتماً فلسطينيَ النتائج! لكن هذا الاستفتاء ليس على ما إذا كنا نريد إنهاء الاحتلال أم لا، فهذا أمرٌ ليس مطروحاً أصلاً للنقاش.. ولا عن موعد إنهاء هذا الاحتلال لأنهم يريدونه اليوم قبل الغد، ولا عن حقهم في العودة أم لا، بل عما إذا كانوا يقبلون بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل لإنهاء الاحتلال، أم بتدخلٍ دولي مرتبطٍ بجدولٍ زمنيٍ محدد المدة لإنهاء الاحتلال ودخول قوات تابعة لتحالفٍ دولي يتسلم مسؤولية العملية الانتقالية، التي تشهد التحول من الاحتلال إلى الحرية، والى توفير الحماية للشعب الفلسطيني واستكمال عملية إطلاق سراح آلاف الأسرى الفلسطينيين وتطبيق تدريجي لقرارات الشرعية الدولية. المطلوب إذن استفتاء حول الحماية الدولية وتدويل الانتقال من الاحتلال إلى الاستقلال وكف يد المحتل عن التفاوض الزائف والأرض والمياه والهواء. إذن المطلوب استفتاء بنكهة إسكتلندية مثابرة ومصرّة وسلمية وحضارية.. لكن بنتائج فلسطينية لا يشارك فيها أهلنا في الداخل فحسب، بل أيضاً أهلنا وإخوتنا في الشتات. اليوم تسعى إسرائيل لحرف الأنظار عن احتلالها، بتوجيه الاهتمام نحو الحرب العالمية «الداعشية» الأولى بتوصيفها لذاتها على أنها شريك في محاربة التطرف، وأن القضاء على هذا التطرف هو الأولوية لا إنهاء احتلالها، تماماً كما قال نتنياهو مؤخراً.
لذا لا بد أن نذكر الجميع بأننا كفلسطينيين لسنا مع تمزيق الشعوب ولسنا مع القتل والتدمير والهلاك، لكننا لن نقبل بالاحتلال حتى لو أحاط بنا خطر شياطين الأرض مجتمعة، بل من الصعب الاقتناع بأن ما يطرحه نتنياهو سيصبح خياراً. فلا شراكة مع الاحتلال في ظل استمرار احتلاله، ولا تنازل عن الحرية مهما بلغ المحتل من طغيان وغي. فنحن لسنا مسؤولين عن حروب التطرف تماماً، كما لم نكن مسؤولين عن العنصرية والنازية وحرق البشر وتهجيرهم.
مشروعنا الدولة والاستقلال والحرية والخلاص، سواءً انفصلت إسكتلندا أم لم تنفصل أو قامت حروب عالمية أم لم تقم.. فالواقعية السياسة التي يطلبها نتنياهو لا تسقط مشروع الوطن بفعل تخويفنا من نيران الآخرين..
فليسقط الاحتلال ولتعش الحرية الواعدة والمتنورة والمسؤولة التي تحترم إرادات الشعوب سواءً في غلاسكو (عاصمة إسكتلندا) أو في القدس العربية الأصيلة! فهل وصلت الرسالة؟

٭ كاتب فلسطيني

د. صبري صيدم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية