أ. د. علي الهيل لعلَّ الكثيرين لا يلاحظوا أن الغرب حاول كثيراً لا سيما منذ تبدُّل وتغير نظام الحكم في إيران من علماني ليبرالي لا أيْديو- ديني موالٍ للغرب علانية إلى أيْديو – إسلامي معادٍ للغرب ظاهريا أو كما يبدو على الأقل – أواخر سبعينات القرن الماضي ( وقد نتجادل طويلاً حول كون الغرب ضالعا في ذلكُما التبديل والتغيير أو لا بحكم معرفتنا برغبة الغرب في التخلي عن حلفائه وفقا لباروميتر المصالح أو أن التبديل والتغيير كانا تعبيرا محضاً عن إرادة شعبية شكلت ‘الربيع الإيراني’ سنواتئذٍ ) وما يزال الغرب يحاول شق صفوف المسلمين وإيغار صدورهم تجاهَ بعضهم بعضاَ حسب سياسته الإستعمارية القديمة الجديدة ‘فرق تسُدْ’. وما ساعده على ذلك ربما هو انقسام المسلمين والعرب إلى مذاهب شتى. ولأن كثيراً من المسلمين من كل الأطراف علماء وقادة رأي وعامَّة قد بالغوا في خصومتهم المذهبية مما جعل الأصوات العاقلة لا تكاد تُسمع ومثال ذلك فضيلة العلامة الراحل الشيخ (حسين فضل الله) عليه رحمة الله وغيره من العلماء المهتمين بالتقريب بين المذاهب، فقد استغلت دوائر في الغرب الإنقسام المذهبي لمآربها الخاصة، والتي لم تعُدْ تخفى على أحد.
فإن المتتبع للإعلام الغربي وبالأخص الموجه حكوميا بشكل مباشر أو غير مباشر يمكن أن يلاحظ أنه يوحي للجماهير مثلاً بأن الحركة ‘الأيديولوجية’ غير السنية في العالم العربي أو الإسلامي لم تُؤذِ الغرب – على الأقل – بالقدر الذي فعلته الحركة السنية. فمثلاً، لا يكاد إعلام الغرب الرسمي يفوت مناسبة إلا ويؤكد أن السنّة العرب والمسلمين متمثلة في (القاعدة) قد أصابت الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلالها الغرب والأنظمة العربية والإسلامية العلمانية خاصة والتابعة للغرب في مقتل من خلال أحداث 9/11. ويتعمد هذا النوع من الإعلام الغربي تجاهل أصوات أمريكية وأوروبية مثل (ديفيد ديوك) و(بروس كنيدي) التي أشارت إلى وجود بصمات واضحة للموساد الصهيوني على أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر). ورغم مرور أكثر من اثنيْ عشرَ عاماً على وقوعها ما تزال آثارها وتداعياتها ونتائجها مستمرة وتتفاعل بقوة إلى الآن ويُحتملُ أن تظل كذلكَ لعقود قادمة. ويبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب بدرجة ما – لم تتعافَ سيكولوجيا في الحد الأدنى منها. وقبلها وبعدها آذت (القاعدة) وحركات أخرى منفصلة عنها أو متصلة بها الغرب بقيادة أمريكا في أماكن كثيرة من العالم العربي والإفريقي والعالم الغربي نفسه، أو هكذا ما يصر الإعلام الغربي على تكريسه في أذهان جماهيره.
و لإعطاء أمثلة فقط، فإن الإعلام الغربي يضخِّمُ من استهداف (القاعدة) للمصالح الأمريكية والغربية في السعودية واليمن ولبنان ومصر والأردن والمغرب وتونس والجزائر وتنزانيا وكينيا ولندن ومدريد وباريس. كما قامت أبواقه بتسويق أن (القاعدة) أو السنة المرتبطين بها أو المؤمنين بعقيدتها ضربت الغرب في (بالي) الأندونيسية عام 2005 والذي أتهم الشيخ (أبو بكر باعاشير) بأنه كان وراء الحادثة وهو الذي لم يُخفِ يوما إحترامه (للشهيد أسامة بن لادن – يرحمه الله). المعروف عن (القاعدة) أنها تجاهر بالعداء للغرب ولمذاهب إسلامية معاً وتكاد في أدبياتها لا تفرق بين الغرب وبين تلك المذاهب. وإذا ما تم استثناء أزمة (الرهائن الأمريكيين) بطهران العام 1979 وهي بين دولتين وكانت مسيسة وليست حركة منفصلة عن النظام الإيراني ضد الغرب والتي انتهت بلا أضرار تُذكر لحقت بالأمريكيين فإن العرب أو المسلمين الموالون لإيران لم يناصبوا الغرب العداء على الأقل بصورة تقترب أو تبتعد قليلا أو كثيراً من إستهداف السنة العرب والمسلمين للغرب، مع استثناء إستهداف الغرب من قِبَلِ حركتي (أمل) و(حزب الله) في لبنان.
