تسير إسرائيل نحو تشكيل حكومة جديدة، تعتبر الأكثر تطرفا في تاريخها، حسب تحليلات وتصريحات دولية وعربية، لكن لا شيء في الأفق يشي بعدم قدرتها على تخطي هذه المرحلة، كما تخطتها في مرات سابقة عديدة بالرغم من الحديث المتكرر عن ضغوط أمريكية بالذات، تطالبها بارتداء معطف الاعتدال.
لا يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي المكلف بنيامين نتنياهو تحت ضغوط كبيرة في مساعيه لتشكيل حكومة جديدة عقب فوز اليمين المتشدد في الانتخابات العامة مطلع تشرين الثاني/نوفمبر الحالي.
وبالرغم من التحذيرات التي صدحت بها وسائل الإعلام العالمية، من مغبة ضم قطبي اليمين الاستيطاني المتطرف في إسرائيل، ايتمار بن غفير وبتسليئل سموتريتش، إلى هذه الحكومة، فإن المفاوضات الجارية حاليا لتشكيلها لا تعبأ بمثل هذه التحذيرات.
وإن تكن الأمور ما زالت تراوح مكانها في محاولات ثني سموتريتش عن تولي حقيبة وزارة الدفاع، وفي إقناع بن غفير بالتراجع قليلا عن تولي منصب مهم أيضا، فإن الآثار لا تدل على حدوث أزمة كبرى حتى الآن.
الأمر ليس بجديد على السياسة في إسرائيل، ولا على نتتياهو صاحب التاريخ الأطول في تولي منصب رئيس الحكومة فيها. وها هو يدخل مفاوضات تشكيل حكومته السادسة وقد تهيأ لها جيدا بعد ما كان دخل في مفاوضات سابقة أقنع فيها بن غفير و سموتريتش على خوض انتخابات بقائمة واحدة.
وعلى الأغلب لن يجد نتنياهو صعوبة كبيرة في اقناعهما بالتراجع عن مطالبهما بتولي حقائب مهمة في الحكومة الجديدة لاسيما حقيبة وزارة الدفاع التي تعني كثيرا للولايات المتحدة، الحليف الأكبر لإسرائيل.
ولا يبدو ان ثمة ضغوطا دولية جارية حاليا ويمكن ان تثقل كاهل نتنياهو وتعيق حركته في مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة، باستثناء تدخلات أمريكية في موضوع تولي سموتريتش حقيبة وزارة الدفاع.
وحتى اللحظة لم تصدر عن واشنطن أي تحذيرات مباشرة لإسرائيل حول هذا الموضوع باستثناء اللقاء الأخير الذي عقد بين السفير الأمريكي في إسرائيل توماس نايدز وبينامين نتنياهو، وهو لقاء لم يعلن عنه في حينه، ولكنه كما أكدت أكثر من وسيلة إعلام إسرائيلية خصص لتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة.
وحسب موقع صحيفة «واي نت» الإسرائيلي فإن السفير الأمريكي طلب من نتتياهو «دون ان يشير إلى أسماء بعينها» عدم تولي سموريتش حقيبة وزارة الدفاع. ونقل الموقع عن الخبير في العلاقات الإسرائيلية الأمريكية، ايتان جلبوع، قوله ان إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن «لديها موقف، وأنها بعثت بتحذيرات مسبقة حول النتائج التي يمكن أن تحملها مثل هذه التعيينات».
وتخشى إدارة الرئيس بايدن من ضغوط قد يمارسها أعضاء الحزب الديمقراطي في مجلس النواب حال تولي شخصية مثل سموتريتش حقيبة وزارة الدفاع، لاسيما وان عدد الديمقراطيين ارتفع من 6 إلى 11 عضوا في انتخابات التجديد النصفي الأخيرة في أمريكا.
وقد يكون مجلس النواب الأمريكي هو المكان الوحيد الخارجي المؤثر في تشكيلة الحكومة الإسرائيلية الجديدة، لاسيما وان إدارة بايدن الحالية لا ترغب بأي تشويشات على سياستها المحافظة في ملف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والمتمثلة في الإبقاء «ولو شكلا» على الحديث عن حل الدولتين.
لكن وجود أقطاب الاستيطان المتطرف، غفير وسموتريتش، في صدارة الحكومة الإسرائيلية الجديدة يشكل مصدر خطر على السياسة الأمريكية التي تحاول تجنب أي صدامات في هذا الشأن، لاسيما مع تغير كفة الغالبية في مجلس النواب الجديد لصالح الجمهوريين حلفاء نتنياهو في الولايات المتحدة الأمريكية.
ويبدو ان عروض نتنياهو الأخيرة على بن غفير وسموتريتش بتشريع بؤر استيطانية في الضفة الغربية، والسماح بعودة المستوطنين الى مستوطنات مخلاة، في مقابل تراجعهما عن تولي مناصب متقدمة في الحكومة، يمكن ان يفسد الحال بين إدارة بايدن ونتنياهو، ويؤثر على مسار تشكيل الحكومة الجديدة.
ويعتقد جلبوع ان مشاكل الإدارة الأمريكية ستتمحور مع حكومة نتنياهو المقلبة حول الوضع في الضفة الغربية، أكثر من كونها حول تولي المتطرفين مناصب حكومية رفيعة، وقال «أي أفعال سياسية تتعارض مع حل الدولتين، مثل التوسع الاستيطاني وتغييرات في تشريعات 2005 حول قانون فك الارتباط (بالضفة الغربية) أو تشريع بؤر استيطانية وعودة لمستوطنات مخلاة، ستكون بمثابة بطاقة حمراء».
وتختزل كلمات السفير الأمريكي نايدز حول تشكيل الحكومة الإسرائيلية موقف إدارة بايدن من مفاوضات تشكيل هذه الحكومة التي يجريها نتنياهو حاليا، إذ قال ان الإدارة الأمريكية «ستتعامل مع أي حكومة إسرائيلية منتخبة تشارك القيم الأمريكية».
والقيم الأمريكية التي يتحدث عنها نايدز هي المتعلقة بالموافقة على حل الدولتين، الذي ترفضه غالبية الكنيست الإسرائيلية الحالية التي ستفرز حكومة إسرائيل الجديدة.
وسواء تمكن أعضاء كنيست جدد أمثال المتطرفين بين غفير وسموتريتش من تولي مناصب متقدمة في حكومة إسرائيل الجديدة، أم لم ينجحوا، فإن إسرائيل الحالية لا تعتقد كثيرا بحل الدولتين، بل تعمل على جعله أثر منسيا.
ولا يبدو ان اليمين المتطرف في إسرائيل يأبه كثيرا لهذه المسألة وعبر السنوات الماضية التي تولى فيها نتنياهو الحكم في إسرائيل، تراجعت فرص تطبيق حل الدولتين إلى مستوى الصفر، ولم تتغير مواقف الإدارات المتتالية، من ديمقراطيين أو جمهوريين، كثيرا إزاء دعم وحماية إسرائيل.
بل إن اليمين في إسرائيل يعتقد ان إسرائيل هي المهمة للولايات المتحدة وليس العكس، وان الإدارات الأمريكية المختلفة تعتمد على إسرائيل.
وفي المقابل، حققت إسرائيل في عهد اليمين انجازات كبرى، لاسيما في اتفاقيات التطبيع التي عقدتها مع دول عربية مختلفة، وفي العلاقات الجديدة مع دول عربية وغير عربية. وكذلك حقق اقتصادها قفزات نوعية وأصبحت في مقدمة الدول الصناعية في العالم، خصوصا في مجال التكنولوجيا الحديثة.
كل ذلك يصب في مصلحة نتنياهو ومعه اليمين المتطرف الذي استطاع ان يهزم كتل اليسار والوسط وحتى اليمين الوسط في الانتخابات الأخيرة.
ربما سيؤثر وجود أشخاص مثل بن غفير، الوريث والمخلص لأفكار الحاخام المتطرف الراحل مئير كهانا، على العلاقة مع مؤسسات الضغط الكبرى في الولايات المتحدة بسبب أفكاره المتطرفة والتي تخدم من يتهمون إسرائيل بتحولها إلى دولة ابارتهايد، كما يقول جلبوع.
لكن مثل هذه الاحتمالات لم تشغل بال إسرائيل كثيرا في الماضي، ولا يبدو انها تشغلها هذه المرة أيضا لتتحول عن سياستها التي نسجتها دوما بعيدا عن أي ضغوطات وتدخلات وقد مر على الكنيست الإسرائيلي كثيرون من أمثال بن غفير وسموتريتش، بل اسوأ منهما وما زالت إسرائيل تسير بخطى ثابتة.