إسرائيل تشن “حربا على الوعي” عمادها الإعلام الرقمي الجديد

حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”: كشفت المعارك الثلاث الأخيرة التي شنّتها إسرائيل على قطاع غزة عن أهمية دمج التكنولوجيا المتطورة في إدارة معارك طويلة الأمد نسبيا، قد تمتد لأسابيع، وتستخدم فيها قطاعات عسكرية، وأنها تحتاج إلى الانتباه إلى الساحة الموازية التي تزداد أهمية في ظل المساحة الواسعة التي تحتلها شبكات التواصل الاجتماعي، وهي ساحة الوعي.

هذا ملخص تقرير لمعهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، تولى ترجمته مركز “مدار”، وهو يندرج ضمن دراسات ورؤى إسرائيلية كثيرة متتالية في العقدين الأخيرين خاصة بعد حرب لبنان الثانية عام 2006 وفيها الرواية خاصة الصورة لعبت دورا في تشكيل الوعي الخاص بنتيجة الحرب وهيبة المشاركين فيها وقد تجلت في تصريحات بعض المسؤولين في حكومة الاحتلال.

لكن هذه الحرب لا تقتصر على الحروب بل هي جزء من الصراع على الرواية ضمن الصراع الكبير الطويل ولكن بأدوات جديدة تستبدل ماكنة الدعاية المباشرة التقليدية في مصطلحاتها وتوجهاتها وأدوات عملها. ومن ساسة إسرائيل الذين اهتموا في موضوع الوعي رئيس حكومة الاحتلال الراحل أرئيل شارون الذي طالما دعا لحسم المواجهة مع الشعب الفلسطيني من خلال “كيّ وعيهم” عبر استخدام الحديد والنار ونشر صور الضربات بقوله “ما لا يتأتى بالقوة يتأتى بالمزيد منها”.

وتركز دراسة المعهد المذكور على التغيرات التي أدخلتها إسرائيل على أساليبها القتالية الموجهة ضد حركة حماس في غزة التي ما زالت تقاوم رغم كونها محاصرة وصغيرة في مساحتها ما يستدعي اللجوء لخوض معركة متوازية على الوعي، خلال الحملات العدوانية عليها. وحسب المعهد الإسرائيلي شكلت حركة حماس، بطابعها السياسي والديني، وبالاستناد إلى جناحها العسكري والتزامها بمحاربة إسرائيل تحديا مستمرا لها وهو ما تطلب خوض معارك طويلة وعنيفة واستراتيجية من الصعب الانتصار بها، وما حتم عليها البحث الدائم عن آفاق جديدة تخفف عبء القتال المباشر، حيث تعتبر حرب المعلومات واحدة من هذه الأدوات وركيزة أساسية في السياسة الإسرائيلية تجاه القطاع أثناء وما بعد جولات القتال.

الصراع على الرواية

وفي الحالة الإسرائيلية يصبح الجهد الإعلامي الدعائي المعتمد لدى كل الجيوش والدول “حربا على الوعي” وهي حرب مكونة من حروف وأرقام وصور هدفها إلحاق الهزيمة في وعي الفلسطينيين والعرب وضرب الدافعية لديهم في مواجهة الاحتلال. ونشأ مصطلح “الحرب على الوعي” في المؤسسة الأمنية، واللغة العملية السائدة فيها مع بداية الألفية الثالثة، وهو يصف ويختزل العمليات التي تستهدف تغيير النظرة والمشاعر والسلوك والنفسية تجاه الواقع من قبل الطرف المستهدف، وهو بذلك يعتبر مصطلحا فضفاضا يشمل أنماط عمل سرية وعلنية وهذا الجهد هو جزء من الحرب على الرواية وبموازاتها قبيل وخلال وبعد الحرب.

وتاريخيا شاركت وسائل الإعلام العبرية في هذه الحرب من خلال اعتمادها المصطلحات والمسميات ومجمل الرواية الرسمية طمعا بتبرير السياسة الإسرائيلية، وصد الهجمات السياسية والإعلامية ومحاولات المس بصورة إسرائيل أمام الرأي العام الدولي، وهو مصطلح تبلور في سنوات السبعينيات من خلال الافتراض بأنه من الصعب إقناع العالم المكون من قطبين، وفي ظل الصعود الكبير لمنظمة التحرير الفلسطينية والثورات العالمية، بالرواية الإسرائيلية ومن الأفضل بدل ذلك تخفيف حدة النقد الموجه لإسرائيل وبث شعور بالثقة حيال كل ما تقوم به.

الدبلوماسية الجماهيرية

وحسب المعهد واجه هذا المصطلح انتقادات واسعة بسبب لا جدواه وعدم قدرته على إحداث التغيير المطلوب، حيث تم استبداله في بداية الألفية الثانية بمصطلح جديد أكثر تركيزا وهو الدبلوماسية الجماهيرية أو العامة. والدبلوماسية العامة التي لجأت إليها خارجية الاحتلال هي حصيلة كافة النشاطات الهادفة إلى خدمة السياسة الإسرائيلية من خلال ضخ المعلومات والأفكار والتأثير على الجمهور المستهدف على المدى البعيد، من خلال التوجه إليه بشكل مباشر وبأبعاد وأنماط مرنة ومتعددة، لبناء القوة “الناعمة” الإسرائيلية على حساب خصومها.

وأصبحت القوة “الناعمة” الناجمة عن الدبلوماسية العامة أو الجماهيرية الناشئة بفعل التواصل المباشر وغير الرسمي، وبعيدا عن الحكومات، متاحة، لا بل وتمثل استجابة للعصر الرقمي وهيمنة شبكات التواصل، والتي تتيح التفاعل مع الجمهور المستهدف بدل ضخ المعلومات كما في حالة الدعاية واستبدال ذلك بحملات وبناء مواقع إلكترونية ونشاطات ثقافية ومحاضرات وهكذا.

الحروب على غزة والبحث عن الردع

تشير الدراسة الإسرائيلية إلى أهداف ثابتة حاولت إسرائيل أن تحققها من خلال حروبها على قطاع غزة في الحملات الثلاث ما بين الأعوام 2008-2014 والتي دمجت فيها ما بين القوة العسكرية المباشرة والعنيفة وما بين نشر رسائل ومحاولة زرع أفكار وإنتاج وعي. وحسب الدراسة هذه ودراسات إسرائيلية سابقة فإن الهدف الأول الذي أرادت تحقيقه هو الردع خاصة لدى فصائل المقاومة، سواء في فترات التهدئة من أجل منعها من الإقدام على خطوات تصعيد مستقبلية، وإطالة أمد الهدوء بين جولات التصعيد، أو في فترات الطوارئ والتصعيد من أجل تقصير أمدها قدر الإمكان.

أما الجمهور المستهدف في معركة الوعي فهو بالأساس قادة فصائل المقاومة ونشطائها في الميدان، وبشكل غير مباشر الجمهور في غزة الذي يستطيع بشكل نظري أن يؤثر على حركة حماس. ويرجى تحقيق الردع من خلال التلويح باستخدام القوة العسكرية وإلحاق ضرر بالغ بالجهات المستهدفة، وتقليل حوافزها للإقدام على عمل قد يلحق بها خسائر فادحة. ويتمثل الهدف الثاني بإظهار أن إسرائيل تتجنب المس بالمدنيين والبنى التحتية والمناطق المأهولة بالسكان خاصة بعد نشر تقوير ريتشارد غولدستاين عقب عدوان “الرصاص المصبوب” عام 2008 والهدف الثالث محاولة التمتع بدعم دولي وشرعنة هجماتها العسكرية، وقطع الطريق على فصائل المقاومة التي تسعى لإظهار الجمهور الفلسطيني على أنه ضحية عدوان إسرائيلي عنيف لا يميز بين المدنيين، وتجنيد الرأي العام الدولي ضد إسرائيل. لذا فإن مصلحة الاحتلال وفقا للدراسة هي إظهار حماس كـ “حركة إرهابية خطيرة” تعرض الجمهور للخطر بينما تلتزم إسرائيل بالقانون والمعايير الدولية المتعارف عليها في فترات الحروب التي تضطر لخوضها مكرهة.

والهدف الرابع هو سعى إسرائيل إلى إضعاف فصائل المقاومة من خلال الدفع نحو تآكل شعبيتها في أوساط حاضنتها الجماهيرية المحلية التي تعتبر مصدرا رئيسيا يرفدها بالمقاتلين الجدد وتمويلها والتستر على نشاطاتها ومساعدتها.

ضرب المعنويات

وحسب دراسة “معهد دراسات الأمن القومي” تسعى إسرائيل من خلال المعركة على الوعي، إلى جانب هذه الأهداف الاستراتيجية، إلى ضرب المعنويات لدى المقاتلين وتثبيط عزيمتهم ورغبتهم في القتال، وإظهار التفوق الاستخباراتي وتضليل الخصم. والدعاية الإسرائيلية غير موجهة إلى حماس ومقاتليها والمجتمع الدولي فقط، بل أيضا، وخاصة في فترات القتال، توجه إلى الجمهور الإسرائيلي والجنود، من أجل ضمان تأييدهم للحرب، واحتمال نتائجها والخسائر التي قد تترتب عليها بشريا واقتصاديا، وأيضا ضمان الالتزام بالتعليمات التي تمنع وقوع خسائر قد تنعكس سلبا على معنويات الجمهور الإسرائيلي وتخدم الطرف الآخر.

رعاة الحرب على الوعي

أما الجهة الأساسية التي تولت إدارة معركة الوعي تجاه غزة فهي الجيش من خلال الناطقين باسمه، والمنسق والأذرع الاستخباراتية إلى جانب وزارة الخارجية ومكتب رئيس الحكومة.

وتعتبر مؤسسة الناطق باسم جيش الاحتلال هي الجهة التي تتولى تنظيم العلاقة بين الجيش ووسائل الإعلام المحلية والدولية، وقد سعت هذه المؤسسة في العقدين الأخيرين إلى تبني سياسة أكثر فاعلية، والترويج باللغة العربية من أجل التواصل ونقل الرسائل إلى متحدثي اللغة العربية بشكل مباشر، خاصة في الحرب على لبنان في عام 2006 التي نظر لها الإسرائيليون أيضا على أنها فشل كبير. إلى جانب مؤسسة الناطق باسم الجيش هناك جسم آخر، هو مركز عمليات المعلومات الذي تأسس في 2005 من أجل تركيز المعلومات ونشر الوعي، داخل صفوف الجيش وإعداد خطط وحملات تضليل، إلا أنه وبسبب من تبعيته للاستخبارات العسكرية بقي نشاطه سريا، وعرف عن دوره في الحرب على لبنان بأنه قام بالكشف عن أسماء عسكريين أصيبوا من بين قوات حزب الله، وتوزيع بيانات باللغة العربية داخل لبنان، والسيطرة على وسائل إعلام تابعة للحزب.

وإلى جانبه وجانب الناطق باسم الجيش تنشط في هذا المضمار وزارة الخارجية التي وإن كانت لعبت دورا بارزا على الساحة الدولية وبأدواتها الدبلوماسية التقليدية في الحرب على لبنان، إلا أن دورها وصف بالضعيف والأقرب إلى الفشل.

الرصاص المصبوب ونقطة التحول

وجاء عدوان “الرصاص المصبوب” على قطاع غزة في 2008 في أجواء من التأييد الدولي وبعد حملات مكثفة ضد صواريخ تطلق من غزة، وكان يتوقع لها أن تنهي أزمة غزة والصواريخ التي تطلقها حركة حماس بشكل جذري، إلا أنها انتهت بعد 22 يوما من القصف المكثف بوقف إطلاق نار أحادي الجانب من قبل إسرائيل وتحقيق ردع جزئي.

وطبقا للدراسة الإسرائيلية وضعت الحملة لنفسها ثلاثة أهداف هي تغيير قواعد اللعبة بتوجيه ضربة موجعة ضد أي عمل تقوم به حماس وخلق حالة دائمة من الردع، والضغط على حماس بشكل متواصل لدفعها للقبول بتسوية تفرضها إسرائيل، وفرض تسوية دولية تقوض قوة الحركة في القطاع. واختارت إسرائيل لتحقيق الهدف الأول المتمثل بالردع أن تبدأ هجومها بشكل مفاجئ من خلال استهداف قوة شرطة أثناء حفل تخريج كانت تجريه في أحد المقرات الحكومية، وهو ما خلق حالة من الصدمة على غرار مبدأ “الصدمة والترويع” المنتهج من قبل الولايات المتحدة في العراق وغيره، تبعتها حملة منظمة إعلامية تمثلت بإلقاء بيانات وبث أشرطة فيديو ورسائل مسجلة تكذب رواية حماس، واتصالات هاتفية للمنازل تحذر السكان من التعاون مع الحركة، ومنع محطات البث التابعة لحماس من البث والتشويش عليها إلى جانب محاولات الناطق باسم الجيش الوصول إلى المؤثرين في شبكات التواصل وإيصال رسائل من خلالهم وتضخيم الأصوات النقدية التي كانت تصدر من غزة.

حملات دولية والإعلام الجديد

واستنادا للدراسة قامت إسرائيل بحملات دولية دبلوماسية وإعلامية بهدف مواجهة التحدي الرئيس المتمثل في الضائقة الإنسانية التي يعيشها سكان القطاع بفعل الحرب، حيث أعدت مسبقا مواد دعائية جندت ناطقين بمعظم اللغات من أجل بثها على مستوى العالم. وبرز بشكل لافت استخدام الجيش الإسرائيلي لوسائل التواصل الجديدة مثل تويتر خلال الحرب على غزة في 2008 حيث دشن موقعه الرسمي باللغة الإنكليزية قبل نهاية الحملة، بهدف التواصل مع الجمهور في العالم، كما قام الناطق باسم الجيش في ذات الفترة بفتح قناة على “يوتيوب” لنشر مقاطع مصورة من الميدان ومن كاميرات الجنود، كما أنه قام بالتواصل مع 50 ناشطا من المدونين وتزويدهم بالمعلومات.

وأديرت حرب 2008 على جبهتين، واقعية وافتراضية وبرز فيها دور وسائل التواصل، وهو ما جعل الحملات العسكرية التي تبعتها في عامي 2012 و2014 والتي جاءت لتعزز القناعة أن مفهوم الانتصار الميداني والردع ضد تنظيم يعمل وينشط في وسط مدني وفي مكان مزدحم مثل قطاع غزة أمرا غير محسوم، وهو ما عزز القناعة بأهمية الساحة الرقمية ومعركة الوعي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية