إسرائيل تتحاشى حربا جديدة على غزة وتسعى لمقايضتها: الاقتصاد مقابل الهدوء

وديع عواودة
حجم الخط
1

الناصرة- “القدس العربي”: قال جيش الاحتلال إنه استهدف مجموعة من “الأهداف الإرهابية” في مجمع لإنتاج قذائف صاروخية في خانيونس بالإضافة إلى نقاط عسكرية لحماس، ونوّه الناطق العسكري إلى أن “حجم الأهداف ونوعيتها بمثابة رد على إطلاق الصاروخين من قطاع غزة نحو شواطئ البحر قبالة منطقة تل أبيب الكبرى”. وتابع مهدّدا “تتحمل حماس مسؤولية ما يجري في قطاع غزة وتداعيات الأعمال الإرهابية المنطلقة من القطاع”.

وقياسا باعتداءات سابقة اكتفت إسرائيل ليلة الأحد برد محدود استهدف منشأة منعزلة ونقاط مراقبة فارغة وذلك في رسالة أنها غير معنية بتصعيد كبير وبمواجهة عسكرية واسعة رغم أن الصاروخين سقطا مقابل ساحل تل أبيب في العمق الإسرائيلي وهذا طالما اعتبرته إسرائيل تصعيدا أكبر وأخطر من إطلاق صواريخ وقذائف على مستوطنات حدودية المعروفة بـ”غلاف غزة”.

رسميا اعتبر الجيش الإسرائيلي أن رده المحدود جاء لأن الصاروخين أطلقا نتيجة خلل ناجم عن برق لكن في الواقع هناك عدة عوامل غير معلنة خلف حرص إسرائيل على عدم توسيع دائرة النار والانزلاق نحو حرب. وقالت مصادر إعلامية إسرائيلية بهذا المضمار إن إسرائيل ردت بالقصف المذكور رغم أن حركة حماس أيضا بعثت برسالة لمصر مفادها أن إطلاق الصاروخين نحو البحر لم يكن متعمدا وأن المقاومة سترد بحال شنت إسرائيل هجمات.

وحسب الإذاعة العبرية العامة قالت حماس في رسالتها لمصر إن الصاروخين انطلقا نتيجة برق لكن إسرائيل رفضت تصديق هذه الرواية وقالت إنه “إذا كانت حماس لا تعرف صيانة ترسانتها الصاروخية فعليها تفكيكها”.

ويأتي هذا الحدث بعد ستة شهور على حرب “حارس الأسوار” التي نشبت بعدما هددت حماس بإطلاق صواريخ نحو القدس المحتلة بحال استمرت الانتهاكات الإسرائيلية في حي الشيخ جراح وفي الحرم القدسي الشريف وبذلك كانت انتقلت للمرة الأولى للمبادرة ولمباغتة إسرائيل وإرباكها. وقتها استمرت الحرب 11 يوما قام جيش الاحتلال خلالها بقصف واسع لقطاع غزة وهدم عدة أبراج سكنية في محاولة لإلحاق الهزيمة بالمقاومة الفلسطينية ودفعها للكف عن القتال. لكن هذه واصلت القتال وإطلاق صواريخ نحو العمق الإسرائيلي ورغم القبة الحديدية سقط قسم من هذه الصواريخ في منطقة تل أبيب وفي مدن إسرائيلية أخرى ورغم وقوع إصابات بشرية قليلة نالت هذه الصواريخ من هيبة وصورة إسرائيل وأربكتها خاصة في ظل اختلال موازين القوى.

الحسابات الإسرائيلية

ويشكل هذا الاختراق للقبة الحديدية واحدا من جملة أسباب تدفع إسرائيل لتحاشي حرب جديدة على غزة في المنظور القريب لأن مثل هذه الحرب يعني تكرار سيناريو سقوط الصواريخ في تل أبيب مجددا وتعطيل مرافق اقتصادية هامة وربما المطار الدولي فيها.

وضمن ما يعرف بميزان الرعب والردع المتبادل باتت فصائل المقاومة في القطاع ورغم عدة حروب وربما بسببها قادرة على تشكيل تحد حقيقي لإسرائيل ففي عدوان “الجرف الصامد” الذي دام نحو الشهر عام 2014 تعرض القطاع لخسائر بشرية ومادية باهظة لكن إسرائيل أيضا خسرت أكثر من 70 جنديا وأصيب نحو 700 آخرين فيما تم أسر جنديين تعتبرهما السلطات الإسرائيلية جثتين.

وفي الحرب الأخيرة “حارس الأسوار” في مايو/ أيار تكرر السيناريو، حيث تكرر التدمير المريع في غزة لكن صواريخها استمرت في التساقط داخل العمق الإسرائيلي مما أنتج خيبة أمل في الشارع الإسرائيلي انعكست في عدة استطلاعات ودراسات أظهرت أن أغلبية الإسرائيليين يعتبرون أن أي واحد من الطرفين لم ينتصر في هذه الحرب. حتى الآن لم تتمكن إسرائيل من إصلاح الخلل في القبة الحديدية وجعلها كاملة التغطية والحماية للعمق الإسرائيلي وكذلك يؤخذ بالحسبان الوضع الحساس للإسرائيليين في مستوطنات غلاف غزة القائمة على أنقاض القرى الفلسطينية المدمرة منذ 1948 والتابعة لقضاء غزة التاريخي فهم أيضا باتوا أقل مناعة وقدرة على تحمّل المزيد من التوتر والتعرض للقذائف وتعطل مجرى الحياة الطبيعية خاصة أنها تعرضت في “حارس الأسوار” أيضا لضغوط قاسية.

التركيز على إيران

ويضاف لذلك عوامل أخرى منها أن هناك حكومة جديدة في إسرائيل ما زالت تتلمس خطاها وطريقها وهي مبنية على ائتلاف هشّ، ممكن جدا أن تكون حرب على غزة مغامرة ومخاطرة بمستقبلها لا سيما أن هناك حزبا عربيا مشاركا فيها وربما يجد نفسه محرجا وأمام ضغط شعبي واسع من شأنه أن يدفعه أو بعض نوابه الأربعة للانسحاب وبالتالي تدخل الحكومة في مسار السقوط. ولا شك أن إسرائيل غير راغبة الآن بالانشغال عما يصرف أنظارها وجهودها المتركّزة في مشروع إيران النووي وفي مهاجمة تواجدها في سوريا.

ويأتي إطلاق الصاروخين نحو بحر يافا حلقة في مسلسل تهديدات أطلقتها المقاومة الفلسطينية من غزة على خلفية تنكّر إسرائيل لتفاهمات تمت معها بوساطة مصرية وتشمل تخفيفا حقيقيا للحصار والسماح بإعادة إعمار ما تهدم داخل القطاع وتسريع صفقة تبادل أسرى. وفي ظل التراجع عن هذه التفاهمات وتفاقم الأزمة الاقتصادية الإنسانية داخل القطاع الذي يعاني من بطالة عن العمل بنسبة 70% كان مسؤول في حركة حماس قد هدد في تصريحات لـ”الجزيرة” بالتصعيد مهاجما الوسيط المصري أيضا.

وسبق أن أطلقت رصاصة من غزة قبل أيام نحو مستوطن وإصابته بجراح خفيفة سبقتها تدريبات عسكرية واسعة لكافة الفصائل الفلسطينية في الضفة الغربية وسط محاولات لتشجيع عمليات مقاومة داخل الضفة الغربية المحتلة وفي الليلة الماضية أطلقت المقاومة صاروخين مضادين للطائرات وهذه أيضا رسالة تهديد واضحة واستعراض لخيارات المقاومة.

حسابات حماس بعيون إسرائيلية

في المقابل فإن حركة حماس أيضا لن تسارع نحو حرب جديدة لأن ستة شهور فقط تفصلها عن حرب سابقة وهي تحتاج كما كل القطاع لالتقاط أنفاسها وشحن بطارياتها وهي لا بد تحرص على عدم المغامرة بالانتصار الثمين في المعركة على الوعي الذي أحرزته في الحرب السابقة.

ورغم وجود مخاوف إسرائيلية بتكرار هجمة فلسطينية مفاجئة نوعية من ناحية المعركة على الوعي هناك تقديرات وقراءات إسرائيلية في هذا الاتجاه إذ تعتقد الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، كما جاء في تقارير إعلامية عبرية، أنه كان لحماس عشر فرص للفتح بالنار منذ أيار ولم تفعل لأنها غير معنية بالتصعيد الخطير الآن.

ومن هذه الأسباب وفقا للتقديرات الإسرائيلية: مسيرة الأعلام في القدس، قتل نحو 30 فلسطينيا في الضفة الغربية، هروب وإضراب الأسرى وتعليق المساعدات القطرية وغيره وهذا ما يعتبره قائد جيش الاحتلال دليلا على الردع بعد “حارس الأسوار”.

وهناك جهات إسرائيلية تعتقد أن حماس معنية بالهدوء أيضا من أجل المضي في مساعي “السيطرة على الضفة بالتدريج” من خلال فعاليات اجتماعية وسياسية وسط استغلال لتصاعد قوتها شعبيا على طرفي الخط الأخضر في ظل أزمة عميقة تلازم السلطة الفلسطينية. ويبدو أن سلطات الاحتلال تسعى أيضا لمنع تصاعد قوة حماس ليس فقط بزيادة التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية والمبادرة لخطوات ومداهمات استباقية بل تحاول النيل من سمعة حماس بالزعم أنها تحاول نقل الصدام من القطاع للضفة الغربية وذلك ظنا منها أن هذا يؤلّب الفلسطينيين في الضفة ضدها وكأنها تلتزم الصمت وتريد من الآخرين القتال.

الحكومات تتغير والاستراتيجية ثابتة

ولكن أمام استمرار الحصار والتنكّر لتفاهمات ما بعد “حارس الأسوار” وتفاقم الأزمة الإنسانية الناجمة عن الحصار وعن الحرب ومنع الترميم وتعطيل صفقة التبادل من المرجح أن تعود حماس وبقية الفصائل في القطاع لتسخين الجبهة والعودة للإرباك الليلي على الحدود وللبالونات الحارقة وغيرها ضمن “حرب استنزاف” تدخل إسرائيل بحالة ضغط وربما تحركّها نحو الوفاء بتعهداتها.

من جهتها فإن حكومة الاحتلال الحالية لا تختلف جوهريا عن حكومة نتنياهو السابقة في التعامل مع قطاع غزة وهي كسابقاتها تواصل الحصار ضمن استراتيجية إخضاع مقاومة غزة وتكريس الانقسام بينها وبين الضفة الغربية، بين حماس وفتح وذلك لإغلاق الأفق السياسي ومنع تحقيق تسوية الدولتين واستثمار الانقسام في نشاط دعائي دولي تتهم فيه الفلسطينيين بعدم الجاهزية والأهلية للاستقلال. وهذا ينعكس في تصريحات وتقديرات إسرائيلية رسمية وغير رسمية آخرها لنائب وزير الأمن الداخلي يوآف سيغالوفيتش في حديث لإذاعة جيش الاحتلال صباح الأحد قال فيها إنه لا يوجد تغيير جوهري في تعامل حكومته مع قطاع غزة.

وردا على سؤال ما الذي نريده من غزة أضاف “الوضع الحالي هو أننا نريد هدوءا، كلما كانت حماس في عزلة كلما كان أفضل وعلينا تعميق عزلتها وينبغي إنتاج أفق لسكان القطاع من جهة وتعزيز قوة السلطة الفلسطينية. على المدى البعيد لست متفائلا”.

تنفيس طنجرة الضغط

ولذلك تسعى حكومة الاحتلال للحيلولة دون انفجار جديد باستراتيجية الاحتواء ومنع بلوغ الأوضاع داخل قطاع غزة لدرجة الغليان وذلك من خلال المزيد من خطوات تخفيف الحصار وبالتسهيلات الاقتصادية وتخفيف القيود على الحركة وفقا لتسريبات إسرائيلية سبقت إطلاق الصاروخين وبسببها يبدو أنها تتجه لتسريع خطوات التخفيف دون رفع الحصار عن غزة ودون السماح بإعمارها من خلال ربط ذلك بصفقة تبادل أسرى وهو شرط ترفضه حركة حماس التي تعتبر موضوع التبادل مسألة منفصلة.

وعلى هذه الطريق بدأت سلطات الاحتلال بزيادة عدد العمال من غزة ممن يتاح لهم العمل في أراضي 48 وسط رهان على أن تحسين ظروف حياة ورفاه أهالي القطاع سيشكل لاحقا عاملا كابحا شعبيا ضاغطا على حماس يمنعها من الدخول في حرب جديدة.

وحسب تسريبات إسرائيلية تتزايد الميول والدعوات لزيادة عدد هؤلاء العمال لأن ذلك يعطي سلطات الاحتلال فرصة لاستمزاج الآراء وفهم ما يدور داخل القطاع بشكل مباشر على أن يتم حرمان كل عائلة عامل من غزة من الدخول لأراضي 48 بحال أساء استغلال تصريح دخوله وشارك في عمل معاد.

وقبيل التصعيد الأخير كانت صحيفة “هآرتس” العبرية قد كشفت أن إسرائيل تخطط لتسهيلات اقتصادية في غزة لدفع سكانها للضغط على حماس بالحفاظ على الهدوء بعكس تكتيك سابق كانت فيه إسرائيل تشدد قبضتها على القطاع لدفع سكانه للتمرد على حماس، موضحة أن إسرائيل ستزيد عدد تصاريح دخول العمال من القطاع وتوسيع رقعة الصيد البحري وستسمح بإدخال مواد وبضائع لم يسمح بها من قبل لترميم بنى تحتية وتأهيل القوارب وغيرها. ونقلت عن مصدر أمني إسرائيلي قوله إن الهدف هو وقف التدهور الاقتصادي في القطاع حالا وحماية الهدوء النسبي السائد منذ أيار.

وفي هذا المضمار استذكرت تصريحات عبد اللطيف القانوع ناطق بلسان الحركة الذي قال في الأسبوع المنصرم إن حماس ستفرض على إسرائيل معادلة جديدة للدفاع عن الأسرى وكشفت أن الجيش على اتصال مع سلطات السجون لمنع أزمة من شأنها أن تؤدي لتهور أمني. كما كشفت “هآرتس” أن قادة في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يدعون المستوى السياسي الآن لدفع المفاوضات حول صفقة تبادل أسرى لمجابهة احتمالات الانفجار مجددا.

صفقة أسرى؟

لكن يبدو أن صفقة تبادل أسرى لن تكون مطروحة فعلا في المنظور القريب رغم الضغوط الإسرائيلية الداخلية بسبب الهوة الواسعة بين الطرفين ففي إسرائيل هناك توافق بين أوساط رسمية وغير رسمية غير قليلة بأن يحظر على إسرائيل إطلاق سراح مئات الأسرى مقابل جثث.

هذا علاوة على ضعف الحكومة الحالية وتعرضها لسجالات وخلافات داخلية ومزاودات من قبل المعارضة لكن في المقابل يحذر مراقبون إسرائيليون من خطورة موت الأسير هشام أبو هواش المضرب عن الطعام منذ أكثر من 100 يوم.

خيار الحرب يؤخذ بالحسبان بكل الأحوال

وبالتزامن تستمر الاستعدادات لمواجهة واسعة خاصة أنه يمكن معرفة متى وأين تبدأ النار لكن أحدا لا يعرف كيف وأين تنتقل وتنتهي وقال المحلل العسكري في صحيفة “يسرائيل هيوم” أمير بوحبوط يوم الجمعة الماضي إن إسرائيل تسعى لتطوير القبة الحديدية بمواجهة الصواريخ بالليزر على أمل أن تكون التغطية والحماية أمام صواريخ غزة كاملة.

في المقابل قال بوحبوط أيضا إن معضلة محمد ضيف بعيون إسرائيلية “هكذا ستحاول حماس مفاجأة الجيش الإسرائيلي في المواجهة القادمة”. وحسب مصادر استخباراتية إسرائيلية: هناك حرب أدمغة بين محمد ضيف وبين قائد لواء الجنوب في جيش الاحتلال اليعازر طوليدانو لافتا إلى أن حماس تسعى لترميم قدراتها وترميم الخراب في القطاع، فيما تحاول إسرائيل الكشف عن الورقة المفاجئة لدى محمد ضيف وتبحث عن حيلة عسكرية جديدة للحرب القادمة بعدما فشلت “خدعة الأنفاق” في الحرب السابقة عندما أشاعت أخبارا كاذبة بأنها بدأت بالاجتياح البري لدفع مقاتلي حماس لدخول الأنفاق واستخدامها مصيدة ومقبرة لهم بضربها بقنابل كبيرة جدا، زاعما أن حماس ما زالت تدرس وتحلل قدرات الجيش في مواجهة قدراتها الخاصة.

ونقل عن مصادر استخباراتية إسرائيلية قولها إن “معضلة حماس” اليوم هي كيف تستدرج قوات برية لعمق القطاع وجباية ثمن باهظ منها… قتلى وأسرى كما ظهر في تدريبات حماس في الأسبوع الماضي.

هدوء مقابل تسهيلات اقتصادية

حاليا وعلى خلفية كل ما ذكر تسعى حكومة الاحتلال الحالية أيضا كسابقاتها لبلوغ الهدف الأعلى: تهدئة طويلة الأمد مع حماس وتقليص قدرات تعاظم قوة حماس مقابل تسهيلات اقتصادية دون تسوية سياسية عامة ودون رفع الحصار إلا إذا وافقت المقاومة على نزع سلاحها كما جاء في خطة السلام الاقتصادي لوزير الخارجية فيها يائير لابيد الذي يشترط هو الآخر السماح بإعادة الإعمار بصفقة تبادل من جهة والتمسك بموقف متشدد في المفاوضات يقضي بإطلاق عدد قليل جدا من الأسرى مقابل جثتي الجنديين الإسرائيليين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية