الدوحة ـ «القدس العربي»: تراهن سلطات الاحتلال الإسرائيلي على تجويع سكان غزة من أجل تنفيذ خططها لتهجير سكان القطاع، ودفعهم لترك أرضهم، تمهيداً للسيطرة على الأرض التي ظلت عصية على نفوذها، وحتى باستخدام القوة.
ووجد الوسطاء وتحديداً قطر أنفسهم في وضع يصعب معه العودة لمسار الدبلوماسية لإنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة، وتعطلت لغة الحوار، وأصبحت قاعات المفاوضات التي كانت تضم نقاشات غير مباشرة بين تل أبيب وعناصر المقاومة خاوية، في انتظار بادرة سلام من أركان حرب تل أبيب.
ويقف الوسطاء في حال عجز عن أي تحرك، طالما تواصل إسرائيل سياسة تجويع الفلسطينيين في قطاع غزة، وهذا تزامناً واستمرار آلة حربها في قصف المناطق التي تحصد أرواح المئات، وكثير منهم من الأطفال.
ويبحث الوسطاء وعلى رأسهم القطريون في الدوحة، سبل إيجاد حلول للمعضلة المتعلقة بحماية سكان غزة، سواء بسبب القصف المكثف، أو نتيجة لاستمرار سياسة التجويع ضد الفلسطينيين في القطاع المحاصر من قبل سلطات الاحتلال، وذلك بعد أن منعت مرة أخرى دخول المساعدات الإنسانية الضرورية في أوائل آذار/مارس الجاري.
وتكشف مصادر دبلوماسية في العاصمة القطرية الدوحة، أن اللجان الفنية التي تابعت مسار الوساطة وشاركت فيه، تحاول في الفترة الأخيرة، التنبيه إلى خطورة استمرار الوضع الحالي في غزة، وتحديداً مع انهيار كل قطاعات الحياة، وتهديم البنية التحتية، وغلق المعابر. وعلى مدى 17 شهراً من حربها المدمرة على قطاع غزة، استخدمت إسرائيل مراراً الغذاء والمساعدات الإنسانية الدولية كأداة للضغط الجماعي ضد الفلسطينيين. ويحاول الوسطاء التأكيد على ضرورة تحقيق انفراجة في موضوع إدخال المساعدات الإنسانية، وإن كان الأمر يصطدم بتعنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
ويؤكد العديد من المراقبين المتابعين لمسار الوساطة، أن مناورات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هي السبب الرئيسي والأول لاستمرار معاناة سكان غزة، مع تشديده على استكمال حرب الإبادة.
وبالرغم من كل محاولات سحب فتيل الأزمة من قبل الوسطاء، يمضي نتنياهو رفقة المتشددين من أعضاء حكومته نحو خط المواجهة، واستكمال الحرب على غزة. وحتى الآن لا يتحدث نتنياهو حسب مصادر عبرية، سوى عن خطط تجدد الحرب على قطاع غزة ومفاوضات صفقة التبادل. ولا يشغل باله أي صوت يغرد خارج معزوفة الحرب، ويصم آذانه عن كل الصرخات ومظاهرات الإسرائيليين أمام مقر الحكومة في القدس المحتلة المطالبة بوقف الحرب على قطاع غزة، وعقد صفقة تبادل.
ويتهم في تل أبيب والأراضي المحتلة الكثيرون نتنياهو والحكومة بتقويض الديمقراطية وعدم الاكتراث بالمحتجزين في غزة. وحذر زعيم «معسكر الدولة» بيني غانتس من أن إسرائيل على بعد خطوة من حرب أهلية. وكان رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت حذر هو الآخر من أن إسرائيل «في خطر» بسبب حالة الانقسام الداخلي، في حين أكد رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت أن إسرائيل «أقرب إلى حرب أهلية».
وفي هجوم جديد ضد نتنياهو، خاطبه رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» أفيغدور ليبرمان بقوله «لن تتمكن من الهرب وتحميل المسؤولية للآخرين، أنت رئيس حكومة التهرب من الخدمة العسكرية ورئيس حكومة 7 أكتوبر 2023».
بدوره، اتهم زعيم المعارضة يائير لبيد نتنياهو ببيع الإسرائيليين وسرقة أموال الطبقة الوسطى من أجل الإبقاء على ائتلافه الحكومي، ومن أجل طلاب المدارس الدينية.
مرونة حماس وانفتاحها لاتفاق التهدئة
يشير المتابعون للوساطة أن الطرف الأول والأخير المتهم بنسف الجهود الدبلوماسية هي إسرائيل، وتحديداً نتنياهو ووزراء حكومته المتشددين، بالرغم من محاولات واشنطن وتل أبيب إلصاق التهمة بحماس.
وتبرز المتابعات الدقيقة لمسار المفاوضات أن حركة حماس تعاملت بشكل إيجابي مع كل الدعوات، وأبدت مرونة في التوصل لحلول نهائية للحرب الإسرائيلية على غزة. ومؤخراً صرح القيادي في حماس، ورئيسها في غزة خليل الحية، أن الحركة تلقت مقترحات لوقف إطلاق النار وتعاملت معها بإيجابية. وحسب تأكيدات من الحركة فإن حماس، التزمت بكل ما يلزم من أجل إنجاح اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، لكن إسرائيل انقلبت على الاتفاق. وتصر حماس على وقف دائم لإطلاق النار وانسحاب قوات الاحتلال من القطاع ودخول المساعدات الإنسانية مقابل إطلاق سراح المتبقين من المحتجزين الإسرائيليين، وذلك وفقاً للمراحل الموضوعة لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ يوم 19 كانون الثاني/يناير الماضي، قبل أن تتنصل منه إسرائيل وتستأنف عدوانها على غزة.
وتواصلت «القدس العربي»، مع قيادات متابعة لمسار المفاوضات، وأكدت أن حماس تبدي كل مرونة متاحة، وتتعامل مع كل الدعوات التي تصلها من الوسطاء لإنهاء الحرب، وليست متعنتة بخصوص الطلبات، ومن بينها مسارات متوافق عليها لإطلاق سراح المحتجزين لديها، طالما يتم ذلك وفق خيارات إنهاء الحرب الإسرائيلية على القطاع المحاصر. وتتابع حماس بدقة تطورات الأحداث في غزة، على ضوء المخططات الجارية لإبعادها عن القطاع، وتأليب الجماهير عليها، والزعم أنها السبب في الوضع الذي آلت إليه غزة، مع محاولات أطراف تبييض صورة الاحتلال من المجازر المرتكبة في حق السكان.
وتتابع اللجنة الوزارية المكلفة من القمة العربية الإسلامية المشتركة غير العادية بشأن التطورات في قطاع غزة، التطورات الأخيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحديداً بعد انهيار وقف إطلاق النار في غزة وما أسفر عن ذلك من سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين جراء الغارات الجوية الأخيرة.
وتدين العديد من الأطراف الدولية استئناف الأعمال العدائية واستهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع التأكيد على ضرورة العودة الفورية إلى التنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن والمحتجزين. ويحاول الوسطاء العودة للاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ في 19 كانون الثاني/يناير 2025، والذي تم برعاية دولة قطر وجمهورية مصر العربية والولايات المتحدة الأمريكية، لكن لم يتم الوصول إلى تنفيذ المرحلة الثانية التي اصطدمت بشن تل أبيب الحرب مجدداً على غزة.
حرب تجويع
مع استمرار محاولات سلطات الاحتلال تعقيد الوضع في غزة، تتحرك منظمات أممية وتحذر من أن الجوع يلوح في الأفق مرة أخرى في قطاع غزة مع بدء نفاد مخزونات الغذاء لدى المنظمات، والتأكيد أن المساعدات الغذائية المتبقّية لا تكفي سوى للأسبوعين المقبلين فقط.
ومؤخراً أكد المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» فيليب لازاريني أن أي مساعدات إنسانية لم تدخل إلى غزة منذ أكثر من 3 أسابيع، مشدداً على أن هذه أطول فترة ظل فيها القطاع بدون أي إمدادات منذ بدء الحرب. وأضاف أن الآباء لا يستطيعون إيجاد طعام لأطفالهم والمرضى بلا دواء، بينما يتزايد الجوع ويلوح في الأفق خطر انتشار الأمراض ويستمر القصف الإسرائيلي. ووفق لازاريني، اضطُر أكثر من 140 ألف شخص للفرار بسبب أوامر الإخلاء التي أصدرها الجيش الإسرائيلي.
وتتواصل دعوات العاملين في المجالات الإنسانية لإسرائيل لرفع الحصار وإعادة فتح المعابر من أجل تدفق منتظم للمساعدات الإنسانية والإمدادات التجارية.
وتزامناً يحذّر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من أن المساعدات الغذائية المتبقّية له لا تكفي سوى أسبوعين في غزة، فيما عاد الجوع يهدد القطاع مع استئناف العمليات العسكرية الإسرائيلية فيه.
ويحذّر البرنامج من أنّ «مئات الآلاف من الناس في غزة معرضون مرة أخرى لخطر الجوع الشديد وسوء التغذية في ظل تقلص مخزون المساعدات الغذائية في القطاع وفيما تبقى الحدود مغلقة في وجه المساعدات الإنسانية»، حيث أنّ توسع النشاط العسكري في غزة يعطل ويعيق بشدة عمليات المساعدات الغذائية ويعرض حياة عمال الإغاثة للخطر كل يوم.
واتهمت مفوضية الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية إسرائيل برفض 40 طلباً للتنسيق من أصل 49 بين 18 و24 من آذار/مارس الجاري. وتعرقل إسرائيل مهام أساسية مثل جمع الإمدادات الضرورية أو تزويد المخابز بالوقود. هذا الوضع الكارثي في مجال التغذية، يضاف له وضع خطير في البنية التحتية الأساسية، وهو ما جعل 90 في المئة من سكان غزة بلا مياه صالحة للشرب. وتشير الأرقام التقريبية إلى أن أكثر من 90 في المئة من سكان غزة باتوا بلا مصادر للمياه النظيفة، في حين فقد نحو 1.87 مليون شخص مصادر الغذاء الأساسية بسبب توقف المساعدات. ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي ينص على دخول 15 ألف شاحنة مساعدات و1250 شاحنة وقود منذ بداية آذار/مارس الجاري، لم يلتزم الاحتلال بما وقع عليه، ومنع إدخال الخيام والكرفانات، ما أدى إلى ترك نحو 280 ألف أسرة (مليون إنسان) بلا مأوى.
وتزامناً والنشاط الدبلوماسي لدولة قطر، تنشط الجمعيات وشخصيات المجتمع في حملة موسعة لتقديم الدعم الإنساني لسكان غزة، وجمع التبرعات، وهي سنة سنوية تنظم في قطر.
ونجحت حملة خيرية في أكبر حدث من نوعه لجمع التبرعات، في قطر جمع نحو ربع مليار ريال (نحو 60 مليون دولار أمريكي)، عبر بث مباشر على تلفزيون قطر، استمر لمدة 3 ساعات.
وشهدت الحملة، التي نظمت تحت عنوان «ليلة 27» لإغاثة سوريا وغزة، بالتعاون بين الهلال الأحمر القطري وقطر الخيرية والمؤسسة القطرية للإعلام تفاعلاً كبيرا من أهل قطر، حيث تبرع فاعلو الخير بمبالغ كبيرة، كما تسابقت العديد من الشركات ومؤسسات القطاع الخاص بالتبرع بالملايين لزيادة حصيلة الحملة. وتأتي الحملة ضمن انخراط قطر في المسار الدبلوماسي، ومحاولة الوصول لحل ينهي الحرب الإسرائيلية على غزة. واستضاف تلفزيون قطر عدداً من الدعاة والمسؤولين والفاعلين في المجال الإنساني، استعرضوا حجم المأساة الكبيرة في كل من سوريا وغزة، وأكدوا على ضرورة دعم أشقائهم.