تقرأ تشكيلة إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب على أنها قائمة من اليمين المتطرف المؤيد لإسرائيل وكأن شعار ترامب الذي اختار هذه المجموعة المتنوعة بمواقفها والمتحدة بدفاعها ودعمها الأعمى لإسرائيل، كان «إسرائيل أولا» ثم «أمريكا أولا» أو ماغا، أي لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى، فالعنوان الرئيسي هو «لنجعل إسرائيل عظيمة أيضا» وفي هذا السياق تحتفل إسرائيل بيمينها المتطرف وترى ألا حاجة للتعقل أو حتى الاهتمام بما يقوله العالم الخارجي، فإدارة ترامب الثانية ستحميها وتساعدها على الإفلات من العقاب.
ولعل القارئ لسير المسؤولين المرشحين للمناصب البارزة، وخاصة في السياسة الخارجية لن يندهش من وجود شخصيات لديها سجل حافل في الولاء للدولة اليهودية وتاريخ من العمل في الصالح الإسرائيلي وترفض أي وجود للفلسطينيين، وهذا واضح من السفير المرشح لإسرائيل مايك هاكابي، حاكم اركنساس السابق إلى ماركو روبيو، المرشح لمنصب وزير الخارجية وإليكس ستيفانيك، المرشحة لتولي بعثة أمريكا الدائمة في الأمم المتحدة.
تعرف على الجوقة
أما المرشح لوزارة الدفاع بيتر هيغسيث، المعلق المعروف في قناة فوكس نيوز، فأمره أكثر عجبا من غيره، فآراؤه تمتد من دعواته لقلب الوزارة التي سيقودها، وتغيير اسمها لوزارة الحرب كما كانت تعرف قبل 1947 ورفض فكرة التنوع الأمريكي، وهو ما تفاخر أمريكا العالم به. ويرى أن تولي السود الأمريكيين مناصب قيادية في الجيش نابع من عرقهم وليس من كفاءتهم في المقام الأول. وكما ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» (14/11/2024) فهيغسيث، لديه كتب رافضة لوجود المرأة في الجيش باعتبارها تؤثر على فعالية الجيش، كما ويعارض مشاركتها في العمليات القتالية، فهي غير مناسبة مقارنة مع الذكور ممن لديهم عضلات. وهو معارض للمثليين والمتحولين جنسيا وعملهم في الجيش.
ولعل أهم ما في مواقفه هي كراهيته المتأصلة للإسلام وإيمانه بنظرية الاستبدال العظيم وأن الإسلام والمسلمين سيسيطرون مرة على أمريكا. بل ويؤمن بأن أمريكا لا تزال تعيش في وضعية القرن الحادي عشر، أي زمن الحروب الصليبية. بل ورسم وشما على جسمه يمجد الصليبيين، ودعا إلى إقامة الهيكل فوق المسجد الأقصى. كما وسخر من الجيل الشاب الأمريكي المؤيد لفلسطين وصفق فرحا للجثث التي تراكمها إسرائيل في غزة. ويؤمن هيغسيث بأن الإسلام ليس دين سلام بل عنف ويجب مقارعته بالسيف.
وبعيدا عن مواقفه المتطرفة من المسلمين، فالوزير المرشح لا خبرة لديه كالبقية ممن اختارهم ترامب في العسكرية، فهو سيتولى قيادة جيش مكون من 3 ملايين عنصر ويتولى الإشراف على الأسلحة النووية، ومتابعة حماية القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة حول العالم. وهو وغيره ممن اختارهم ترامب حتى الآن لديهم مؤهل واحد وهو الولاء له.
خذ مثلا تولسي غابارد، الديمقراطية السابقة التي أصبحت من أتباع ترامب، فقد اختيرت لتولي وكالة الأمن القومي، وقد شككت في الماضي في تقييمات الاستخبارات الأمريكية وزارت عندما كانت نائبة عن هاواي، سوريا واجتمعت مع بشار الأسد، الرئيس السوري مرتين أثناء زيارتها هذه.
ولنزد قليلا ونقدم ما يقوله أعضاء الجوقة الذين جمعهم ترامب ليساعدوه على وقف الحروب في الشرق الأوسط وأبعد منه. فالمرشح لمستشار الأمن القومي، مايك والتز، الذي روج له موقع التواصل الاجتماعي التابع لترامب «تروث سوشيال» باعتباره «خبيرا في التهديدات التي تشكلها الصين وروسيا وإيران والإرهاب الدولي» نقلت عنه شبكة فوكس نيوز في أيلول/سبتبمر بأن وقف إطلاق النار وصفقة تحرير الأسرى لن توقفا الصراع. ومضى يقول: «سوف تستمر إيران في إشعال القلاقل، لأنهم يريدون تدمير إسرائيل. وإن تقديم التنازلات تلو التنازلات لإيران، سيقود لانعدام الاستقرار». أما فيفيك راماسوامي، الذي أوكل إليه ترامب مع إيلون ماسك مهام وزارة الكفاءة الحكومية، فقد قال: «لدي ثقة كاملة في أن الجيش الإسرائيلي لو ترك ليؤدي عمله بدون قيود، فسوف يكون قادرا على إنجاز مهمة الدفاع عن إسرائيل». وبالنسبة لهاكابي، المسيحي الإنجيلي الذي قال إن هناك كلمات معينة يرفض استخدامها، فكما قال في مقابلة له مع محطة «سي إن إن» في عام 2017: «لا يوجد هناك شيء اسمه الضفة الغربية. إنها يهودا والسامرة. لا يوجد شيء اسمه المستوطنات. إنها المجتمعات، إنها الأحياء السكانية، إنها المدن. لا يوجد شيء اسمه الاحتلال».
وكتب روبيو بعد رحلة له أخيرة قام بها إلى إسرائيل (وكانت تلك هي رحلته الرابعة إليها منذ الحرب) «إن أعداء إسرائيل هم أيضا أعداؤنا. النظام الإيراني ووكلاؤه من حماس في غزة وحزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن، والعديد من الجماعات في سوريا والعراق، كلهم يسعون إلى تدمير إسرائيل كجزء من خطة متعددة المراحل للهيمنة على الشرق الأوسط ونزع الاستقرار عن الغرب. إن الدولة اليهودية على خط المواجهة الأول من هذا الصراع، تقاتل بالكثير من الأرواح الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة». ويرى روبيو أنه لا يوجد أفظع من أن تصدر المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وكبار الضباط في الجيش الإسرائيلي، ويقول: «لا تلاحق المحكمة الأسد في سوريا، الذي قصف شعبه بالغاز. ولا تلاحق شي جينبنغ في الصين، الذي يرتكب الإبادة الجماعية على مرأى ومسمع من العالم ضد الإيغور. بدلا من ذلك، تقوم بمهاجمة بلد بذل جيشه قصارى وسعه للحفاظ على حياة المدنيين. إنه لنفاق مذهل».
واختار ترامب مبعوثا للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، وهو رفيقه في لعبة الغولف وتاجر العقارات في نيويورك، الذي ظل يصفق لنتنياهو في خطابه الأخير أمام الكونغرس وقال إن كلام نتنياهو «كان روحانيا، ومع ذلك لا تشعر بأن هذا هو رد الفعل الذي تحصل عليه من كثير من هؤلاء الديمقراطيين» وأضاف «لقد كان من دواعي سروري أن أكون هناك. كنا نقف كل خمس ثوانٍ، لأن هذا الحشد كان مؤيدا جدا له وكذلك كان مؤيدا جدا للرسالة».
والسؤال هل هذا هو الفريق الذي وعد ترامب المسلمين والعرب في ديربورن، ميشيغان بأنه سيحقق السلام؟ والحقيقة أن بعض قادة العرب الأمريكيين صدقوا كلامه وقاموا بمبايعته على هذا.
ويبدو أن البعض صدق وعود ترامب المعروف بكذبه، ومنهم الفلسطيني الأمريكي بشارة بحبح، الذي أنشأ حملة «عرب أمريكيون من أجل ترامب» وأكد أن تصويت العرب لترامب ليس تصويتا احتجاجيا وأن فترة الرئيس المنتخب الثانية ستكون مختلفة عن الأولى التي شيطن فيها اللاجئين السوريين ومنع المسلمين من دول إسلامية من دخول أمريكا وانتهج سياسة في الشرق الأوسط خدمت مصالح دعاة التفوق اليهودي واليمين المتطرف في إسرائيل. ولكن تعيينات الرئيس المنتخب أثبتت أن كلام بحبح والإمام الذي وقف في تجمع انتخابي لترامب معلنا أن الأخير سيجلب السلام كان خطأ.
ويأتي هذا وسط تراجع إدارة بايدن عن تهديدها بفرض عقوبات على إسرائيل لأنها لم تسمح بما يكفي من المواد الإنسانية لغزة وخاصة شمالها المنكوب. واكتشف أنطوني بلينكن، على ما يبدو فجأة، أن إسرائيل لم تعرقل عمليات الإغاثة. مع أن الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة أكدت إن إسرائيل فشلت في تنفيذ المطالب الأمريكية. وحسب التقارير الإسرائيلية، فقد أكد ترامب لمبعوثي حكومة نتنياهو بأن أي قيود أو تأخير في وصول الأسلحة الأمريكية سيتم إلغاؤه حالة توليه السلطة. ومن هنا يفهم جذل الوزراء المستوطنين مثل بتسلئيل سموتريتش الذي أعلن فرحا بأن عام 2025 سيكون عام الضم الفعلي للضفة الغربية. وله أن يفرح وخاصة أن السفير المقبل لا يختلف عن سفير ترامب السابق ديفيد فريدمان الذي كان متحالفا مع المستوطنين.
سقط القناع
وتبدو مواقف هاكابي والزمرة التي اختارها ترامب متناقضة مع مواقف الكثير من اليهود الأمريكيين، ففي استطلاع لمؤسسة بيو هذا العام وجد أن نسبة 46 في المئة منهم يدعمون حل الدولتين مقابل 22 في المئة يدعمون دولة واحدة على كل فلسطين التاريخية كما يؤمن هاكابي. واقترح كاتب في مجلة «ذي أتلانتك» (14/11/2024) ان اختيار ترامب لشخصيات كهذه بأنه محاولة لرد الجميل للإنجيليين المسيحيين الذين ساعدوا في انتخابه، وهو كعادته يكافئ الموالين له. وعلق جيرمي بن عامي، مدير جي ستريت، وهي مجموعة ضغط موالية لإسرائيل على اختيارات ترامب بالقول: «لقد سقط القناع، هذا الإعلان هو دليل آخر على أن عبارة مؤيد لإسرائيل، التي يستخدمها ترامب منفصلة تماما عن أي اهتمام بالقيم اليهودية أو السلامة أو تقرير المصير». وأضاف: «الأمر كله يتعلق بما يعنيه مؤيد لإسرائيل بالنسبة للمتطرفين في قاعدة ماغا». وسيتقاطع جهد هاكابي مع المرشحة كسفيرة في الأمم المتحدة ستيفانيك التي لعبت دورا مهما في مساءلة رئيسات جامعات أمريكيات ودفعتهن للاستقالة بسبب التسامح مع معاداة السامية. وتعرف ستيفانك بنقدها للأمم المتحدة ودعمها لقطع التمويل عن أونروا، وربما امتد هجومها ضد وكالات أخرى، واحدة منها أصدرت تقريرا يوم الخميس قالت فيه إن سلوك إسرائيل في حرب غزة «متناسق مع مظاهر الإبادة الجماعية».
نتنياهو مشغول
ومن جانبه تحرك نتنياهو وأرسل وزير الشؤون الإستراتيجية رون ديرمر إلى مقر إقامة ترامب في مار- إي- لاغو بفلوريدا، حيث اجتمع يوم الأحد مع المسؤولين في إدارة ترامب المقبلة، وقدم لهم كما كشفت صحيفة «واشنطن بوست» (13/11/2024) خطة لوقف إطلاق النار في لبنان. واجتمع مع جاريد كوشنر، رجل الأعمال والمستشار السابق لترامب، والذي بشر بأن غزة ما بعد الحرب ستكون مكانا جيدا لاستثمار العقارات الفاخرة. ولم يظهر اسم كوشنر في التعيينات، لكن صحيفة «التايمز» (11/11/2024) توقعت أن يدير من الظل جناحا للتأثير على سياسة صهره وخاصة في الشؤون الخارجية.
وفي تحول لافت للنظر قرر نتنياهو اختيار سفير له في واشنطن ويعيش في المستوطنات وهو يحئيل لايتر، المولود في أمريكا والمقرب من نتنياهو وكان في شبابه عضوا في رابطة الدفاع اليهودي التي اعتبرت مرة منظمة إرهابية في أمريكا وارتبط بأفكار الحاخام المتطرف مائير كاهانا، ويعتبر من نقاد اتفاقيات أوسلو.
وفي العام الماضي قتل ابنه في غزة. وفي جنازته قال لايتر محذرا الرئيس بايدن من الضغط على إسرائيل لكي تقبل بوقف إطلاق النار: «خذ كلام واحد لآخر من سكرمنتو يتحدث بصراحة، سننتصر في هذا بك أو بدونك» في إشارة إلى مدينة سكرمنتو التي ولد فيها لا يتر وبايدن.
إكمال مهمة بايدن
والمفارقة كما يقول إيشان ثارور في صحيفة «واشنطن بوست» (15/11/2024) الرئيس الأمريكي الذي سيخدم لمرة واحدة متسمك وبثبات بدعم حليفته لإسرائيل، وتسليحها في حربها الطويلة وحمايتها من العقوبات الدولية. والحقيقة أننا لم نكن لنصل إلى هذه النقطة لو لم يستمر بايدن في دعم إسرائيل، والتزام نائبته المرشحة الديمقراطية بخط رئيسها. فرفض واشنطن تغيير مسارها أدى لما نراه اليوم حكومة حرب ستشعل المنطقة بكاملها، كما يقول ديفيد هيرست بموقع «ميدل إيست آي» (14/11/2024) إن العالم قد تغير منذ ولاية ترامب الأولى، وحتى «صفقة القرن» التي أعلن عنها عام 2020 وخريطته لما تبقى من فلسطين ربما انكمشت، هذا إن نفذت إسرائيل خططها لضم شمال غزة وعودة الاستيطان إليه. ولا أحد يعرف ما ستؤول إليه الأمور عندما ينتقل ترامب من فلوريدا إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير، لكن ما هو مكتوب على الجدار أن ترامب، بحكومة تتشكل من أشخاص، يرددون كالببغاء خطط إسرائيل لتوسيع الحرب إلى سوريا والعراق وإيران، سوف تكون لديه القدرة على إشعال صراع إقليمي يخرج عن سيطرة أمريكا وعن سيطرة إسرائيل. كما أن المعروف المجهول هو أن العالم العربي من محيطه إلى خليجه تغير بعد هجمات تشرين الأول/أكتوبر وأصبح دعم خيار المقاومة طاغيا وكوسيلة لتحقيق حل عادل للفلسطينيين وقضيتهم.
عبث الخطوط الحمر
والمفارقة هي أن إدارة بايدن عملت جهدها لمواصلة الدعم العسكري والأمني والدبلوماسي، لكن بمجرد فوز ترامب حول نتنياهو نظره عن الإدارة التي تواصل منحه الحماية نحو ترامب الذي كان على ما يبدو يحضر لانتصاره قبل 5 تشرين الأول/نوفمبر. ولكن ما يهم في هذا السياق هو استمرار الغرب بموقفه بالدفاع عن إسرائيل، كما يقول أوين جونز في صحيفة «الغارديان» (13/11/2024). وعلق قائلا: «الرواية الرسمية للغرب عن حرب إسرائيل على غزة. بغض النظر عن مدى بشاعة الفظائع أو غلبة الأدلة أو الاعتراف بالجريمة، فإن الحصن لن ينهار. في الواقع، حتى عندما تهين إسرائيل بشكل صارخ راعيها الرئيسي، الولايات المتحدة، كما فعلت هذا الأسبوع، لا يتغير شيء».
والرسالة التي وجهها بلينكن ووزير الدفاع لويد أوستن بمهلة 30 يوما من أجل تحسين الوضع الإنساني في غزة لم تكن سوى «خدعة» سياسية كما يقول السناتور الديمقراطي كريس فان هولين لجذب الناخبين في الفترة التي سبقت الانتخابات (نظرا لأن معظم الناخبين الديمقراطيين يعتقدون وهم محقون أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية).
وماذا حدث؟ فقد مر الموعد النهائي في 12 تشرين الثاني/نوفمبر ولم تفعل الولايات المتحدة شيئا. «الولايات المتحدة تقول إنه لا توجد عواقب سياسية لإسرائيل على الرغم من افتقارها إلى المساعدات المقدمة إلى غزة» كما عبر عن ذلك عنوان رئيسي في صحيفة «واشنطن بوست» باختصار ووضوح. وأشار الكاتب إلى «رواية رسمية» سائدة اليوم في دول مثل الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وهي أن إسرائيل ديمقراطية على الطراز الغربي ولها «الحق في الدفاع عن نفسها» ضد الإرهاب، مع مناقشة جانبية مسموح بها حول ما إذا كان الرد «متناسبا».
ويقول إن الساسة سوف ينغمسون في بعض الالتفاتات المبتذلة حول معاناة المدنيين، ويشيرون إلى الحاجة إلى الالتزام بالقانون الدولي، بدون تحديد أي من الانتهاكات الفادحة المتفشية.
ولا علاقة لهذه الرواية بالحقائق التي تشير إلى واحدة من أعظم الجرائم في عصرنا منذ أن وعد القادة والمسؤولون الإسرائيليون بحرمان «الحيوانات البشرية» من ضروريات الحياة، وفرض العقوبات الجماعية، وإزالة «جميع القيود» على الجنود والتسبب في «أقصى قدر من الضرر» لغزة.
وقبل شهرين، تم الكشف عن أن كلا من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ومكتب اللاجئين التابع لوزارة الخارجية قد خلصا بحلول شهر نيسان/أبريل إلى أن إسرائيل كانت تحظر عمدا المساعدات إلى غزة. ووفقا للقانون الأمريكي، فإن هذا يستلزم فرض حظر على الأسلحة على إسرائيل، لكن إدارة بايدن تجاهلت ببساطة تقييمهم. ويبدو أن إسرائيل قادرة على فعل أي شيء بدون سقوط الحصن.
و«يمكنها أن تتجاهل بأمان دموع الطبيب البريطاني نظام محمود عندما أخبر أعضاء البرلمان أن الأطفال الفلسطينيين يتعرضون لإطلاق النار على رؤوسهم عمدا يوما بعد يوم من قبل القناصة الإسرائيليين وطائرات الكوادكوبتر المسيرة، وهي شهادة أكدها فعليا العشرات من المتخصصين الطبيين المقيمين في الولايات المتحدة والذين خدموا في غزة. عمل محمود في رواندا أثناء الإبادة الجماعية، لكنه أعلن أنه لم يشهد أي رعب على نطاق غزة».
تصمد الرواية أمام هذه أكبر مسؤولة إنسانية في الأمم المتحدة، جويس مسويا، التي أعلنت أن: «سكان شمال غزة بالكامل معرضون لخطر الموت». وتصمد الرواية دون خدش عندما يعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن الناجين النازحين بعنف لن يسمح لهم بالعودة إلى هناك. حتى أن صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، في افتتاحيتها، ذكرت أن «الجيش الإسرائيلي ينفذ عملية تطهير عرقي في شمال قطاع غزة» لكن «كارتل» الأمر الواقع من المنافذ الإعلامية الغربية والسياسيين يبقون الحقيقة البشعة بعيدة. و«لا شيء يترك أثرا، التجويع وذبح الأطفال والتطهير العرقي ومحو نظام الرعاية الصحية بعنف: كل هذا يتم عمدا من قبل دولة لم يتظاهر قادتها حتى بعدم الإيمان بالذنب الجماعي للسكان المدنيين. فلو كانت الرواية الرسمية متوافقة مع الواقع، فستكون على هذا النحو: إسرائيل دولة ترتكب حمام دم إبادة جماعية لا يشمل فقط القنابل والرصاص ولكن أيضا التعذيب والعنف الجنسي. أولئك الذين دافعوا عن هذه الفظائع أو قللوا من شأنها سيفضحون علنا، وأولئك الذين سهلوا ذلك سيواجهون الاعتقال. لقد كان من المؤكد أن ساستنا ووسائل إعلامنا وشخصياتنا العامة كانوا سيصرخون منذ عدة أشهر مطالبين بفعل أي شيء لإنهاء هذه الحرب. ولكن مهما قاسى أهل غزة فإن هذه الرواية هي السائدة».