فحكم (صدام حسين) في العراق مثلاً وإنْ كان حسب التصريحات ليس من أنصار (القاعدة) وكانت (القاعدة) من زاويتها تنظر إليه باعتباره علمانيا ليبراليا، دأب الغرب على وصفه بأنه كان سنيا معاديا لِما هو غير سني وللغرب معاً (وبالنتيجة كان قريبا من فكر القاعدة) خاصة بعد خطيئة غزوه الكويت رغم أنه مالَ في سنوات حكمه الأخيرة إلى التدين (وقد سمح لعناصر من القاعدة للدخول والقتال ضد الأمريكيين وحلفائهم الغربيين) قد ضرب الغرب في جيبه الذي يوجعه بغزو الكويت واحتلالها مما أَلب الغرب عليه حتى تم إعدامه برعاية أمريكية غربية. وثمة نظرية ذهبت إلى أن معرفة الغرب بكراهية (صدام حسين) لما هو غير سني مهد الغرب بقيادة أمريكا لاندلاع الحرب العراقية الإيرانية التي وجد الغرب فيها فرصة ثمينة لإذكاء الخلاف بين السنة وغيرهم من جانب وسوقا خصبة ورائجة لبيع أسلحته وتقوية اقتصاده من جانب آخر.
وقد أسهب الإعلام الغربي ذاته في تصوير إعدام (صدام حسين) على أنه عداء للسنَّة الراديكاليين في العالم العربي والإسلامي وتعزز هذا الفهم باغتيال (بن لادن) بعد ذلك وقيادات سنية أخرى قبل وبعد صدام وبن لادن باعتبار أن الغرب صديق للأنظمة السنية المعتدلة أو المعتلَّة (لا فرق) والتابعة العربية والإسلامية الرسمية التي بدورها العدو اللدود للحركة الأيديولوجية السنية، كما يشيع الإعلام الغربي. إضافة إلى ذلكَ، فإن الإعلام الغربي يُهوِّلُ من (طالبان) السنية غير العربية على سبيل المثال- والتي أذاقت الولايات المتحدة الأمريكية والغرب وما تزال في أفغانستان هزائم مريرة (مع أن الحكومات الغربية تعتم عليها) وكذا السنة في الصومال وأندونيسيا وباكستان وماليزيا والشيشان وغيرها من دول البلقان الإسلامية التي تعرقل وتستهدف المصالح الأمريكية والغربية بدرجات متفاوتة. و لعلَّ هذه الظاهرة كما يظهر للمراقب أنها تسهم إلى حد ما في التردد أو التلكؤِ الغربي الواضح في التدخل عسكريا في سوريا رغم وضوح ‘إرهاب الدولة’ على مدى أكثر من عام ونصف من وجهة نظر وسائل إعلام وتواصل إجتماعي وخاصة محطات تلفزة توصف بالمستقلة وبالعالمية وأخرى تابعة لمؤسسات حكم مناهضة للحكم السوري لسبب أو لآخر، مع أن بعضها قبل تفجر الوضع الشعبي السوري كان على علاقة وثيقة مع النظام في سوريا، وفجأة غدا على النقيض. أحيانا تبدو أسباب ذلك واضحة كتنفيذ أجندة وأحيانا يبدو مرد التغير إنسانيا محضاً نتيجة ما ينقله الإعلام لا سيما المتلفز أو المدونون أو ‘الإنترنتيون’ من مشاهد قتل تُظهر أن النظام هو من يرتكبها.
الخلاصة إذن أن الغرب بتدخله السياسي مصحوباً بالعسكري في العراق وليبييا وأفغانستان وعدم تدخله في سوريا واليمن مكتفيا بالكلام والمؤتمرات يهدف كما يبدو – إلى التحريض على كراهية المسلمين والعرب لبعضهم البعض بتضخيم الإختلاف المذهبي ليسهل عليه إختراق صفوفهم وقد حقق للأسف نجاحات بفضل إنطلاء حيَله على الكثير من العرب والمسلمين. ‘ أكاديمي وكاتب قطريت