إسرائيل تكرر التهديد بتدمير “حماس” وتوسيع التوغل متحاشيةً تسمية “الحملة البرية”

حجم الخط
1

 الناصرة- “القدس العربي “: إلى أين تتجه إسرائيل؛ نحو صفقة تبادل أسرى، أم التقدم من أجل تحقيق هدفها الأول المعلن من هذه الحرب، بالإجهاز على حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، طمعاً بالانتقام وترميم الهيبة واستعادة ثقة الإسرائيليين بها وبجيشها؟

 هل هذا هو الاجتياح البري، أم هي مناورة برية، أم سياسية تهدف أيضاً للضغط على “حماس” نحو تليين موقفها، وخفض سقف مطالبها في المفاوضات الجارية؟

حتى الآن، تحرص إسرائيل على تحاشي تسمية ذلك اجتياحاً برياً، رغم أن قائد الجيش هرتسي هليفي قال إن أهداف الحرب المتمثلة بتدمير “حماس” تقتضي الاحتلال البري.

وعلى الأرض يتقدم الجيش الإسرائيلي بقصف جوي مكثف، وغير مسبوق. وبالتزامن، يقوم بغزوات محدودة، غير واضحة المعالم، تكتفي إسرائيل بالقول إنها تصطدم بمقاومة، وإنها قتلت العشرات من جنود “حماس” دون تقديم أدلة على ذلك.

لغة الجسد فضحت حالة إرباك (نتنياهو وغالانت وغانتس)، ولهجة الكلام عكست خلافات في ما بينهم، رغم أن الهدف بث رسالة وحدوية للإسرائيليين

في الأيام الأولى، بعد الهزة الأرضية التي أحدثتها “حماس” في “طوفان الأقصى”، كانت إسرائيل قد أكدت، على لسان سياسييها وعسكرييها، بأنها في حالة حرب، وأنها ذاهبة لتدمير “حماس”، وسط شبه تجاهل لقضية الأسرى والمخطوفين. وبعد أيام، وفي ظل تحذيرات محلية وخارجية من مغبّة التورط برمال غزة، جراء اجتياح بري واسع، أبرزها للرئيس الأمريكي، عادت إسرائيل لتتحدث بلهجة مغايرة بإشارتها لضرورة انتزاع القوة العسكرية من “حماس”.

وفي الأسبوع الأخير، وفي ظل قرار عائلات الأسرى والمخطوفين الإسرائيليين برفع صوتهم، بدأت هذه القضية تحتل أولوية عالية في المواقف الإسرائيلية المعلنة، وأحياناً أعلى من الهدف الأول: “تدمير حماس”.

لكن سلم الأولويات يشهد، في اليومين الأخيرين، تغيراً جديداً، ما يعكس، ربما، عدم تخلص إسرائيل بعد من حالة البلبلة الملازمة لها، منذ وَقَعَ الفأس في رأسها على حين غرة، في السابع من أكتوبر، وعلى عدم اتخاذها قراراً نهائياً قاطعاً باحتلال القطاع، وإسقاط “حماس” بكل ثمن.

بالقمصان السود

تجلى ذلك، في الأمس، في مؤتمر صحافي لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن الحالي يوآف غالانت، وسابقه في المنصب الوزير بيني غانتس، الذين ارتدوا كافتهم خلاله القمصان السوداء في إشارة للجدية والجاهزية، على ما يبدو، لكن لغة الجسد فضحت حالة إرباك، ولهجة الكلام عكست خلافات في ما بينهم، رغم أن المؤتمر الصحفي المشترك استهدف أيضاً بث رسالة وحدوية للإسرائيليين.

في هذا المؤتمر الصحافي تَوافقَ ثلاثتهم على أن الحملة البرية الواسعة ليست على حساب هدف الحرب الثاني– استعادة الأسرى والمخطوفين- بل بالعكس، فالاجتياح يخدم المطلب باستعادة الإسرائيليين من غزة.

غفلة رهيبة

 في المؤتمر الصحافي قال نتنياهو إن “هناك لحظات تقف فيها الأمة بين خيارين: البقاء أو الفناء. نحن حالياً في مثل هذا الاختبار. وليس لدي شك في كيفية انتهاء ذلك: سننتصر”. وتابع، مكرراً التهديد والوعيد، وهو يبدو في حالة قلق وحرج مقابل أسئلة صعبة للصحافيين: “القتال داخل القطاع سيكون صعباً وطويلاً. هذه هي حربنا الثانية من أجل الاستقلال. سنقاتل من أجل الدفاع عن الوطن، في البحر والجو والبر. سوف ندمرهم فوق وتحت الأرض، نحن سوف نقاتل، وسوف ننتصر”.

غالانت: إعادة المخطوفين ليست مهمة ثانوية

 من جهته، وبعدما واظبَ غالانت على القول إن الهدف الأول للحرب هو تدمير “حماس”، قال، بعد لقائه بممثلي عائلات الأسرى والمخطوفين، إن إعادة المخطوفين ليست مهمة ثانوية، بل ذات أهمية كبيرة.

 وحول التوغلات الإسرائيلية المحدودة، قال غالانت إن الجيش يترقب في الأماكن الضرورية، ويضرب تشكيلات “حماس” فوق وتحت الأرض، “حماس” تتلقى ضربات موجعة لم تعرفها من قبل”. متحاشياً القول إن الحملة البرية قد بدأت، اكتفى بالقول: “مررنا في الأيام القليلة الماضية بمرحلة جديدة: غزارة النيران التي سقطت على العدو لدرجة أنها هزت الأرض في قطاع غزة، وهي مختلفة عن أي شيء آخر لم تشهد “حماس” مثلها منذ تأسيسها وحتى اليوم”.

لا اكتراث بالتوقيت الدبلوماسي

أما رئيس حزب “المعسكر الرسمي”، الوزير بلا حقيبة، بيني غانتس فذهب للقول إن الهدف بتدمير “حماس” لا يتناقض مع الهدف الثاني، باستعادة المخطوفين، مدعياً أن العكس هو الصحيح. وعن ذلك أضاف مهدداً بالمضي في الضربات دون اهتمام للضغوط الدبلوماسية: “فليعلم العالم أن هذه حرب لا تسير وفق توقيت زمني دبلوماسي، وإنما وفق توقيت ميداني. إن العملية البرية، إلى جانب الجهود الأخرى، تقودنا أيضاً إلى إعادة المختطفين إلى الوطن. كلنا، رئيس الوزراء ووزير الدفاع ومجلس وزراء إدارة الحرب وسلسلة القيادة بأكملها، نفهم المسؤولية التي تقع على عاتقنا. نشعر بألمكم وتوقعاتكم”.

هل يمكن أن تتعايش إيران و”حزب الله”، وبقية مكونات المحور، مع سيناريو تدمير “حماس”؟

وسبقهم في تحديد أهداف الحرب بسلم أولويات مغاير (يبعد إعادة المخطوفين عن صدارة الأهداف) الناطق العسكري دانئيل هغاري، بقوله، هو الآخر، إننا في مرحلة جديدة، توسيع العملية البرية من أجل تفكيك “حماس”، وتأمين الأمن في الحدود واستعادة المخطوفين.

مفاوضات مستمرة

لكن رغم ما قيل أعلاه، ورغم التنكر لتصريحات يحيى سنوار حول التقدم في المفاوضات حول الأسرى، كَشَفَ رئيسا “الموساد” السابقان أن هناك مفاوضات جارية على الأرض بوساطة دول أخرى منها قطر.

 في حديث للإذاعة العبرية العامة، صباح اليوم، الأحد، قال يوسي كوهن (رئيس الموساد السابق) إنه يمكن تدمير “حماس”، وفي التزامن يمكن المضي في صفقة تبادل مخطوفين وأسرى. وبخلاف تصريحات نتنياهو، اعتبر كوهن أن هذه ليست حرب الاستقلال الثانية، لأن إسرائيل قامت واستقلت، وهي قوية كما يتجلى اليوم في تجنّد الإسرائيليين. وتابع: “لسنا أمام تهديد وجودي، بعكس حرب 1948 وحرب 1973، وإسرائيل تستطيع الدفاع عن نفسها، ولكننا في حرب هدفنا فيها تدمير “حماس”، ونحن قادرون على ذلك. لدى “حماس” نوايا بتدميرنا، لكن لا يوجد لديهم قدرات على تطبيقها، ولذا نحن لسنا مقابل تهديد وجودي، وهي، في المناسبة، لن تغير جوهر موقفها من حقيقة وجود إسرائيل لأسباب أيديولوجية”.

انقسام المواقف الإسرائيلية

ويشهد الشارع الإسرائيلي جدلاً حول سلم الأولويات المطلوب الآن، وحول العلاقة بين هدفي الحرب المعلنين: تدمير “حماس”، واستعادة الأسرى والمخطوفين، في ظل إنتاج إسرائيل حالة غموض ضبابية في الميدان.

 من جانبه يقول الجنرال في الاحتياط عاموس غلعاد، متطابقاً مع تصريحات غانتس، إنه لا تناقض بين الهدفين.

وبالنسبة لمستشار الأمن القومي السابق غيورا إيلاند، المشكلة المركزية هي عدم قيادة إسرائيل حرباً دبلوماسية تهدف لدفع دولة ثالثة للقيام بمبادرة معينة تخدم مصالح إسرائيل. ويضيف: “استقبلت إسرائيل زعماء الغرب، لكنها لم تقنعهم بضرورة دعوة أهالي غزة للتراجع نحو جنوب القطاع. استفزتني زيارات المواساة فقط التي قام بها رؤساء الغرب، مثلما استفزتني دعواتهم لاحترام قوانين الحرب الدولية، وعدم إقناعهم بأن المساس بالمدنيين الفلسطينيين هذه المرة أكبر لأن عدم ردّنا على ضربة “حماس” في السابع من أكتوبر يعني فقداننا شرعية وجودنا هنا. استفزني عدم طرح أي جهة دولية أي مبادرات عملية تتيح لإسرائيل تحقيق مراميها، خاصة أن الشرعية الدولية لهذه الحرب ليست غير محدودة”.

في تحليل نشرته صحيفة “معاريف”، يلتقي المحلل العسكري أمير بوحبوط مع إيلاند بتحذيره من فقدان إسرائيل وقتاً ثميناً فيما لم يحقق جيشها الهدف.

في مقال بعنوان: “يحظر أن تضلّلنا مشاهد الدمار في غزة”، قال بوحبوط إن ثلاثة أسابيع مرت منذ بدء الحرب، وعدا الدمار داخل القطاع، ومهما كان كبيراً، لا نرى جواباً إسرائيلياً بعد. ويقول إن قوات الاحتلال تسير ببطء شاذ، ينبع من جملة أسباب، من تردد الحكومة ومن عناق الدب الأمريكي والإجراءات للإفراج عن المخطوفين، لكن الوقت ينفد. ويتابع: “ينبغي أن يسمع العالم صدى ردنا المجلجل، ودون تلعثم، في الطريق إلى هناك”.

في المقابل، تدعو صحيفة “هآرتس”، اليوم، لإطلاق الأسرى والمخطوفين بكل ثمن أولاً وقبل كل شيء”.

وفي التزامن شَرَعَتْ عائلات هؤلاء بتصعيد احتجاجاتهم، ما دفع نتنياهو وغالانت للاجتماع بهم، للمرة الأولى منذ بدء الحرب. ومن المتوقع، اليوم، أن ينتقلوا لمرحلة جديدة تكون فيها صرختهم أعلى وأشد.

ويبقى السؤال؛ هل تتحقق تهديدات الساسة والعسكريين الإسرائيليين بالاجتياح نحو تحقيق الهدف المعلن المتمثل بتدمير “حماس” والإفراج عن الأسرى، رغم المخاطر من أثمان ذلك، من ناحية عدد الجنود القتلى، اشتعال جبهات أخرى، وتدهور خطير في الاقتصاد الإسرائيلي، وتصاعد الغضب في العالم، بما في ذلك العواصم الغربية؟ هل تستطيع إسرائيل التراجع عن أهدافها المعلنة بعد ضربة “طوفان الأقصى” الإستراتيجية، التي أصابت هيبتها وثقة مواطنيها بها، وبمستقبل الحياة فيها، وكيف ستبدو عندئذ بعيونهم وبعيون أعدائها أيضاً؟ في المقابل هل تتعايش إيران و”حزب الله”، وبقية مكونات المحور، مع سيناريو تدمير “حماس”، رغم أن ذلك يعني مساً مباشراً بهيبتهم؟

من غير المستبعد أن إسرائيل تبحث بتصعيد التهديد والوعيد وتحويل سماء غزة لجحيم عن تليين موقف “حماس” في المفاوضات، وإنتاج نكبة مدنية في القطاع، عوضاً عن الحسم العسكري المباشر مع “حماس”، في انتظار مبادرة دبلوماسية خارجية تحمل سلّماً يمكّن كل الأطراف من النزول عن شجرة عالية، والتعايش مع النتائج الحالية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية