إسرائيل تتهم تركيا بالجنون وتستعد لموجة دعاوى قضائيّة في لاهاي

حجم الخط
0

‘يديعوت أحرونوت’: مطالبة أنقرة من تل أبيب بالاعتذار إذلال للحكومة ورفع مكانة أردوغان في العالم الإسلاميّ الناصرة ـ ‘القدس العربي’ من زهير أندراوس: نقلت الصحف العبريّة الصادرة أمس الأحد عن مصادر سياسيّة إسرائيليّة رفيعة المستوى قولها إنّ الدولة العبريّة بدأت بالاستعداد لموجة الدعاوى القضائيّة التي ستقوم بتقديمها تركيا إلى المحاكم الأوروبيّة وإلى محكمة العدل الدوليّة في لاهاي، لافتةً إلى أنّ الأتراك، بحسب المعلومات المتوفرّة لدى تل أبيب سيُقدّمون الدعاوى ضدّ رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، حتى اخر جنديّ في جيش الاحتلال شارك في عمليّة القرصنة الإسرائيليّة على سفينة (مافي مرمرة) في أيار (مايو) من العام الماضي.

وتابعت المصادر قائلةً إنّ الدعاوى القضائيّة التركيّة ستكون جنائيّة من ناحية، أيْ اتهام الجيش والحكومة في الدولة العبريّة بتنفيذ جرائم حرب، ومن ناحية ثانيّة، فإن الأتراك ينوون تقديم دعاوى ضدّ الجنود الذين شاركوا في العمليّة للحصول على تعويضات منهم.

ونقلت صحيفة ‘هآرتس’ العبريّة عن مصدر وصفته بأنّه رفيع المستوى ومقرب جدا من رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، قوله إنّ الأتراك في ردّ فعلهم أصيبوا عمليًا بمسٍ من الجنون، على حد وصفه.

في سياق متصل، استنكرت النائبة حنين زعبي، التي شاركت في أسطول الحرية الذي تعرض للقرصنة الإسرائيلية، فحوى تقرير لجنة (بالمار) معتبرة أن نتائج التحقيق تصح لأن تكون وثيقة دبلوماسية وليست نتائج تحقيق جاد. وقالت زعبي إنّ نتائج التحقيق تشير إلى أن الهدف هو إعادة العلاقات الطبيعية بين تركيا وإسرائيل لا محاسبة المسؤولين عن جريمة الاعتداء على أسطول الحرية وسقوط 9 ناشطين سياسيين أبرياء.

وأضافت زعبي قائلة: رغم أن التقرير أكد استخدام الجيش الإسرائيلي القوة والعنف المفرطين وغير المبررين، إلا أنه بالمقابل لم يطالب بمحاكمة المسؤولين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين، بل على العكس طالب تركيا بالتعهد بعدم مقاضاة الجنود الإسرائيليين. ما يؤكد أن هدف التقرير هو عقد صلحة بين تركيا وإسرائيل وتهدئة الأجواء والتغطية على الجريمة ليس إلا. وأشارت زعبي إلى أن التقرير يحوي تناقضات، حيث يشير إلى عنف الجيش الإسرائيلي في أحد البنود، بينما يتحدث في مكان آخر عن أخطاء عملانية وتنفيذية. ولفتت النائبة زعبي إلى أن التقرير يؤكد ما أشارت إليه في السابق وهو أن الجيش الإسرائيلي تعمد إرسال ما أسمتها بالعبرة إلى كل من يتجرأ على تحدي السياسات الإسرائيلية. وأكدت أن الحصار المفروض على غزة هو حصار لا إنساني وإجرامي، ومهمة كل شريف وحر أن يناضل من أجل كسر الحصار على غزة. واختتمت حديثها بالقول: لن يستطيع التقرير وقف المطالبات بتقديم المسؤولين الإسرائيليين للمحاكمة، كما لن يستطيع تحويل حصار لا إنساني وإجرامي وغير شرعي إلى حصار قانوني ومبرر.

من ناحيته، رأى المحلل لشؤون الشرق الأوسط في صحيفة ‘هآرتس’، د. تسفي بارئيل أنه لولا تعنت وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان ووزير التهديدات الإستراتيجية موشيه يعالون عدم الاعتذار لتركيا، لكان تقرير الأمم المتحدة المتعلق بسفينة مرمرة المؤلف من 105 صفحات يصلح في أحسن الأحوال لأن يكون مادة تدريسية في مجال إستراتيجية فرض الحصار وتكتيك الحؤول دون اختراقه، ولتحول إلى واحدة من آلاف الوثائق التي أصدرتها الأمم المتحدة خلال سنوات، والتي دفن غالبيتها في خزائن حديدية، وربما لم تنشأ الحاجة أصلا للجنة تحقيق أممية، وكان بإمكان الطرفين الإسرائيلي والتركي الاستمرار بعلاقاتهما الطبيعية، على حد تعبيره. وبحسبه فإنّ الحكومة التركية لم تغلق الباب نهائيا في وجه إسرائيل، بالرغم من تخفيض التمثيل الدبلوماسي والخطوات المرافقة له، فهي تؤكد أن العقوبات ضد الحكومة الإسرائيلية وليس ضد دولة إسرائيل، وإن شروطها ما زالت على حالها وتتمثل بالاعتذار ودفع التعويضات، لافتًا إلى أنّه من الصعب أن تجد أيا من المقربين لأردوغان لا يرى أن توتير العلاقات مع إسرائيل ليس في مصلحة الطرفين، ولكن من الصعب أن تجد أيضا من لا يصر على ضرورة أن تلبي إسرائيل شروط أردوغان. فالعهد الذي قطعه أردوغان لشعبه بالحصول على اعتذار من إسرائيل أصبح جزء لا يتجزأ من مصداقيته السياسية التي تمنحه القوة الجماهيرية – السياسة الخارجية التركية كما في كل دولة ديمقراطية لا تنفصل عن السياسة الداخلية. ومثلما لم يتورع اردوغان عن إدارة الظهر للرئيس السوري بشار الأسد بالرغم من كونه رأس زاوية مهم في المحور الذي يسعى لبنائه في الشرق الأوسط، ومثلما أوضح لإيران بأنه لا يقبل إملاءاتها المتعلقة بسورية، فإن اردوغان لا يتردد بتوتير العلاقات مع إسرائيل عندما لا تستجيب الأخيرة لشروطه.

أردوغان على حد قول اسرائيل، لا يستخف بالعلاقات الإستراتيجية، خاصة عندما يكون هدف سياسته هو تحويل تركيا إلى قوة إقليمية، ولكن سياسته لا تستند فقط على المصالح والبعد الإستراتيجي، وإنما أيضا على أيديولوجية تلعب الأخلاق السياسية دورا مركزيا فيها. ويستطرد المحلل قائلاً إنّ الدمج بين الإستراتيجية والأيديولوجية في السياسة التركية يترك منفذا للهرب أو المزيد من التدهور في علاقاتها مع إسرائيل، فالاعتذار سيرمم العلاقات، وإدارة الظهر ستجلب المزيد من الخطوات العقابية الإضافية، وكل تأخير بتقديم الاعتذار سيعمق الهوة في العلاقات الرسمية ويدمر العلاقة شبه العائلية التي كانت سائدة بين الشعبين. وساق قائلاً إنّ الكرامة هي قيمة إستراتيجية، كما يقول موشيه يعالون، ولكن بشرط أن لا تنفجر هذه الكرامة في وجوهنا وتحطم مصالح إستراتيجية حيوية، على حد تعبيره.

على صلة بما سلف، قال رون بن يشاي، المحلل للشؤون العسكريّة في موقع صحيفة ‘يديعوت أحرونوت’ على الإنترنت إنّه من الواضح تماماً أن معدي تقرير بالمار بذلوا جهدهم للمحافظة على أكبر قدر ممكن من الموضوعية والتجرد، إلاّ إنهم في الوقت نفسه يدركون أنهم يعملون لمصلحة الأمم المتحدة التي هي في نهاية المطاف منظمة سياسية، ومن هنا رغبتهم في صدور تقرير وصفه بالمتوازن، بحيث تكون نتائجه مرضية للطرفين وتفسح المجال أمام تسوية الخلاف بينهما، لافتًا إلى أنّ هذا ما أراده بان كي مون وأرادته الإدارة الأمريكيّة، كما أنّ هذا هو السبب لوجود فقرة خاصة في التقرير بعنوان تسوية تطلب من إسرائيل التعبير عن أسفها ودفع التعويضات، وتطلب من تركيا استئناف علاقاتها الدبلوماسية بإسرائيل، وخلص بن يشاي إلى القول إنّ الهدف من مطالبة تركيا من تل أبيب تقديم الاعتذار، وتحويل هذا الأمر إلى شرطٍ لإعادة العلاقات بين الدولتين، هو إذلال الحكومة الإسرائيلية ورفع مكانة أردوغان في العالم الإسلامي. وبالتالي، يقول المحلل الإسرائيليّ، إنّه كان من الصعب أن يساهم هذا الاعتذار في ترميم العلاقات الوثيقة بتركيا، بل إنّه على الأرجح سيؤدي إلى تراجع قوة الردع الإسرائيليّة، علاوة على ذلك، فإنّه سيُضعف مكانتها في الشرق الأوسط، وأكبر إثبات على ذلك، برأيه، يكمن في مسارعة مصر بعد العمليات الفدائيّة التي وقعت في جنوب الدولة العبريّة قبل أسبوعين ونيّف، إلى تقليد تركيا ومطالبة إسرائيل بالاعتذار لمقتل عدد من جنودها بنيران إسرائيلية حتى قبل أنّ تتحقق من الأسباب والظروف التي أدّت لهذا الحادث، على حد قوله.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية