إسرائيل تنفق أكثر من مليار دولار يوميا في الحرب على إيران

إبراهيم نوار 
حجم الخط
0

أن تكون تكلفة العدوان في متناول يد المعتدي من شأنها أن تشجعه على تكرار عدوانه. أما إذا كانت التكلفة باهظة، فإنه سيفكر أكثر من مرة قبل أن يبادر بالعدوان. ولا تعني التكلفة مجرد النفقات العسكرية للحرب، مثل تمويل الأسلحة والذخائر والأفراد والمعدات، وإنما تتضمن عناصر التكلفة الخسائر السياسية والاقتصادية والعسكرية والتعويضات وإعادة البناء وغيرها. وفي حال إسرائيل على وجه الخصوص فإن الحرب تضمنت في كل مرة تقريبا حصولها على موارد إضافية وتعويضات ومزايا من الخارج. وطالما كان الأمر كذلك فإنها كررت عدوانها. وعلى الرغم من أن حرب غزة تشير إلى بعض التغيير في معادلة التكلفة الشاملة في غير مصلحة إسرائيل، فإنها اندفعت لأسباب جيوسياسية إلى مواصلة الحرب بتوسيع نطاق العدوان بالهجوم على إيران في فجر 13 من الشهر الحالي. وتسعى إسرائيل كما هو حالها دائما إلى ابتزاز العالم والحصول على قدر كبير من المساعدات، بتصوير نفسها على أنها الضحية التي يطاردها الذئب. وسوف نرى كيف تتطور لعبة الابتزاز في هذه المرة، بعد أن شنت إسرائيل هجوما شاملا على دولة مستقلة ذات سيادة، استهدفت بواسطته منشآت مدنية وعسكرية على السواء.
تشمل التكاليف المباشرة للحرب ارتفاعا حادا في الإنفاق الحكومي، على الاحتياطيات العسكرية والأسلحة والتعويض عن الأضرار. ما يعني أن الحكومة تحتاج حاليا إلى إعادة فتح ميزانية عام 2025 وتوسيعها لزيادة موارد تغطية التفقات. لكن الإيرادات الضريبية من المتوقع ان تنخفض مع انخفاض مستوى النشاط الاقتصادي، ما يسفر عن زيادة عجز الميزانية خارج نطاق التوقعات.

خسائر قطاع الطاقة

على صعيد الخسائر الاقتصادية للحرب، أعلنت شركة خطوط الغاز الطبيعي الإسرائيلية في 15 من الشهر الحالي أن وزير الطاقة والبنية التحتية، إيلي كوهين، أمر بوقف مؤقت لتدفق الغاز الطبيعي من حقلي الغاز البحريين «كاريش» و«ليفياثان»، وذلك بعد تعليق تشغيل حقل «تمار» أيضا. هذا يعني ثلاثة تداعيات سلبية، تتمثل في تخفيض أو وقف صادرات الغاز إلى كل من مصر والأردن، وتخفيض الإمدادات إلى محطات الكهرباء المحلية التي تعمل بالغاز، وتحمل أعباء اللجوء للخارج من أجل تعويض الانخفاض في الإنتاج المحلي بسبب الإغلاق.
وكانت إسرائيل قد حققت في العام الماضي زيادة كبيرة في صادراتها من الغاز الطبيعي، وخاصة إلى مصر والأردن، حيث وصلت الصادرات إلى رقم قياسي بلغ مليار قدم مكعب يوميًا إلى مصر وحدها. ساهمت هذه الزيادة في الصادرات في زيادة إيرادات الدولة، حيث من المتوقع أن يصل إجمالي الدخل من الغاز الطبيعي (العوائد، وضريبة الشركات، والرسوم) إلى حوالي 5 مليارات شيكل هذا العام (حوالي 1.4 مليار دولار). هذا الرقم ربما يقفز إلى 10 مليارات في غضون بضع سنوات. حقل ليفياثان، الواقع في حوض شرق البحر المتوسط هو أكبر موارد الطاقة في إسرائيل، إذ يقدر احتياطيه بحوالي 22.9 تريليون قدم مكعب من الغاز القابل للاستخراج، وكان يُصدر كميات قياسية إلى مصر – 981 مليون قدم مكعب يوميًا في عام 2024، بزيادة قدرها 18 في المئة على أساس سنوي. وكانت مصر تحت ضغط تراجع الإنتاج المحلي وطموحات تصدير الغاز الطبيعي المسال، قد اعتمدت بشكل متزايد على الواردات الإسرائيلية لسد الفجوة.  وقد أدت حرب غزة إلى تأجيل خطط كانت تعتزم شركات الغاز في إسرائيل تنفيذها لتطوير حقول الإنتاج القائمة، والتوسع في أنشطة التنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط، إضافة إلى تعميق التعاون مع كل من مصر وقبرص في مجالات نقل وإسالة الغاز الطبيعي.
قبل أشهر فقط، أعلن التحالف المُشَغِّل لحقل ليفياثان بقيادة شركة «شيفرون» الأمريكية  خطة لزيادة طاقته من 12 إلى 21 مليار متر مكعب، مع التركيز على أوروبا كعميل رئيسي.
وطبقا لبيانات الشركة الأمريكية فإن استثمارات بقيمة 2.4 مليار دولار سيتم ضخها في إطار الخطة لتطوير البنية التحتية للحقل في المياه العميقة تحت سطح البحر، لزيادة الإنتاج، ونقل الغاز إلى منصة ثابتة على الجرف القاري لإسرائيل، ومن هناك يتم ضخ الغاز عبر الأنابيب إلى إسرائيل ومصر والأردن. وأكدت «شيفرون» أن الحروب الحالية من شأنها إبطاء استثمارات تطوير حقول إنتاج الغاز في شرق البحر المتوسط، وأن أنشطة التوسع في حقلي غاز بحريين كبيرين في إسرائيل (ليفياثان وتمار) أصبحت مُعلّقة أيضا بسبب الصراع العسكري في المنطقة. وأكدت شركة «نيوميد إنرجي»، الشريكة في المشروع، الشهر الماضي أنه بسبب تصاعد الحرب الإسرائيلية، تأخر تركيب خط أنابيب بحري ثالث مُصمّم لتوسيع طاقة إنتاج ليفياثان، وزيادة الصادرات. ومن ثم فإن هذه الخطط تم تجميدها حاليا مع اتساع نطاق العمليات العسكرية الإيرانية ضد إسرائيل، واحتمال ضرب حقول الغاز الإسرائيلية انتقاما من هجماتها على البنية الأساسية للطاقة في إيران، التي تضمنت ضرب القطاع الإيراني من حقل غاز بارس في الخليج، وضرب مرافق النفط والطاقة في طهران وغيرها.

توقف مصفاة حيفا للنفط

تعرضت أسهم شركات الغاز الإسرائيلية المدرجة في بورصة تل أبيب التي تضررت مباشرة من الضربات الإيرانية لضغوط حادة أدت لانخفاض أسعار أسهمها في البورصة، ومنها شركة «نيوميد إنرجي»، وشركة «راشيو إنرجيز» التي تمتلك كل منها حصصا في شركة ليفياثان، وكذلك شركة إنرجيان التي تدير حقل «كاريش» البحري القريب من الحدود اللبنانية. وجدير بالذكر أن الحكومة الإسرائيلية قررت منذ بداية الحرب إغلاق حقل ليفياثان مؤقتا، ما أدى إلى تخفيض امدادات الغاز إلى كل من مصر والأردن. وإضافة إلى ذلك فإن أسهم شركة مصافي النفط الإسرائيلية تعرضت لضغوط شديدة في البورصة بعد الهجوم الصاروخي الإيراني على شمال إسرائيل في اليوم الثالث من الحرب. وقالت الشركة إنها تعرضت لأضرار في خط أنابيب نقل النفط التابع لها في مجمع خليج حيفا. لكنها أوضحت أنه حتى يوم 15 من الشهر الحالي كانت منشآت تكرير النفط لا تزال تعمل، بينما تم إغلاق بعض منشآت المصب، التي تقوم بعمليات إنتاج مواد الوقود المختلفة في المجمع مثل بنزين الطائرات أو السولار.
وأفادت مجموعة بازان للأوراق المالية أن الهجوم الإيراني الذي وقع يوم الاثنين الماضي تسبب في أضرار جسيمة بمنشآتها في حيفا، ما أسفر عن مقتل ثلاثة من موظفيها وإيقاف جميع العمليات في الموقع. وتضررت بشدة محطة توليد الطاقة التي تزود مجمع بازان الصناعي بالكهرباء والبخار. وجاء في بيان الشركة عن الخسائر أنه «نتيجةً للضربات التي تعرض لها مجمع بازان، لحقت أضرارٌ جسيمة بمحطة توليد الطاقة المسؤولة عن توليد جزء من البخار والكهرباء التي تستخدمها منشآت المجموعة. وفي الوقت الحالي، تم إيقاف جميع العمليات في المصفاة وفروعها في حيفا. وتعمل الشركة بالتنسيق مع شركة كهرباء إسرائيل، التي تحركت على الفور، على إعادة إمدادات الكهرباء المنتظمة إلى المجمع في أسرع وقت ممكن».

ارتفاع تكلفة الدين العام

بسبب الانفاق على الحرب في غزة ارتفع الدين العام لإسرائيل بنسبة 17.9 في العام الماضي بمقدار 202 مليار شيكل ليصل إلى 1.33 تريليون شيكل (380.8 مليار دولار)، وفقًا لتقرير الدين السنوي الصادر عن المحاسب العام لوزارة المالية يالي روتنبرغ. ويُعزى هذا الارتفاع إلى احتياجات تمويل الحرب التي استمرت خلال عام 2024. وبعد بداية الحرب على إيران قفزت تكلفة عقود مقايضة مخاطر الائتمان الإسرائيلية «CDS» بنسبة 14.5 في المئة في الأسبوع السابق للحرب (عندما كانت مخاوف الحرب قائمة بالفعل، ولكن لم يكن أحد يعلم متى أو إلى أي مدى). ولكن إذا اختفت إيران من خريطة التهديدات، فسوف تنخفض المخاطر لكن ليس إلى المستوى الذي كانت عليه قبل 7 أكتوبر (حوالي 50 نقطة أساس)، لأن تأثير خلافات الحكومة، والانقسام بشأن التعديلات القضائية الحكومة، بكل ما يترتب عليها من آثار سلبية على الجدارة الائتمانية، لن يزول. وجدير بالذكر أن ارتفاع نسبة مخاطر الائتمان يدفع تكلفة التمويل المحلي للارتفاع.
وطبقا للمؤشرات الأولية للحرب حتى الآن فإن تكلفة العدوان على إيران تفوق تكلفة حرب الإبادة في غزة بحوالي ثلاثة أمثال القيمة المالية. الحرب على غزة تتكلف حوالي مليار شيكل إسرائيلي (285.7 مليون دولار) يوميا حسب تقدير وزارة المالية، بينما العدوان على إيران يتكلف حوالي مليار دولار الأمريكي، بحساب التكلفة العسكرية المباشرة يوميا حسب تقدير العميد احتياط ريم أميناخ المستشارة المالية السابقة لرئيس أركان حرب القوات الإسرائيلية. وقالت أميناخ إن حرب إسرائيل على إيران تكلفها حوالي 2.75 مليار شيكل – أي ما يُقارب 725 مليون دولار أمريكي – يوميا من النفقات العسكرية المباشرة وحدها. وقالت إن تكلفة اليومين الأولين من القتال بلغت حوالي 5.5 مليار شيكل (1.45 مليار دولار أمريكي)، مُقسمة بالتساوي بين العمليات الهجومية والدفاعية. ويقدر بعض الخبراء نفقات تشغيل منظومات الدفاع الجوي فقط بما يتجاوز 250 مليون دولار يوميا. ولا يشمل تقدير ريم أميناخ الأضرار التي لحقت بالممتلكات المدنية والتداعيات الاقتصادية الأوسع. وبلغت التكلفة العسكرية فقط للضربة الإسرائيلية الأولى على إيران، حسب أميناخ، حوالي 2.25 مليار شيكل (593 مليون دولار)، وشملت ساعات الطيران والذخائر. أما المبلغ المتبقي، فقد خُصص لتغطية تكاليف التدابير الدفاعية مثل استخدام الصواريخ الاعتراضية وتعبئة الاحتياط. وأوضحت أميناخ، التي شغلت أيضا منصب رئيس قسم الميزانية بوزارة الدفاع والقسم الاقتصادي في جيش الدفاع الإسرائيلي: «هذه تكاليف عسكرية مباشرة فقط. أما التكاليف غير المباشرة – بما في ذلك تأثيرها على الناتج المحلي الإجمالي – فلا يمكن قياسها في هذه المرحلة». وتتضمن التكاليف غير المباشرة الفاقد في ساعات العمل بسبب اللجوء إلى المخابئ أثناء الهجمات الصاروخية الإيرانية، وتكاليف انقطاع التيار الكهربائي، والخسائر الناتجة عن إغلاق المطارات، وأهمها مطار بن غوريون، محطة الاتصال الجوي الرئيسية بين إسرائيل والعالم، وخسائر سقوط البنايات والمنشآت الاقتصادية، مثل تلك التي لحقت بمصفاة النفط الرئيسية في حيفا وخطوط الأنابيب والمنطقة الصناعية المحيطة بالميناء التي تعرضت للقصف في اليوم الثاني من الحرب. كما تتضمن الخسائر تكلفة إعادة البناء بعد انتهاء الحرب.
حددت وزارة المالية الإسرائيلية سقف العجز في ميزانية السنة المالية الحالية بما يعادل 4.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يُقارب 105 مليارات شيكل (27.6 مليار دولار).
وبينما تتضمن الميزانية احتياطيا للطوارئ، إلا أن معظمه قد استُنفِد بالفعل خلال حرب غزة. ولا يتضمن العجز المقدر للعام الحالي تكلفة العدوان على إيران، ما يعني أن الحكومة يتعين عليها إعادة تقدير مؤشرات السيناريو الرئيسي للميزانية السنوية. ومع استمرار العدوان على غزة فإن وزارة المالية اضطرت إلى مراجعة التوقعات الاقتصادية بالخفض عن المستويات المتوقعة في السيناريو الرئيسي. وعلى هذا الأساس فإن الوزارة خفضت توقعاتها للنمو للعام الحالي من 4.3 في المئة إلى 3.6 في المئة، وهو رقم يستند إلى افتراض انخفاض أعداد المجندين للاحتياط بدءًا من الربع الثالث من العام الحالي، وهو سيناريو يبدو الآن مستبعدا بشكل متزايد، لا سيما مع تكثيف الحكومة لعملياتها العسكرية في غزة، بتعبئة خمس فرق عسكرية كاملة للحرب هناك. ولا تزال هذه القوات في حاجة إلى مجندين جدد يصل عددهم إلى عشرة آلاف مجند تقريبا. ورغم أن المواجهة بين إسرائيل وإيران تعتمد على أسلحة الطيران والصواريخ والدفاع الجوي والحرب السيبرانية ولا تحتاج إلى كثافة عددية بشرية، فإن الإصابات التي ألحقتها الصواريخ الإيرانية بالمنشآت والبنية الأساسية أدت على زيادة الضغط على قوات الدفاع المدني وأفراد الإسعاف والرعاية الصحية، وهو ما قد يضع إسرائيل في ورطة بشرية بسبب النقص الكمي المتاح في أعداد المجندين والمتطوعين في الأنشطة غير العسكرية. كذلك فإن ارتفاع نفقات الحرب سيفرض على وزارة المالية زيادة الجباية الداخلية، وزيادة الاقتراض من الخارج. وتظهر متابعة قرارات وزارة المالية أنها لجأت في السنة الأخيرة إلى زيادة الرسوم والضرائب لغرض زيادة الإيرادات المحلية للميزانية العامة.
ورغم الإنخفاض المتوقع للنشاط الاقتصادي خلال السنة المالية، فإن الوزارة رفعت مؤخرا توقعاتها للإيرادات الضريبية، حيث رفعت قيمة الدخل المتوقع منها إلى 538.6 مليار شيكل، بزيادة قدرها 21.5 مليار شيكل (5.6 مليار دولار) عن التقدير السابق (517.1 مليار شيكل).
ونتيجة للخسائر المادية في ممتلكات الأفراد فمن المتوقع زيادة السحب من صندوق التعويضات التابع لمصلحة الضرائب الإسرائيلية، لتمكين السكان المتضررين من إصلاح مساكنهم أو إعادة بنائها. وقد بلغ صافي الصرف من صندوق التعويضات الذي يغطي أضرار الممتلكات المدنية حوالي 3 مليارات شيكل منذ بداية العام الحالي حتى نهاية الشهر الماضي. ويشير المسؤولون عن الصندوق حاليا أنه من المرجح أن تكون هناك حاجة إلى تمويل إضافي، نظرا للأضرار الجسيمة الناتجة ضربات الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية في مواقع متعددة. ويتم حساب موارد صندوق التعويضات ضمن بنود الدين العام، ويتم إدارتها ضمن مخصصات التكلفة الإجمالية للحرب.
وإضافة لكل ما سبق فإن هناك أيضا تكلفة الاحتلال العسكري في غزة. وإذا أصرت حكومة نتنياهو-سموتريتش على احتلال القطاع، ذلك أن تكلفة الاحتلال، ستحول دون أي تخفيض في ميزانيات الدفاع، وبالتالي، لن يتراجع عبء الدين ولا الفوائد، وسيظل النمو بطيئًا لأن إسرائيل، كاقتصاد صغير ستواجه عزلة دولية متزايدة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية