الناصرة-“القدس العربي”: هل تستطيع إسرائيل تفادي السقوط في دوامة انتخابات عامة ثالثة تكرر نتائج الجولتين السابقتين وتبقيها داخل ورطة التعادل بين قطبين متنافسين؟ ربما في اللحظة الأخيرة قبيل منتصف ليلة الأربعاء القريب الموعد النهائي للقيام بذلك. لكن مراقبين كثر يستبعدون ذلك وسبق أن قال وزير الأمن السابق أفيغدور ليبرمان إن إسرائيل تحتاج لعجيبة تنقذها من خيار الانتخابات الثالثة ووسط كل ذلك تتواصل عمليات التراشق وتبادل التهم بين رئيس الحكومة الانتقالية ورئيس حزب “الليكود” بنيامين نتنياهو وبين رئيس حزب “أزرق-أبيض” بيني غانتس. ورفض “أزرق-أبيض” مقترحا بأن يشغل نتنياهو رئاسة حكومة وحدة في الشهور الستة الأوائل يسلم السلطة في نهايتها لنائبه بيني غانتس لمدة عامين ليعود لاحقا لاستكمال حصته البالغة سنة ونصف العام. ولا شك أن قرار المستشار القضائي لحكومة الاحتلال بتقديم لائحة اتهام بالفساد ضد نتنياهو قد أثقلت على مساعي تشكيل حكومة وحدة في ظل وجود عدد كبير من الأحزاب الصغيرة في إطار حالة تعادل بين معسكر اليمين وبين معسكر الوسط اليسار المدعوم من القائمة العربية المشتركة. كذلك فإن “أزرق-أبيض” الذي سبق والتزم أمام الإسرائيليين بعدم مشاركة نتنياهو في أي حكومة بحال قدمت ضده لوائح اتهام يبدي أيضا عدم ثقة بنتنياهو، يرى بمقترح التقاسم مناورة من نتنياهو الذي يخطط لمفاجأة والإفلات من حكومة وحدة بطريقة ما. ويتفق عدد كبير من المراقبين الإسرائيليين أن نتنياهو معني بانتخابات ثالثة في محاولة ربما أخيرة للفوز بالحكم والإفلات من غلال المحاكمة وإن كل تحركاته الدبلوماسية لإحراز اتفاق “لا عداء” مع دول خليجية أو اتفاق تطبيع مع المغرب واتفاق دفاعي مع الولايات المتحدة أو اعتراف بضم الأغوار الفلسطينية تأتي كمحاولة لتوظيفها في الدعاية الانتخابية في انتخابات عامة وشيكة ستتم في آذار/مارس المقبل وفق تقديرات جهات كثيرة.
وبخلاف الانتخابات الماضية التي رفع فيها نتنياهو شعار “حكم اليمين في خطر” محاولا استدرار عطف جمهور اليمين فإنه يتجه هذه المرة لرفع شعار “أنا سأنتصر”. وأضاف قبيل مغادرته إلى لشبونة لملاقاة وزير الخارجية الأمريكي بومبيو مواصلا اتهام القطب المنافس: “يمكن لليبرمان تشكيل حكومة معنا، إنه قراره، أريد الوحدة ورغم الاقتراحات الشخصية المقدمة إلى “أزرق-أبيض” لكنهم لم يتحركوا مليمتراً، لكن إذا خضنا الانتخابات سننتصر عليها. قدمنا جميع أنواع المقترحات بما في ذلك طرق لضمان استمرار حكومة الوحدة، لكنهم ببساطة رفضوا، وهذا يتعارض مع المصالح الوطنية الكبيرة بسبب المصلحة الشخصية لأحد قادة “أزرق-أبيض” يائير لابيد، إنه أمرٌ مؤسف”.
أزمة ثقة
ونبه أنه إذا لم يكن من الممكن تشكيل حكومة وحدة، سوف تجرى انتخابات وسنفوز فيها، ولكني أبذل كل جهد ممكن لإمكانية تشكيل حكومة وحدة وما زلت منفتحًا لإجراء محادثات مع أي شخص يريد الاجتماع وآمل أن تؤتي ثمارها. في المقابل جدد غانتس هجومه على نتنياهو وقال إنه غير معني بحكومة وحدة وإن كل اتصالاته تهدف لإلصاق تهمة الانتخابات المتكررة والمتعبة التي يرفضها الإسرائيليون وتابع “بعدما غادرنا غرفة اللقاء بنتنياهو كانت وسائل إعلام منشغلة بتسريبات كاذبة من الاجتماع مع نتنياهو وهو مصدرها”. أزمة الثقة هذه تدفع عددا كبيرا جدا من المحللين المحليين للتوافق على أن إسرائيل ذاهبة لانتخابات ثالثة في غضون عام واحد رغم أن استطلاعات رأي متكررة في الأسابيع الأخيرة تظهر أنها ستنتج حالة تعادل جديدة.
وتقول المحللة السياسية الإسرائيلية البارزة سيما كدمون في مقال نشرته “يديعوت أحرونوت” أمس إن الأيام المتبقية حتى انتهاء التفويض الممنوح للكنيست الإسرائيلي من أجل تأليف حكومة جديدة لن تسفر عن أي شيء جديد وقد بات شبه مؤكد أن إسرائيل ذاهبة إلى جولة انتخابات ثالثة خلال أقل من سنة. وتابعت “قال لي ليبرمان أول أمس: انتهى كل شيء. خيار إقامة حكومة وحدة أو حكومة ضيقة يمينية لم يعد قائماً. بذلت كل ما في وسعي من أجل منع انتخابات ثالثة، لكن للأسف اتخذ كل من بنيامين نتنياهو وبني غانتس قراراً استراتيجياً ومن المستحيل ثنيهما عنه”.
وأدلى ليبرمان بهذه الأقوال بعد يوم واحد من قيام عضوي الكنيست عوديد فورير وحمد عمار من “إسرائيل بيتنا” بمناشدة رئيس الحزب التفكير في الانضمام إلى حكومة يمين ضيقة جرّاء فشل جميع خيارات تأليف حكومة وحدة بين حزبهما وحزب الليكود وتحالف “أزرق-أبيض”. ويمكن التقدير أن هذه المناشدة جاءت في إثر إصدار ليبرمان أوامر إلى عضوي الكنيست المذكورين بالقيام بها.
حكومة وحدة علمانية
كما يمكن التقدير أن ليبرمان أدرك أنه لن تؤلَّف حكومة وحدة علمانية بعد اجتماع آخر عُقد يوم الثلاثاء الفائت بين نتنياهو وغانتس، وانتهى بعد 45 دقيقة فقط من بدايته، من دون إحراز أي تقدم في مفاوضات تأليف حكومة وحدة وطنية. موضحة أنه عندما سألت ليبرمان لماذا لا يؤيد الانضمام إلى حكومة ضيقة، قال إن مثل هذه الحكومة من شأنها أن تعمق الانقسام والاستقطاب في صفوف الجمهور الإسرائيلي، وأن تتخذ قرارات درامية في المجالين الأمني والاقتصادي.
وحسب سيما كدمون لا بدّ من القول إن قرار ليبرمان يضع حداً ليس لاحتمال تأليف حكومة يمينية ضيقة فحسب، إنما أيضاً لاحتمال تأليف حكومة وحدة بين الليكود و”أزرق-أبيض” نظراً إلى حقيقة أن انضمام هذا التحالف الأخير إلى حكومة كهذه يمكن أن يهدّد الوحدة القائمة بين مركباته المتعددة. ولا شك في أن قرار ليبرمان هو بمثابة دعم قوي لموقف عضو الكنيست يائير لبيد رئيس حزب “يوجد مستقبل” الشريك في تحالف “أزرق-أبيض” الذي يشدّد على ضرورة عدم الجلوس في حكومة برئاسة نتنياهو ساعة واحدة. وتخلص للقول “الآن، بعد قرار ليبرمان يجب أن يحدث أمر درامي للغاية كي لا تجري جولة انتخابات أُخرى، مثل حرب أو سلام. ويبدو مؤكداً أنه لن يكون هناك سلام”.
صفقة من موقعه كرئيس للحكومة
وهناك من يقدر أن نتنياهو بحاجة لرئاسة حكومة لعدة شهور فحسب ويقول آفي تيومكين وآلون بنكاس، مستشار اقتصادي ومستشار سياسي سابق لأربعة وزراء خارجية وقنصل عام في نيويورك. يعلل رؤيته هذه بالقول إن بنيامين نتنياهو يسعى لصفقة، لذلك هو بحاجة إلى “بضعة أشهر” لإجراء مفاوضات من موقع رئيس حكومة، هذا هو الرصيد السائل الوحيد لديه ليبيعه، وهذه ضماناته، وهذا هو طوق نجاته”.
مرجحا أن يواصل نتنياهو تقمّص دور الضحية الدائمة في نظره، وسيواصل التصرف بهذه الطريقة وكأنه درايفوس الضابط الفرنسي اليهودي الذي اتهم بالخيانة. ويضيف “سيواصل الاعتقاد والزعم أن جريمة تاريخية ارتُكبت هنا، محاولة لإسقاط رئيس الحكومة، انقلاب واضح على الحكم قامت به النخب ضده. اليسار الخائن، النيابات العامة الفاسدة، وسائل الإعلام، رئيس الدولة، شهود دولة مشكوك فيهم، المفوض العام للشرطة، المستشار القانوني للحكومة، رؤساء الموساد والشاباك السابقين، باراك أوباما، جورج سوروس، من لا؟”. ويؤكد أن هذا لا يغير حقيقة أن نتنياهو يتوجه إلى صفقة ويقول إنه ليس لديه إمكان آخر وربما هذا لن ينجح، لكن لا شك في أنه يسعى إلى ذلك.