خاب أملي من المجتمع اليهودي في إسرائيل، إذ كيف يمكن لدولة عظمى، يقولون إنها الدولة الثامنة من حيث قوتها العسكرية في العالم، أن تثار أعصابها بسبب هرب السجناء الستة، ثم يعيش مواطنوها منذ بضعة أيام من لحظة استيقاظهم وحتى وقت نومهم على صدى هربهم أو إلقاء القبض عليهم! كيف يمكن الحفاظ على دولة عظمى تهدد كل جيرانها بجيشها المدمر، في حين أن قتل جندي واحد يخرج الناس عن أطوارهم! أين الثقة بالنفس، أين الأعصاب الحديدية؟
في الوقت الذي تدوي فيه دعوات الانتقام بقوة من المذياع حتى عندما يكون مغلقاً، أجد نفسي أدافع عن الجنرال افيف كوخافي الذي قال: “أيها الأصداء، مقابل الجندي الإسرائيلي الذي قتل، فإن مئات الغزيين قتلوا على الجدار”. وأريد أيضاً الدفاع عن مفتشة مصلحة السجون، كاتي بيري، التي قالت: “مقابل السجناء الستة الذين هربوا، هناك الآلاف الذين ما زالوا يقبعون في السجون”. وفي الموسم الحالي، بعد الهرب، سيضاف المزيد والمزيد من السجناء، وهكذا يساهم الفلسطينيون بدورهم في إضافة فرص عمل وخلق ساعات عمل إضافية (باهظة الثمن) للسجانين. ويجب عدم نسيان مخصصات التقاعد الباهظة التي تنتظرهم قريباً. ما الذي لم يفعله الفلسطينيون لتحسين وضع التشغيل لأبناء عمومتهم في إسرائيل – الأرض التي تفيض احتلالاً ووظائف؟
بهذه المناسبة، أريد أن أطمئن كاتب المقالات يسرائيل هرئيل، الذي يسأل بكلمات مشروخة من الألم: “هل يخطر ببال أحد أننا قادرون على التفجير، مثلهم، وقتل آلاف المدنيين وإصابة عشرات الآلاف؟”. نعم، يا هرئيل، يوجد أحد كهذا، وهو أنا. أجل يخطر ببالي، وليس هذا فقط، بل أقدم لك دلائل دامغة من كل الجبهات –لبنان وغزة والضفة– على قتل آلاف المدنيين وتدمير أحياء كاملة. ربما حان الوقت يا هرئيل، لأن توقف هذا التظاهر البغيض بالبراءة.
حتى الآن كبار رجال الإعلام في الدولة العظمى يخرجون عن أطوارهم. ها هو اتيلا شومبلفي، المحرر الكبير في الموقع المشهور “واي نت”، يدعو قوات الأمن ليصبحوا قتلة: “أطلقوا النار في وقت الفراغ، يا جنودنا. من الأفضل أن يكون إطلاق النار مباشرة نحو الجزء العلوي للجسم. بالتوفيق”. أما يوئال حسون، عضو الكنيست السابق، فعبر عن أسفه لأن السجناء الذين ألقي القبض عليهم لم يحاولوا القتال ومقاومة الاعتقال… “كنا سنرتاح منهم إلى الأبد”. وفي القناة 13، تساءل المحلل للشؤون العربية، تسفي يحزقيلي، بعد قتل الجندي على حدود غزة: “لماذا لم ترد إسرائيل؟”. ذات مرة، كتبت بأن هناك تعاطفاً لمراسل شؤون البندورة مع موضوع تغطيته أكثر مما يكنّ يحزقيلي للعرب. في الحقيقة، كيف لشخص يظهر مثل هذه النظرة للعرب أن يصف للمشاهدين المزاج السائد في أوساط الفلسطينيين؟ يحزقيلي يشبه النائب العام في نظام ديكتاتوري ويريد أن يوقع أقصى عقوبة على موكله.
المزاج السائد في دولة إسرائيل يشبه البندول الذي تعرض لانهيار عصبي؛ في لحظة ما، تبدو كل الإشارات والهمسات تتحدث عن العرب “الخونة” الذين يساعدون السجناء، وفي لحظة أخرى، في أعقاب شائعة عن وشاية، يصبح العرب أعزاء المؤسسة. هذا ما يريدونه هنا من المواطنين العرب، وهو “أن يكونوا شعباً واشياً في بلاده”.
لن يفهم مهندسو الرأي العام في إسرائيل ما يحدث للمواطنين العرب هنا، الذين يرون كيف يعاني أخوتهم في الضفة وفي غزة من رعب الإغلاق والاحتلال. هم لن يفهموا المواطنين العرب؛ لأنهم لا يفهمون الطبيعة الإنسانية التي تقف ضد الظلم، لا سيما ضد الظلم الذي يتعرض له الذين هم جزء لا يتجزأ منهم. ولن يفهموا أنهم ينغلقون في عالمهم وينشغلون بأحلامهم وألمهم وطموحاتهم، وليذهب الآخر للجحيم. لقد حان الوقت لتسمية المزاج السائد في إسرائيل بالمقولة القديمة في التوراة: “اللهم نفسي”.
لو كانت إسرائيل دولة صغيرة تدير حياتها بهدوء وتواضع لتفهمنا تأثرها بكل حدث استثنائي، ولكن بصفتها دولة عظمى ذات مشاعر زائدة وأعصاب ضعيفة، فكل أمر غير سليم قد يشكل خطراً كبيراً، ليس على الآخرين فحسب، بل على نفسها أيضاً.
بقلم: عودة بشارات
هآرتس 13/9/2021