الناصرة- “القدس العربي”:
تتجه إسرائيل لانتخابات مبكرة خامسة في غضون عامين ونصف العام بعد انهيار ائتلافها الحاكم أسرع مما كان متوقعا، جراء قرار اتخذه الثنائي رئيس حكومتها نفتالي بينيت ووزير الخارجية رئيس الحكومة البديل يائير لابيد الذي سيصبح رئيسا للحكومة المؤقتة ريثما تتم الانتخابات في أكتوبر/تشرين أول القادم على ما يبدو.
وجاء القرار مفاجئا على خلفية أحاديث وتصريحات عن رغبة هذه الحكومة مواصلة طريقها وكسب الوقت في شتى الطرق ومن أجل أن يكون بينيت هو من سيستقبل الرئيس الأمريكي جو بايدن في زيارته للمنطقة في الشهر القادم. رسميا علل نفتالي بينيت القرار بحل الحكومة بعد عام على تشكيلها بالقول إنه رغب بمنع الفوضى وتحاشي المخاطر الأمنية منوها لتفضيله المصالح الإسرائيلية العليا على مصالح ضيقة. وكان بينيت يشير بذلك لفشل حكومته في تمرير قانون تمديد إحالة القضاء الإسرائيلي المدني على المستوطنات الذي ينتهي سريانه في نهاية الشهر الحالي وستكون له تبعات كثيرة تعتبرها المؤسسة الأمنية خطيرة على إسرائيل كما ذكر بينيت في المؤتمر الصحافي أمس.
وكانت سفينة الائتلاف الإسرائيلي منذ أبحرت قبل عام تسير في بحر هائج بعيدا عن شاطئ الأمان وسط توقعات كثيرة بأنها ستغرق للتو لعدم انسجام مركباتها ولكونها تعتمد على أغلبية صوت واحد فقط (61 نائبا مقابل 59 نائبا للمعارضة). وعلى خلفية ذلك جاءت نهاية هذا الائتلاف الإسرائيلي الحاكم بالأمس فالبحار لا تحمل سفنا مثقوبة ولكنها تحققت أسرع مما كان متوقعا.
رسميا علل نفتالي بيينت قرار التفكيك بالإشارة إلى المصالح السياسية الأمنية العليا كما ذكر ولكن القرار لا يخلو من حسابات انتخابية وربما من نصيحة مستشارين وخبراء إعلاميين، إذ قام بضربة استباقية ليعلن عن سقوط الحكومة قبل أن تسقطها المعارضة برئاسة نتنياهو بالتعاون مع بعض نواب اليمين من حزب بينيت نفسه ممن تمردوا عليه وهذه محاولة لإنقاذ ما تبقى من هيبة واحترام له ولحزبه في نظر الإسرائيليين.
والمفارقة أن بداية تهاوي وسقوط حجارة بنيان هذا الائتلاف الإسرائيلي جاءت بعد إعلان الانسحاب من رئيسته النائب من حزب “يمينا” نفسه عيديت سيلمان التي تمردت على رئيسها نفتالي بينيت قبل نحو الشهرين مدعية أنها تحتج على توجهات وسياسات الحكومة ثم تبعها زميلها نير أورباخ الذي غادر الائتلاف هو الآخر قبل عشرة أيام احتجاجا على تصويت غنايم وريناوي زعبي ضد مشروع قانون تمديد سريان القضاء الإسرائيلي على المستوطنات.
استنتج بينيت أنه لم يعد بوسعه الزحف وجر هذه السفينة المتهالكة أكثر ويبدو أنه اتخذ القرار بمفرده وبالتشاور مع شريكه لابيد ولكن دون استشارة بقية رؤساء الأحزاب
بين هذا وذاك استنتج بينيت أنه لم يعد بوسعه الزحف وجر هذه السفينة المتهالكة أكثر ويبدو أنه اتخذ القرار بمفرده وبالتشاور مع شريكه لابيد ولكن دون استشارة بقية رؤساء الأحزاب المشاركة في الائتلاف كما قال رئيس القائمة العربية الموحدة منصور عباس لراديو الناس الذي يبث من الناصرة صباح الثلاثاء.
كما يستنتج أن بينيت لم يطلع شريكته في حزب “يمينا” وزيرة الداخلية أييلت شاكيد بل اهتم بإحراجها والنيل والاقتصاص منها لشقها طريقا مستقلا والتمرد عليه أحيانا فاختار الكشف عن قراره الدرامي بالأمس وهي في الجو داخل طائرة متجهة للمغرب. ولذا قال مقربون من شاكيد في تسريبات للصحافة الإسرائيلية إن ما فعله نفتالي بينيت ينطوي على خيانة سياسية غير مسبوقة في إسرائيل.
وكانت بعض أوساط المراقبين والمحللين المحليين تتساءل في الجولات السابقة عن نتيجة الانتخابات كل مرة وعن مصير نتنياهو المتمسك بأسنانه وأظفاره في دفة الحكم خاصة أنه يخضع لمحاكمة بتهم فساد خطيرة، فتقول هل تكون الثالثة ثابتة وهل الرابعة قابعة؟ لكن الجولات الانتخابية الأربع أنتجت حالة تعادل بين معسكرين متناحرين على السلطة حتى رجحت القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس كفة المعسكر المناهض لنتنياهو وتم إسقاطه بعد تشكيل “حكومة تغيير”.
مفاعيل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي
وبرر عباس قراره غير المسبوق بالمشاركة في ائتلاف إسرائيلي حاكم (دون المشاركة في الحكومة وتقلد وزارات معينة) بالقول إنه طالما شارك المواطنون العرب في إسرائيل في لعبتها البرلمانية فعليهم عدم البقاء على مدرجات المشاهدين بل محاولة اختراقها والتأثير فيها لمصلحة الحقوق المدنية والحياتية لفلسطينيي الداخل (نسبتهم السكانية 19%) حتى وإن كانت القضية الفلسطينية غير مطروحة على أجندة هذه الحكومة. ولكن في عملية جرد حسابات هذا الائتلاف الإسرائيلي والبحث عن أهم عوامل انهياره المبكر لا يمكن إغفال دور الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الكبير عليه.
رغم إعلان الموحدة برئاسة منصور عباس أنها تولي الأهمية الآن للقضايا المدنية والحياتية ورغم تأييد الأخير لتعريف إسرائيل نفسها كدولة يهودية لجانب تأييد مشاريع قوانين عنصرية مثل منع لم شمل العائلات الفلسطينية وغيره تزعزعت أركان هذا الائتلاف الحاكم نتيجة الاعتداءات على القدس وانتهاكات المستوطنين في الحرم القدسي الشريف ثم جاء الخلاف حول مشروع قانون تمديد سريان القانون المدني الإسرائيلي على المستوطنات (قوننة الآبرتهايد) ليظهر أن مشاركة نواب عرب، خاصة من أتباع أحزاب عربية وطنية، في ائتلاف إسرائيلي في ظل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي المفتوح هي مشاركة عبثية غير ممكنة لأن فلسطينيي الداخل حسموا أمرهم منذ عقود بأنهم جزء لا يتجزأ من شعبهم ويرفضون التنازل عن موقفهم الوطني بل يرون أنفسهم مكلفين بالدفاع عن الأقصى.
وهناك من يرى هذه الخطوة غير المسبوقة منذ النكبة والانتخابات الأولى للكنيست عام 1949 للموحدة بداية شق طريق ستتكرر لاحقا فيما تراها أوساط أخرى دليلا على فشل تجربة الشراكة العربية اليهودية في إطار حكومة ترفض السلام وتعمق الاحتلال، كما تؤكد القائمة المنافسة، القائمة المشتركة.
الخامسة حابسة؟
من جهته سارع رئيس المعارضة بنيامين نتنياهو للقول في سياق اتهام الحكومة الحالية بالاعتماد على “الإرهاب” إنه لن يعتمد على القائمة العربية الموحدة في تشكيل حكومة جديدة علما أنه كان أول من أسبغ الشرعية على مشاركتها في ائتلاف إسرائيلي بعدما غير استراتيجيته بالتعامل مع المواطنين العرب من الاستعداء إلى الاحتواء.
وفي الانتخابات الأخيرة شارف على تشكيل حكومة بالاعتماد على القائمة العربية الموحدة ذاتها بعدما قطع شوطا طويلا في اتصالات مع قادتها لكن حزب “الصهيونية الدينية” فرض الفيتو ورفض الفكرة مما أفشل مساعي نتنياهو في البقاء خلف دفة القيادة.
وهذه المرة تتجه إسرائيل لانتخابات خامسة في غضون عامين ونصف العام وسط تساؤلات هل تتمكن هذه المرة من الخروج من دوامة سياسية تغرقها في عدم استقرار في ظل حالة تعادل شديد بين معسكرين متنافسين على السلطة تحضر فيها الحسابات الحزبية والشخصية بالأساس؟ هل تكون الخامسة حابسة بمعنى فشل نتنياهو بالعودة للحكم مجددا مما يسرع إدانته في المحكمة وربما سجنه؟ لذا سارع نتنياهو في أول خطاب له بعد الإعلان عن انهيار الحكومة لشن هجوم واسع وشخصي وديماغوغي على الحكومة المنهارة وأقطابها مستخدما أسلوبه المعهود في دغدغة عواطف الإسرائيليين والعزف على أوتار القومجية بالقول إنها بشرى ويعدهم بضمان عودتهم للسير في الشارع برؤوس مرفوعة.
ويفيد استطلاع رأي جديد لراديو تل أبيب أن حالة التعادل ستبقى على حالها وأن أيا من المعسكرين المتنافسين على السلطة لا توجد له أغلبية 61 نائبا فما فوق واللافت أن نتنياهو ورغم توجيه لائحة اتهام خطيرة بالفساد ضده ما زال الأكثر شعبية لدى الإسرائيليين وحزبه “الليكود” يفوز بعدد كبير جدا من المقاعد (36 مقعدا).
ويبدو أن الجولة الانتخابية الخامسة أيضا ستشبه سابقاتها ليس فقط في النتائج النهائية فحسب بل بطبيعة مضامين دعايتها الانتخابية والقضايا المطروحة والقضايا المغيبة. هذه المرة أيضا من المرجح جدا أن تغيب القضية الفلسطينية وربما يكون التغيير الوحيد هو مبادرة رئيس الحكومة المؤقتة يائير لابيد بخلاف نفتالي بينيت للقاء الرئيس عباس وربما المشاركة في قمة ثلاثية معه برعاية الرئيس الأمريكي جو بايدن في الشهر القادم لكن ليس أكثر من ذلك فحكومته حكومة تصريف أعمال مؤقتة وحزبه أيضا (هناك مستقبل) لا يضع القضية الفلسطينية في صدارة أولوياته.
وهذه المرة أيضا من المرجح أن تغيب حتى الشؤون الداخلية الجوهرية عن التخاطب والجدل وسيتكرر التراشق الشخصي والحزبي في معركة انتخابية سطحية فارغة طابعها شخصي تعبيرا عن طغيان الحسابات الخاصة وعن تغيرات عميقة تعكس انتشار الفساد لدى أوساط إسرائيلية واسعة لا لدى نتنياهو فحسب.
العرب يملكون ورقة الحسم
كذلك ربما تتكرر حالة أخرى مثيرة ولافتة في الجولة الخامسة ترتبط ببقاء أصحاب حق الاقتراع العرب (15%) الورقة الحاسمة وتحديد نتائج الانتخابات وهناك من يدعو لمشاركتهم بنسبة عالية لفرض حضورهم ومضاعفة تأثيرهم رغما عن مشاريع استبعادهم وردا على تهميشهم وهناك من يقول إنها فرصتهم لتكريس حالة الانقسام وعدم الاستقرار السياسي داخل إسرائيل وهي حالة يحذر منها مراقبون إسرائيليون ويقولون إنها مكلفة اقتصاديا وتهدد هيبة وقوة إسرائيل وتشجع أعداءها على التجرؤ عليها.
في المقابل ما زالت أوساط لدى فلسطينيي الداخل تقاطع الانتخابات لدواع أيديولوجية ترى بانتخابات الكنيست وجها من وجه الأسرلة ومنح إسرائيل فرصة دعائية للظهور كدولة ديموقراطية في العالم، من بين هؤلاء أتباع الحركة الإسلامية المحظورة بقيادة الشيخ رائد صلاح وحركة أبناء البلد التي تعتبر امتدادا تاريخيا للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
لكن وبعد تجربة الجولات الانتخابية الأربع وعدم تحقيق مكاسب حقيقية لهم يتجه معظم فلسطينيي الداخل للعزوف عن المشاركة في الذهاب لصناديق الاقتراع هذه المرة بسبب خيبة أملهم من التغيير في السياسة الإسرائيلية من ناحية القضية الفلسطينية ومن ناحية حقوقهم المدنية وهذا ما تعكسه دراسات واستطلاعات رأي تمت في الشهور الأخيرة وتتنبأ بمشاركة 40% فقط منهم في انتخابات الكنيست القادمة.
لكن التجربة تدلل على أن مثل هذه الحالة قابلة للتغيير وهذا يتعلق بالاصطفافات وربما بعودة الموحدة للمشتركة في قائمة وحدوية رغم أنه خيار مستبعد، مثلما تتأثر هذه الحالة ربما بأحداث مستقبلية متنوعة وبجودة حملات دعائية تشجع على التصويت من أجل حماية البقاء وتجذيره في ظل دعوات متجددة للترحيل والترانسفير السياسي أو تحقيق أهداف مهمة مثل استمرارية المشروع الحكومي لمكافحة الجريمة والعنف داخل الشارع العربي وغيره.