تريد السلطة الفلسطينية بـ”رأسين وبلا عقل”
الناصرة-“القدس العربي”:حينما نشبت حرب العرق وإيران في 1978 تمنى رئيس حكومة الاحتلال وقتها مناحم بيغن أن تطول أكبر مدة ممكنة راجيا “النجاح للطرفين” اللذين طالما ناصبا العداء لإسرائيل منذ سقوط نظام الشاه. وهكذا في الحالة الفلسطينية منذ الانقسام الكبير في الحركة الوطنية بين “فتح” و”حماس” في 2007 فقد استغلته إسرائيل بطبيعة الحال لتكريسه وتعميقه وإبعاد طرفيه عن طريق السواء والرجعة للوحدة الوطنية على مبدأ “فخار يكسّر بعضه” كما يقول المثل الشعبي. ولم تنتظر إسرائيل أصلا الانقسام في الساحة الفلسطينية، بل طالما بادرت لتفريق صفوف أبناء الخندق الواحد والشعب الواحد والقضية الواحدة من باب “فرقّ تسد” كما كان يؤكد أيضا المؤرخ الإسرائيلي دكتور ميرون بينبينشتي، الذي رحل الأسبوع الماضي. في محاضراته خلال السنوات الأخيرة كان بينبينشتي يقول إن إسرائيل لم تكتف بوجود سلطة فلسطينية ضعيفة برأسين وبلا عقل، بل عملت على تجزئة الشعب الفلسطيني لخمسة شعوب: غزة، والضفة، والقدس، والداخل والشتات. موضحا أن الهدف غير المعلن لدى إسرائيل هو احتلال وعي الفلسطينيين بعد احتلال الجغرافيا، كي تتناثر القضية الفلسطينية وتنحصر في فلسطينيي الضفة الغربية ربما فيسود شعور بالاعتراف لدى كل مجموعة فلسطينية حيال المجموعات الأخرى. من الطبيعي أن تعتبر إسرائيل مساعي استعادة الوحدة الآن بين فتح وحماس أخبارا غير سارة، ولذا فهي تسعى لإفشالها بشتى السبل من آخرها اعتقال القيادي الشيخ حسن يوسف من منزله في مدينة رام الله كجزء من هذه المساعي كما أكدت الحركتان حماس وفتح. وأكدت حركة حماس إن هذه الحملة الاحتلالية لن تفلح في ثني أبناء الحركة وقياداتها عن دورهم الطليعي في مواجهة مشاريع الاحتلال والتصدي لها. وشددت على أن اعتقال الاحتلال الشيخ حسن يوسف لن يوقف مسار الوحدة الذي عمل هو من أجله طوال الشهرين الماضيين اللذين قضاهما في الحرية، وما تعرض خلالهما من ضغوط وتهديدات من الاحتلال عبر الاستدعاء المتكرر، ونوهت الحركة أنه كان يجوب الضفة من شمالها لجنوبها مشاركا في الفعاليات الوطنية. من جهته، أدان أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح اللواء جبريل الرجوب، قيام الاحتلال الإسرائيلي يوم الجمعة باعتقال القيادي في حركة “حماس” حسن يوسف.
سلام مع إسرائيل أو مع الإرهاب؟
وأكد الرجوب أيضا أن هذا الاعتقال هو استمرار لنهج الاحتلال في اعتقال العشرات من أبناء شعبنا الفلسطيني يوميا، واستمرار للعدوان المتواصل على شعبنا منذ عقود، ويأتي في إطار محاولات العبث بالساحة الفلسطينية، ومحاولة للتأثير على إنجار الوحدة الوطنية. في المرات السابقة هاجمت إسرائيل بقوة كل فكرة أو خطوة نحو المصالحة الفلسطينية، ومشهورة في هذا السياق المقولة الديماغوجية التي كان يطلقها رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو، بأن على السلطة الفلسطينية أن تختار بين “الإرهاب أو السلام”. لكن مساعي الاحتلال المفهومة لتكريس الفتنة قد سبقت نتنياهو. منذ سيطرة حركة حماس على قطاع غزة عام 2007 وبداية الانقسام السياسي- الجغرافي في الحركة الوطنية الفلسطينية، تحول الانقسام إلى ركن أساس من استراتيجية إسرائيل تجاه الفلسطينيين، فمن جهة أرادت إسرائيل الحفاظ وتعزيز الانقسام الفلسطيني، ومن جهة أخرى أرادت إضعاف طرفيّ الانقسام، الأول من خلال محاصرته اقتصاديا وجغرافيا، والثاني من خلال محاصرته سياسيا. وبصرف النظر عن هوية حكومتها اعتبرت إسرائيل أن الانقسام الفلسطيني المترتب على حالة وجود حكومتين منفصلتين هو مصلحة إسرائيلية كبرى، إذ أنه يعني تشتيت جهود بناء الدولة الفلسطينية، بل إنها كثفت مزاعمها بأن هذه الدولة لم تعد ممكنة واقعياً في ظل وجود نظامين سياسيين مختلفين. كما أن تعزيز حالة الانقسام تصب الماء على طاحونة الدعاية الإسرائيلية بالزعم أنه لا يمكن إقامة دولة على منطقتين منفصلتين ويخلق مع الوقت سياقات سياسية ومؤسساتية تجعل من توحيد الأطر الإدارية والأمنية أمراً مستحيلا. استماتت إسرائيل بقيادة نتنياهو في شتى السبل لتكريس الانشقاق لأنها تساعد في تحقيق مقاربتها حول إدارة الصراع من خلال إدارة العلاقة اليومية مع حماس في غزة وإدارتها في الضفة مع السلطة الفلسطينية، من دون الحاجة لتقديم تنازلات سياسية.
منافع الانقسام إسرائيلية
أما بالنسبة لبعض أركان اليمين، فإن غزة يجب أن تترك لمصيرها، إذ أن ما يهم هو الضفة الغربية وتحديداً المناطق “ج” التي يجب ضمها إلى إسرائيل. وربما الأهم أن هذا الانشقاق بالنسبة للاحتلال يشغل الفلسطينيين عن الصراع معه ويوّجه جهودهم نحو الصراع الداخلي وبالتالي يتم ترحيل المطالب الفلسطينية بالاستقلال والحقوق السياسية. كما أن سيطرة حماس على قطاع غزة تعني أن الرئيس محمود عباس ليس صاحب سيادة ولا سلطة على الجزء الثاني من الأرض التي يطالب بأن تقام دولته عليه وبذلك كانت تستخدم إسرائيل الانقسام وسيلة لسحب البساط من تحت أقدام الدبلوماسية الفلسطينية في العالم خاصة بعدما أطلق رئيس حكومة الاحتلال العمالي الأسبق إيهود براك فرية “اللاشريك الفلسطيني” عقب انهيار قمة كامب ديفيد في العام 2000. من هنا فإن استمرار سيطرة حماس على غزة يعني تقويض رواية ومطالب الرئيس عباس بخصوص الدولة. ولقد دأب السياسيون الإسرائيليون على استخدام هذه الإشارات حول عدم ولاية الرئيس عباس على غزة لتفنيد المطالب الفلسطينية خلال جولات المفاوضات المختلفة. ولذلك دأبت إسرائيل على تأجيج هذا الصراع ومعارضة أي تقارب فلسطيني داخلي واعتباره تهديداً للمصالح الإسرائيلية وإخلالاً بالتزامات الرئيس محمود عباس بالسلام، حيث كانت المفاضلة بين الصلح مع إسرائيل والتصالح مع حماس تتحكم بالكثير من مقولات إسرائيل ورّدات فعلها على جهود المصالحة الفلسطينية ضمن نشاطها الدعائي المتوقع.
ازدراء شديد
وعبر عن هذه الرؤية المحلل العسكري الإسرائيلي ميرون رابوبورت، الذي قال إن المباحثات بين حماس وفتح عام 2011 للتوقيع على المصالحة لم ترق لنتنياهو الذي كان ينظر إلى فكرة المصالحة بـ”ازدراء شديد”. منوها أن القصة تكررت مرة أخرى في عام 2014 حينما وقعت كل من فتح وحماس اتفاقية تنص على تشكيل حكومة وفاق وطني، حيث زعم حينها نتنياهو بأن عباس “اختار حماس على السلام” وأعلن تجميد الاتصالات الدبلوماسية التي كانت قائمة حتى ذلك الوقت بين إسرائيل والفلسطينيين. ولفت المحلل الإسرائيلي إلى أنه “لا يوجد دليل على أن الاتفاق بين الفلسطينيين فشل بسبب إسرائيل، إلا أن ما كان واضحاً في الحالتين هو أن معارضة نتنياهو للمصالحة الداخلية بين الفلسطينيين كانت سافرة جداً”.
المناورة بين عباس وحماس
يشار أنه طيلة سنوات كانت إسرائيل تعمل على تلبية طلبات حركة حماس بعد كل أزمة ومواجهة عسكرية أو قبلها ومن أجل منعها، بينما تدير ظهرها للرئيس عباس وهو يمد يد السلام والمفاوضات، وهذه في رأي مراقبين إسرائيليين أيضا تندرج ضمن رؤية “فرق تسد” الإسرائيلية وليس مجرد إطفاء حرائق على الجبهة مع غزة. وهذا ما انعكس في صفقات تبادل الأسرى، فقد نجحت حماس أكثر من مرة بإطلاق سراح أسرى فلسطينيين بالضغط واستخدام القوة، بينما نكثت إسرائيل بوعودها للرئيس عباس بالإفراج عن أسرى وعندما فعلت ذلك عادت واعتقلتهم كما حصل في 2014. وخلال كل الفترات عملت إسرائيل بالتصريحات والتسريبات على تبيان حجم التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية وتأجيج التوترات القائمة بين فتح وحماس وتوسيع باب الفتنة والتراشق والتبادل كي يبقى الجرح نازفا. على هذه الخلفية كان معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب يحذر حكومة الاحتلال من شد الحبل زيادة عن اللزوم في التعامل مع الرئيس عباس وقطع العلاقات مع السلطة الفلسطينية.
هل يخذل الفلسطينيون أعداءهم؟
ويرى الباحث في الشؤون الإسرائيلية انطوان شلحت ضمن مراجعة مسيرة التعامل الإسرائيلي مع مساعي استعادة الوحدة الفلسطينية أن اتفاقا للمصالحة بين فتح وحماس وإمكان توحيد السلطتين يشكل نقيضا للمصالح الإسرائيلية التي تبلورت منذ الانقسام عام 2007. موضحا أن إسرائيل تفضل حالة الانقسام الفلسطيني للكثير من الأسباب التي تصب في مصلحتها، وخاصة مصلحة اليمين المتطرف الذي يحكم إسرائيل اليوم. وتابع “واضح من خلال متابعة ردود فعل الحكومة الإسرائيلية وخاصة رئيس الحكومة نتنياهو أن رد فعله على محاولة سابقة لاستعادة الوحدة الفلسطينية عام 2017 كان هادئا نسبيا مقارنة مع مرات سابقة، خاصة وأن نتنياهو كان يستغل أحداثا أصغر بكثير من هذا الحدث للتحريض على الفلسطينيين، وهذه المرة اكتفى ببيان رسمي دبلوماسي وصدّ كل محاولات وزراء الليكود والبيت اليهودي، للخروج بخط متشدد أكثر تجاه اتفاق المصالحة”. وفي رأي شلحت فإن التفسير لذلك هو أن اتفاق المصالحة قبل ثلاث سنوات يندرج على ما يبدو، ونتنياهو يفهم ذلك، ضمن تقاطعات مصالح إقليمية ودولية وهي ما أشار إليها كتاب وسياسيون إسرائيليون. وتقاطعات المصالح الإقليمية والدولية هذه فرضت نفسها على لهجة وحدة الرد الإسرائيلي على اتفاق المصالحة. في المحاولة الراهنة اليوم عادت إسرائيل للغتها الأصلية ولمعارضة سافرة للوحدة ولمفاضلتها بين عباس وبين حماس ودعوته للاختيار بين السلام وبين الإرهاب، فهل يرد الفلسطينيون على نتنياهو وعلى مساعي تصفية قضيتهم الوطنية بشطب ملف الانقسام وبدء مرحلة جديدة من الوئام واستعادة شراكة الخندق الواحد والقواسم المشتركة الكثيرة أمام محتل لا يرحم ومجتمع دولي لا يكترث وبعض الأشقاء من العرب يطبّعون وبعضهم يتواطئون؟