طرقت اسرائيل قشرة البيضة باجتيازها حدود قطاع غزة البرية، في ما يمكن اعتبارها مجرد محاولة موجهة للداخل الاسرائيلي من جانب، ومحاولة مساعدة معنوية للدول العربية التي تريد رعاية المصالحة، والتي تريد طي ملف الحرب كما في السابق، ولا أظن ان هذه الخطوة موجهة من الناحية المعنوية للداخل الفلسطيني في غزة، لكن كسر قشرة البيضة ربما يعني محاولة اسرائيلية لمعرفة ما بعد جدار غزة الخارجي.
عموما تملك إسرائيل القدرة على محو قطاع غزة عن الخارطة وارتكاب جرائم فظيعة في ذلك، ولكن اللحظات النهائية في المعركة وطريقة وضع هذه المعركة لأوزارها هو المشكلة، فالكل في اسرائيل يدرك ان المواجهة العسكرية في حال انفلاتها بشكل مكشوف فلن يرفع احد في غزة الراية البيضاء، لأن جغرافيا غزة المحاصرة قبل الحرب هي تماما في لحظات الحرب، والموت الذي كان يحصد المرضى قبل الحرب بفعل الحصار، هو موجود والناس بطبعها ملت الحصار، فالصمود لم يعد مسألة يختاره الناس بقدر ما هو خيار أخير لا احد يمتلك سواه، فالناس لن تخرج من غزة الى البحر المحاصر أو مصر الفاعل الأهم في الحصار.
معضلة اسرائيل تكمن في نوع الحسم الذي يمكن ان يرضي الشارع الاسرائيلي في هذه الفترة، وهذا متوقف على موقف غزة اصلا التي بإمكانها اطالة المعركة بلا وارد للهدوء، وهذا وحده أهم الموجود، والفرق بين الشارع الفلسطيني والشارع الاسرائيلي هو الدلالة المعنوية بالنسبة للسلاح الفلسطيني، فغزة تدرك ان اطلاقها صاروخا واحدا في اليوم هو كإطلاق مئة، ولا فرق بينهما فالحرب الصاروخية لها وظيفة محدودة بترك ثلاثة ملايين في الملاجئ، وهذا يعني تعطل الحياة المدنية في الكيان بالكامل، بمعنى الغاء وظيفة الحياة في كيان يعني له الصيف الاقتصاد والرفاهية.
ومعضلة النظام الرسمي لبعض العرب وعلى رأسه مصر، أنه بحاجة الى هزيمة سياسية لغزة من خلال خروجها من المعركة مجردة من أي انتصار معنوي، بما فيه فتح معبر رفح، لان هذا وحده يضمن خضوع الفلسطينيين واستمرار اذلالهم، لان أي انتصار سياسي للفلسطينيين سيرفع من جبين الكفاح الفلسطيني امام العرب ويحيي فكرة الكفاح في سبيل تحرير فلسطين- وليس المقاومة والممانعة- التي في غلافها السياسي صورة متحولة لا تفي بالغرض.
ومعضلة الفلسطينيين أنهم يعيشون أزمة شق الصف الفلسطيني ومحاولات العرب دفع السلطة الفلسطينية لتبني خيارات ترفضها فصائل الكفاح الفلسطيني، وهذا يتطلب من الفصائل الفلسطينية ألا تقع في هذا الشرك، فنحن علينا أن ندرك أن السلطة الفلسطينية هي كيان اداري تحت الاحتلال، لا يمكن أن نعول عليه سوى ببعض الدعم السياسي، ولا نقبل بأن نخوض صراعا معه، بغض النظر عن طبيعة التحولات والضغط السياسي الذي يمارس على السلطة.
المستقبل يعني جملة واحدة، أن الفلسطينيين إذا نجحوا في ادارة الحرب مع العدو فسوف تفرض غزة نفسها في الواقع السياسي الفلسطيني كله بشكل فاعل، وسنكون مستقبلاً أمام صناعة قيادة فلسطينية لعموم الفلسطينيين، وهذا تلزمه تلك الادارة الواعية للجانب السياسي فحسب.
مطلوب من الجميع في غزة عدم ظهور عشرات الناطقين الرسميين الذين كل واحد منهم يغرد على هواه، بما يزيد من تأجيج الحساسية الفلسطينية الداخلية، ومطلوب من غزة أن تعمل على تصدير مكتب اعلامي موحد يتحدث بالجانب السياسي، أما المكاتب الاعلامية المتعلقة بالعسكر فهي مفتوحة الافق، لأنه بالتأكيد نحن امام خطورة في تراجع السياسة الفلسطينية امام حجم الضغط العربي.
اسرائيل كسرت قشرة البيضة في خرقها لجدار غزة لكنها تدرك وندرك نحن أن وراء القشرة كل مجاهيل الدنيا.
٭ كاتب فلسطيني
أيمن خالد