الناصرة- “القدس العربي”: يستعرض المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) الحلبة الانتخابية الإسرائيلية عشية انتخابات الكنيست الخامسة في أقل من أربع سنوات، ويؤكد عدم وجود فارق بين اليمين واليسار في الصهيونية، خاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
ويتوقف التقرير عند محورين أساسيين: الأول؛ بعض جوانب الأزمة التي تسم الأحزاب في إسرائيل، وهي الجوانب التي تتراوح بين ما يمكن توصيفه بأنه “فتنة الطغيان”، وزعزعة البنية الاجتماعية للأحزاب. والأمر الثاني هو جوهر المعسكرات السياسية المتنافسة في هذه الانتخابات علماً أنه سبق للمركز أن عالج، في مقالات سابقة، الموضوع من زوايا أخرى.
في العام 2018 صدر في إسرائيل كتاب بعنوان “يهودية إسرائيلية: صورة ثورة ثقافية”، حاول مؤلفاه، البروفسور كميل فوكس والصحافي شموئيل روزنر، أن يفحصا من ناحية إحصائية من هم الإسرائيليون، وما هي مواقفهم العامة، وبالأساس السياسية. وتمثّل أحد الادعاءات الرئيسة في الكتاب، والذي استند من بين أمور أخرى إلى استطلاع للرأي العام شارك فيه ثلاثة آلاف شخص، أن الصراع بين اليمين واليسار هو صراع وهمي. وبرأي المؤلفين، يعود ذلك إلى سبب بسيط فحواه أن 5 % من الإسرائيليين فقط باتوا يعتبرون أنفسهم يساراً، وأن 11% فقط يعتبرون أنفسهم وسطاً- يساراً، وبالتالي فالمجموع هو 16 %. وهذا يعني أن اليسار آخذ بالتلاشي من ناحية عددية منذ فترة طويلة. ومنذ الاستطلاع الذي أجراه فوكس وروزنر، أظهرت فحوصات ومتابعات مثابرة أجراها المعهد الإسرائيلي للديمقراطية أنه لا يوجد أي تغيير في مواقف الجمهور الإسرائيلي العريض، بما يؤكد أن الطريقة الأكثر واقعية لعودة “حزب العمل”، باعتباره الرمز الأبرز لهذا اليسار، إلى السلطة في المستقبل القريب هي فقط “اختراع آلة للسفر عبر الزمن” (“هآرتس”، 26/7/2022).
الطريقة الأكثر واقعية لعودة “حزب العمل”، باعتباره الرمز الأبرز لليسار الإسرائيلي، إلى السلطة في المستقبل القريب هي فقط “اختراع آلة للسفر عبر الزمن”.
وطبقاً للتقرير فإن الناحية الإحصائية المجرّدة تثبت أن انحسار نفوذ اليسار الصهيوني يعكس في العمق سيرورة انزياح المجتمع الإسرائيلي في معظمه نحو اليمين. غير أن هذا الانحسار يتوازى في الوقت عينه مع ما يمكن توصيفه بأنه انزياح اليسار الإسرائيلي، وتحديداً ذلك الذي كان يجسده “حزب العمل”، عن قيم اليسار الكونية. ويضيف”مدار”: ما يتعيّن أن نعيد التذكير به أن هذا الانزياح عن قيم اليسار لم يظهر في الفترة الأخيرة، بل بدأ منذ أعوام عديدة. وربما من المفيد أن نستعيد ما قال به بعض أقطاب أحزاب هذا اليسار حيال هذا المآل. فقد ذهب بعضهم إلى أن اليسار الإسرائيلي كان أحد أبرز المدفونين في ما وُصف بأنه “قبر جماعي” حفرتْه الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف 2006 (“حرب لبنان الثانية”) وأهالت التراب فيه على مجموعة من ساسة إسرائيل وعسكرها وإعلامييها. ومردّ ذلك أن هذا اليسار لم يفعل ما كان ينبغي عليه أن يفعله، وهو معارضة الحرب بصريح العبارة من دون أدنى تلعثم، وبقي يمارس “الرقص على حبلين”، بين معارضة الحرب وبين تأييدها، بمسوّغ أنها “عادلة” و”مبرّرة”.. إلخ. وأكد بعض آخر أن تلك الحرب على لبنان دقّت المسمار الأكبر في نعش اليسار، الذي كان يعتبر نفسه “معسكر السلام الإسرائيلي”،
منوها إلى أن هذا الحديث لم يدر في ذلك الوقت حول ردات فعل عاطفية عابرة، قد تعدّ “نتيجة مطلوبة ومفهومة لمشاعر الغضب والإحباط والخوف”، وإنما دار حول “مرحلة إضافية في سيرورة عميقة ومتصلة من فقدان البوصلة واللهاث وراء حلول انعزالية وأحادية الجانب، لا بُدّ من أن تكون نهايتها الطريق المسدودة وتكريس الصراع (مع الفلسطينيين)”. وجرى لفت الأنظار إلى أنه قبل تلك الحرب فإن السهولة أو الخفّة التي هضم فيها “معسكر السلام” هذا ذرائع رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، إيهود باراك، عندما كان رئيساً لـ “حزب العمل”، بشأن إخفاقه في مسار المفاوضات السوري- اللبناني والمسار الفلسطيني، في العام 2000، وعقابيل ذلك كله، كانت بمنزلة أول شهادة على هشاشته.
وبرأي التقرير فإن ما اتضح لاحقاً هو أن أغلبية الإسرائيليين الذين يتفاخرون بحمل لقب “يساريين” هم ليسوا أكثر من “حمائم تُغرّد داخل السرب”، لا “حمائم ذات قيم عالمية” (تتجاوز الإطار المحليّ الضيق). وهؤلاء يؤيدون عملية السلام من منطلق اعتبارات براغماتية تحيل فقط إلى ما يندرج في إطار مصلحة الشعب اليهودي، مثل الميزان الديموغرافي، أو ضمان أمن إسرائيل، أو دفع ازدهارها الاقتصادي قدماً. أما الصنف الذي يؤيد السلام بدوافع أخلاقية عالمية فقد بات صنفاً نادراً، وهذا الصنف هو الذي لا يبحث عن ملاذٍ في حضن الوطنية العمياء والإجماع القومي.
باحثون: انحسار نفوذ اليسار الصهيوني يعكس في العمق سيرورة انزياح المجتمع الإسرائيلي في معظمه نحو اليمين، في توازٍ مع انزياح اليسار الإسرائيلي عن قيم اليسار الكونية.
وبرأي “مدار”، وكي تكتمل الصورة حول جوهر المعسكرات السياسية المتنافسة في الانتخابات العامة القريبة لا بدّ من الإشارة إلى أن الفراغ الناجم عن انحسار هذا اليسار، وعن عدم التماهي المطلق من طرف قوى سياسية إسرائيلية مع طروحات اليمين الذي يتزعمه بنيامين نتنياهو ويوصف، لأسباب شتى، بأنه يمين جديد شعبوي وأقل ليبرالية من اليمين الإسرائيليّ التقليدي، تملؤه أحزاب وسط موسمية، كما يمثله حزبا “أزرق أبيض” برئاسة وزير الدفاع الحالي بيني غانتس، و”يوجد مستقبل” بزعامة رئيس الحكومة الانتقالية الراهنة يائير لبيد، وقبلهما حزب “كديما”، الذي وقف على رأسه كل من رئيسي الحكومة السابقين أريئيل شارون وإيهود أولمرت ووزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني ووزير الأمن السابق شاؤول موفاز.
كما يوضح أنه في واقع الأمر أنه منذ العام 1996 يتسم المشهد السياسي الإسرائيلي بنشوء أحزاب وسط جديدة تم انتخابها لعضوية الكنيست، غير أنها سرعان ما كانت تعود وتختفي من الخريطة السياسية الحزبية بعد دورة واحدة، أو دورتين، أو ثلاث دورات على الأكثر، ما يمكن من توصيفها بأنها “أحزاب موسمية”. وكان هذا هو مصير أحزاب الوسط “الطريق الثالث”، و”شينوي”، وحزب المتقاعدين، و”كديما”. وكذلك مصير حزب “الحركة (هتنوعا)”، الذي انتُخب للكنيست في قائمة مستقلة في العام 2013، ثم في إطار تحالف “المعسكر الصهيوني” مع حزب العمل العام 2015 (أسست حزب “الحركة” تسيبي ليفني التي انشقت عن حزب “كديما”)، وحزب “كلنا” (كولانو) الذي انتُخب لعضوية الكنيست أول مرة العام 2015 (أسّسه موشيه كحلون الذي انفصل عن حزب الليكود)، وفي المقابل كان ثمة حزب واحد استطاع حتى تلك الانتخابات تثبيت حضوره في السياسة الإسرائيلية، هو حزب “يوجد مستقبل”.
كثرة أحزاب الوسط الجديدة التي تُقام ويُحقّق بعضها مكاسب كبيرة في الانتخابات تدل على عدم رضى الجمهور العريض من الأحزاب الموجودة، بما في ذلك العريقة.
ويتابع “مدار”: “في رأي عدة أبحاث يشكل نجاح أحزاب الوسط واختفاؤها أحد الأعراض الأساسية لأزمة الأحزاب في إسرائيل، ذلك بأن كثرة أحزاب الوسط الجديدة التي تُقام ويُحقّق بعضها مكاسب كبيرة في الانتخابات تدل على عدم رضى الجمهور العريض من الأحزاب الموجودة، بما في ذلك العريقة، ومن السياسيين الذين يقودونها، ومن إخفاقها في حل مشكلات أساسية في المجتمع الإسرائيلي. ويعتقد أن التبدل السريع في الأحزاب الممثلة في الكنيست، يمس أكثر فأكثر، بثقة الجمهور بالسياسة والعمل السياسي، وبالسياسيين والأحزاب، علماً بأن هذه الثقة هي في الحضيض عموماً. والناخبون أنفسهم الذين خاب أملهم من الأحزاب الكبيرة يعودون فيُصابون بخيبة أمل أُخرى من أحزاب الوسط، المرة تلو الأُخرى، الأمر الذي ربما يعرضهم، كما يزعم عدد من الباحثين، إلى اليأس التام والنهائي من المنظومة السياسية، ومن “الديمقراطية الإسرائيلية” المنقوصة أصلاً.