القضية الفلسطينية ليست صراعا بين مسلمين ويهود، إنها مقاومة لاحتلال سرق الأرض، احتلال وفصل عنصري واستعمار، فيما الجانب الإسرائيلي يحاول أن يوجه الأمر ليصبح صراعا دينيا.
رام الله-»القدس العربي»: تشير عملية العد التي يقوم بها فلسطينيون كثر وبشكل يومي للمستوطنين الذين يقتحمون المسجد الأقصى إلى ارتفاع أعداد المقتحمين من جماعات الاستيطان، فالأمر الذي بدأ بمقتحم واحد وبحراسة مشددة من الشرطة الإسرائيلية قبل سنوات ومن ثم صار العدد اثنين فثلاثة، ومع مرور الوقت وصلت الأرقام إلى المئات وتحديدا مع فترة الأعياد اليهودية التي كانت تتويجا لجهود طويلة قام بها المستوطنون وأكثر من 28 جمعية صهيونية تنشط في المسجد الأقصى.
خلال فترة الأعياد اليهودية عيد الغفران وعيد العرش، التي مرت الأسبوع الماضي وعيد فرحة التوراة في 27 من الشهر الجاري حدثت تطورات في الاقتحام الصهيوني للمسجد الأقصى الذي ينظر إليه الفلسطينيون باعتباره مكانا مركزيا في القضية الفلسطينية. خلال فترة الأعياد تضاعفت الأعداد، (خلال عيد العرش لوحده اقتحم المسجد الأقصى 1891 مستوطنا بحسب مصادر إسرائيلية) وأصبحت الصلاة في باحات المسجد فعلا مألوفا، فيما النفخ في البوق تزايد وجلب بعض المستوطنين الأثاث على باب مقبرة الرحمة.
كل هذه الأعمال اليومية تؤجج فعلا فلسطينيا شعبيا وتعزز من تصورات الصراع الديني بين الفلسطينيين والحركة الصهيونية اليهودية.
الدكتورة هنيدة غانم، الباحثة الفلسطينية في علم الاجتماع، ومديرة المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار» تؤكد أن المركب الديني موجود منذ البداية في قلب المشروع الصهيوني الاستعماري لفلسطين، وما تلاحظه اليوم يتمثل في تعزيز عملية اخضاعه للفكرة القومية العلمانية، وهو أمر يكبر لدرجة أن سماته الأساسية تظهر في كل المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية.
وتضيف: «المشروع الصهيوني اليوم يستخدم الميثولوجيا (الأساطير والخرافات) والرواية التوراتية أكثر وأكثر، فسياسات الاحتلال تأخذ الصراع لمكان فيه المكون الديني قوي للغاية، نرصد ذلك من خلال مظاهر الاقتحام للحرم في الأقصى وفي الحرم الإبراهيمي في الخليل، وفي أماكن أخرى في عموم الضفة الغربية.
وتتابع «هذا الأمر يترافق مع زيادة كبير في عدد المتدينين داخل المجتمع الإسرائيلي، فهناك زيادة في مظاهر التدين ومن يمارس الشعائر الدينية، وهذا انعكس على ظهور جماعات متطرفة ومتزمتة قوميا ودينيا.
المفارقة الكبيرة بحسب الباحثة غانم أنه قبل فترة طويلة كان الدخول إلى الحرم المقدسي محرما عند اليهود، وهو ما تم تجاوزه حيث ظهرت تيارات دينية كسرت ما كان «تابو» وأصبحوا اليوم موجودين بقوة.
والجديد بحسب غانم أن الصراع تدحرج ليكون دينيا، وهذا انعكس على الجانب الفلسطيني في ظل تعزيز الفعل الإسرائيلي للبعد الديني في الصراع، «القضية ركبت على محمل ديني رغم كونه صراعا استعماريا استيطانيا تلخصه جملة أن هناك من جاء وسرق مكاني».
الخطورة من وجهة نظر الباحثة التي تسكن مدينة القدس تتمثل في حال تساوق الفلسطيني مع الرغبة الإسرائيلية، عندها يصبح الصراع بين روايتين متساويتين وهذا يجعل الفلسطيني يخسر بشكل كلي. الصراع بالنسبة لليهود والحديث لغانم هو مشروع عودة وبداية للخلاص الديني، لكن من وجهة نظرنا نراه مشروعا وطنيا في مقابل مشروع استيطاني اتخذ من الدين ومركباته شرعية لنفسه.
وترى هنيدة في تحول الصراع على هذا النحو نزولا في مستوى المواجهة بحيث تصبح بين سرديات مقابلة لبعضها البعض، الأقصى في مقابل الهيكل. وهذا مطلب إسرائيلي، وهو مريح لها، أي أن يتحول إلى سرديات دينية متنافسة، ومسألة ايمان ثيولوجي، وفي حال تحقق ذلك سنكون في المربع الخاطئ والخاسر أيضا.
سألنا الباحثة غانم عن تراجع الحركة الوطنية وتياراتها في موضوع القدس وهو ما جعل مساحة النضال اليومي من نصيب حركات بتوجهات دينية وقد يقود ذلك للفكرة التي تريدها دولة الاحتلال فقالت «ليس هناك فراغ، مسألة تقلص العمل الوطني سيدخل تيارات دينية بديلا عنها، وعلى التيار الوطني مسؤولية كبيرة وعليه أن يكون مدركا لها، وهنا لا يمكن أن ننكر الجهود التي تبذلها جهات ذات خلفيات دينية في تثبيت الوجود الفلسطيني بالأقصى عبر مبادرات كثيرة، لكن المهم أن لا نتساوق مع فكرة أن محور الصراع دينيا».
التقسيم المكاني
خليل التفكجي، مدير دائرة الخرائط ونظم المعلومات الجغرافية في بيت الشرق أكد في حديث صحافي أن الجانب الإسرائيلي يستخدم اقتحامات المستوطنين والسياحة الدينية التي بدأت في بضعة أشخاص ومن ثم بضع عشرات حتى أصبحت بضع مئات كبالونات اختبار، ومن دون موقف حاسم سيتعزز ذلك.
وأضاف التفكجي: «كل الجهود الفلسطينية لم تكن بالمستوى الذي يمنع استمرار اقتحام المسجد الأقصى، منذ 67 كان هناك اتفاق على دخول المستوطنين باستخدام بطاقات، بعد الانتفاضة الثانية 2002 ضرب الجانب الإسرائيلي بعرض الحائط كل الاتفاقات حيث ثبت التقسيم الزماني وعلى فترتين، وما يجري اليوم هو تفاصيل صغيرة تؤسس لمخطط إقامة كنيس في منطقة باب الرحمة تماشيا مع الأسطورة الدينية، وهو ما يعتبر خطوة متطورة للتقسيم المكاني.
ويرى الباحث تفكجي أن السلوك الإسرائيلي الذي يقابله ردود فعل باهتة يعزز الصراع الديني، فالجانب الأردني لم يصل موقفه لحجم التطور الحاصل، وهو ما يعزز أن يصبح الصراع دينيا، وبالحقيقة هو ليس كذلك، إنه ليس صراعا بين يهود ومسلمين، انما هو احتلال واستعمار وبزواله ينتهي الصراع.
ويتابع: «كان يعيش بيننا اليهود، نتزوج منهم ونحضر احتفالاتهم، ولديهم أملاك بالقدس منذ الفتح العمري».
ويؤكد أن القضية الفلسطينية قضية عالمية، وليست صراعا بين مسلمين ويهود، إنها مقاومة لاحتلال سرق الأرض، احتلال وفصل عنصري واستعمار، فيما الجانب الإسرائيلي يحاول أن يوجه الأمر ليصبح صراعا دينيا.
ويرى التفكجي أن أقطاب الحكومة الإسرائيلية متفقة على شيء واحد وهو تهويد القدس، وهناك برنامج محدد تقوم الأحزاب على اختلافها لتطبيقه، والأمر مرتبط بالمواقف المحلية والدولية فعندما تكون الظروف مواتية يتضاعف الأمر، وعندما لا تصبح مواتية يتم تخفيف حدة العمل على التهويد.
ويعتبر التفكجي أن الظروف في هذه الأيام مواتية بشكل كبير، هناك حالة التطبيع مع العالم العربي الذي رمى القضية الفلسطينية خلفهم، أما الأوروبيون فهم مشغولون بقضيتهم الخاصة.
ويختم قائلا: «جهود التقسيم المكاني قائمة ومشروع بناء كنيس داخل ساحات الأقصى جاهز وخططه تنتظر التنفيذ، وفي حال بقي الوضع كما هو سنصبح على خبر إقامة كنيس يهودي في ساحة الأقصى، لا سمح الله».
ويسلم الاحتلال مصلحة الاستيطان اليهوديّ في منطقة البلدة القديمة وشرق القدس (التي يسكنها ما يزيد عن 220 ألف مستوطن) لجمعيّات أيديولوجية متخصصة وحركات يهودية مثل جمعية عطيرت كوهنيم التي تأسست في سبعينيات القرن الماضي، وجمعية إلعاد التي تأسست في ثمانيات القرن الماضي، وحركة تجديد الهيكل المهتمة بحشد الجمهور وإثارة رأي الجمهور فيما يتعلق بالهيكل وتهويد الحرم المقدسيّ، وحركة معهد الهيكل، وحركة متطوعون لتشجيع الصعود إلى الهيكل، وحركة المخلصون للهيكل، وحركة عائدون إلى الهيكل..الخ وجلها تمارس أعمالا على مدار الساعة تعزز من تصورات أن الصراع أساسه ديني.