الأعمال تتقدم بشكل حثيث. ما كان أكوام تراب وأنقاض بيوت مدمرة قبل بضعة أشهر، أصبح الآن مواقع بناء في مراحل تطوير متسارعة: شق شوارع واسعة، ونشر لواقط هوائية، وإقامة بنى تحتية للمياه والمجاري والكهرباء، وبالطبع مبان متنقلة. لا يدور الحديث عن مشروع جديد للحكومة أو رد ما على مشكلة غلاء معيشة لمواطني الدولة، بل مشروع مختلف كلياً.
هذه الصور الموجودة في ممر نتساريم يمكن رؤيتها في أماكن مختلفة في قطاع غزة. زخم التطوير في الذروة، والهدف واضح، سواء دار الحديث عنه علناً أو غير علني: إقامة بنى تحتية لبقاء طويل للجيش في المنطقة، على الأقل في المرحلة الأولى.
منذ بداية الحرب، سيطر الجيش الإسرائيلي على مناطق وطرق في القطاع. ولكن البيانات التي وصلت لـ “هآرتس” تبرهن على الحجم والنطاق الذي يدور الحديث عنه الآن. بدأت الجيوب تذكر بفترة ما قبل الانفصال في 2005. شارع واسع في ممر نتساريم وفي محيطه مواقع جديدة.
وتم في كيسوفيم شق شارع بجانبه منطقة تجمع وحوله منطقة مفتوحة، على الأقل حتى الآن. ولكن ليس ما نراه على الأرض هو فقط ما يشير إلى استمرار تواجد الجيش في القطاع في السنة القادمة، فهذه النتيجة تظهر أيضاً من الاطلاع على الرسم البياني للقتال في العام 2025، الذي حصل عليه مؤخراً ضباط وجنود في الخدمة النظامية وفي الاحتياط.
هذا يُبلغ أن الجيش الإسرائيلي بدأ في الفترة الأخيرة في “تسوية مناطق واسعة في القطاع، أو بلغة عسكرية أقل، تدمير المباني والبنى التحتية القائمة بشكل لا يمكن أن تختفي هناك أخطار على الجنود، وأيضاً لا يمكن لأحد العيش فيها. إضافة إلى هذه النشاطات، ثمة أعمال بنى تحتية عسكرية جديدة، وشق المحاور والطرق الواسعة وحتى تمهيد الأرض لأماكن سكن لفترة طويلة. “نمنا في حظائر محمية مع قوابس ومكيفات. كان هذا بمستوى أعلى من كل المواقع التي خدمت فيها”، قال للصحيفة ضابط خدم في نهاية الصيف في موقع قرب ممر نتساريم. “ثمة مطبخ للألبان وآخر للحوم، وأدخلوا كنيساً، وكانت غرفة العمليات في حظيرة محمية”. حسب قوله، كان الشعور أن الأمر يتعلق بخط آخر في غلاف غزة أو في الضفة الغربية، وليس تسوية مؤقتة في منطقة خطيرة. “تجولنا بدون خوذات وستر واقية، ولعبنا كرة القدم داخل الموقع”، قال الضابط. “تقريباً، كنا نشوي في كل مساء، لم نشعر بأننا في منطقة قتال”.
بعد ذلك، مر شهران تقريباً، وتحسنت الظروف هناك. كل ذلك إلى جانب إخلاء شمال القطاع من المواطنين وتحويل المنطقة إلى جيب عسكري. جهات رفيعة في المستوى السياسي وفي جهاز الأمن يكررون بأن إخلاء شمال القطاع ليس جزءاً من “خطة الجنرالات” من أجل فرض الحصار على المنطقة وإخلاء سكانها، التي بحسبها أيضاً منع المساعدات الإنسانية يعتبر أمراً مشروعاً. ولكن مصادر أمنية رفيعة تحدثت مع الصحيفة، أكدت في محادثات مغلقة بأن ما يعرض على الجمهور الإسرائيلي ليس بالضرورة ما يحدث بالفعل. مثلاً، قالت هذه الجهات إن المطلوب من الجيش الإسرائيلي الآن إخلاء قرى ومدن من سكانها، ولتأكيد ذلك، لم يبق سوى 20 ألف غزي وربما أقل في المنطقة التي كان يعيش فيها عشية الحرب أكثر من نصف مليون غزي.
طرح هذا الأمر في محادثات أجراها أشخاص رفيعون في إدارة بايدن مع نظرائهم الإسرائيليين في الفترة الأخيرة. وحذر رجال الإدارة -حسب تقارير منظمات دولية- من تخوف حقيقي من محاولة تجويع السكان المدنيين في شمال القطاع. يدور الحديث عن منطقة لم يعد فيها بيت صالح للسكن، وهذا ليس بالصدفة. يتبين من محادثات مع قادة وجنود في الميدان ومن جولة في منطقة القتال، أن الجيش الإسرائيلي يعمل بشكل ممنهج لتسوية المباني التي ما زالت قائمة هناك. “لا نستيقظ في الصباح ونحضر جرافة “دي 9” وندمر الأحياء”، قال ضابط كبير شارك في القتال. “ولكن إذا كان علينا التقدم إلى أماكن معينة، فلا نعرض قواتنا للخطر بواسطة تفخيخ وعبوات”.
حتى الآن، هناك سكان لا يذهبون إلى أي مكان، لأنهم لا يريدون تكرار ما حدث لهم. كثيرون منهم هربوا من بيوتهم في شمال القطاع في بداية الحرب إلى مدينة غزة، لكنهم بعد ذلك عادوا إلى الشمال رغم الظروف القاسية، بسبب صعوبة الانتقال من مكان إلى آخر مع عائلاتهم، التي عدد منها مصابون. وهم الآن يعيشون في بيوت حتى لو لم يعرف عمرها. يبدو أن معظم السكان في مناطق القتال يفضلون احتلال مأوى آيل للسقوط وخطير قبل فصل الشتاء على المغادرة إلى المجهول.
لكن وضع هؤلاء السكان الآن بعيد عن الاستقرار على خلفية جهود إسرائيل في إبعادهم من هناك، احياناً بمساعدة إطلاق قذائف المدفعية نحو مناطق مفتوحة قريبة من المناطق التي ما زالت مأهولة. “في الأشهر الأخيرة، كل المطلوب أن تفعله القوات على الأرض هو دفع السكان نحو الجنوب – تسوية البيوت على بعد بضعة كيلومترات من المحاور اللوجستية ومناطق تواجد القوات في أرجاء القطاع”، قال ضابط كبير خدم في القطاع قبل فترة قصيرة. يوجد في كل هذه المناطق بناء عسكري طويل المدى. “هذه ليست مواقع تبنى لشهر أو شهرين”، أوضح الضابط نفسه.
شمال القطاع جزء كبير في الصورة، ولكنه ليس الصورة كلها. حسب الخطة التي يتم تنفيذها، يعمل الجيش على الاحتفاظ بأربع مناطق كبيرة في المنطقة على الأقل، أبرزها ممر نتساريم. شقه سلاح الهندسة بداية الحرب واستخدمه كممر لوجستي للقوات العاملة، وفيما بعد لإدخال المساعدات الإنسانية. ولكن الهدف وصورته تغيرا مع مرور الوقت.
بعد أعمال تسوية واسعة في المنطقة، لم يعد الحديث يدور عن ممر، بل عن منطقة واسعة لا مباني فيها. فبدلاً من البيوت هناك شارع، وبدلاً من الحي ثمة صحراء. “اليوم عندما نقف في الممر”، قال أحد جنود الميدان، “في أماكن معينة، لا نرى بيوتاً في غزة”. 5 – 6 كم هو عرض الممر الآن، بطول 9 كم، ويؤدي إلى مكان كانت فيه مستوطنة “نتساريم”. هذا العرض غير نهائي، لأن مصادر تحدثت مع الصحيفة قالت إن قوات الجيش الآن تعمل على توسيعه، 7 كم، 3.5 كم على كل جانب.
لكن الحديث لا يدور عن شارع في أي مكان. في الواقع، لا يوجد هناك بناء قديم، إنما هناك الجديد فقط. بمعنى ما، يمكن القول إن هذا مشروع رئيسي لمواقع غزة الجديدة. على جانبي الممر عدد منها، كبيرة – التي توصل إليها شوارع واسعة، وقد تكون فيها قوات غير قليلة لفترة طويلة.
وثمة منطقة أخرى على خارطة الطرق الجديدة لإسرائيل، وهي محور فيلادلفيا. ففي الوقت الذي دخلت فيه الاتصالات للتوصل إلى اتفاق تبادل إلى حالة جمود، وجرت نقاشات أيضاً حول أهمية الاحتفاظ به، فإن الجيش قام بتسوية مناطق واسعة على طول المحور. يدور الحديث في عدة أماكن عن كيلومتر واحد، وفي مناطق أخرى 3 كم. وحتى إن المستوى السياسي طلب كيلومتراً آخر.
حسب مصادر في الجيش، توجد في هذا المحور مناطق الـ 4 كم، فيها سيناريو غير منطقي؛ لأن معنى ذلك هو تدمير أحياء كاملة في رفح. وهي المبادرة التي قد تزيد غضب المجتمع الدولي (الذي يرى في الوضع القائم اليوم أمراً إشكالياً).
المنطقة الرابعة هي الأطول من بينها. يدور الحديث عن قطاع على طول الحدود بين غزة وإسرائيل، وفرقة غزة هي المسؤولة عن إعادة تشكيله. بكلمات أخرى، منطقة عازلة بعرض كيلومتر على الأقل، بين مستوطنات الغلاف وصفّ البيوت الأول في القطاع. الهدف هو إبعاد تهديد القذائف المضادة للدروع عن بيوت سكان الغلاف. والطريقة تدمير أحياء بالكامل.
لكن ما يحدث الآن حول “كيبوتس كيسوفيم” يشير إلى أن مشروع التسوية لم ينته بعد. فقد أعلن الجيش الأسبوع الماضي عن فتح طريق مساعدة لوجستية من هناك إلى داخل القطاع (أمس، نشر أن هذا المحور سيستخدم أيضاً لإدخال المساعدات الإنسانية). في هذه المرحلة، يدور الحديث عن محور ضيق وقصير ينتهي في منطقة التقاء غير كبيرة. ولكن حسب ادعاء قادة في الميدان، فقد بدأت المشاريع السابقة على هذا النحو، وبسرعة سيصبح ممر “كيسوفيم” شبيهاً بالشوارع في محور فيلادلفيا.
حول الطريقة التي فيها حاجة معينة، تتسع لتصبح مشروعاً ثابتاً، لا نعرف عنها فقط بواسطة الشوارع. هذه أيضاً قصة المعبر الذي أقيم بسرعة في بداية الحرب، الذي هدف إلى ترتيب الانتقال من شمال القطاع إلى جنوبه. وإذا كان في البداية يشبه حاجزاً ارتجالياً، فقد أصبح الآن معبر حدود يفصل بين دولتين.
“كما يبدو هذا على الأرض، الجيش الإسرائيلي لن يخرج من غزة قبل 2026″، قدر ضابط في أحد الألوية التي تقاتل في القطاع. “عندما نشاهد الطرق والمحاور التي يشقونها، يتضح أن هذا لا يخدم عملية برية أو اقتحام القوات لمناطق مختلفة. هذه المحاور تؤدي ضمن أمور أخرى، إلى أماكن تم إخلاء بعض المستوطنات منها. لا أعرف عن نية لإعادة إقامتها، هذا ليس أمر يقال لنا بشكل صريح، لكن الجميع يعرف إلى أين سيؤدي هذا”.
ينيف كوفوفيتش وآفي شاريف
هآرتس 13/11/2024