حققت إسرائيل هذا الأسبوع واحداً من أكبر الإنجازات السياسية في تاريخها: إعلان خاص من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاعتراف بسيادتها على هضبة الجولان. لا معنى لتناول جملة الترهات التي قيلت عندنا والتي حاولت بكل القوة التقليل من قيمة هذا الحدث، تقزيمه والمبالغة في آثاره السلبية. وقد سجلت الذروة في الادعاء بأن الأسد يكسب من الخطوة، كونهم الآن سيرحمونه وسينسون أنه قتل نحو نصف مليون من أبناء شعبه.
وبالفعل، يدور الحديث عن ورقة فقط مشكوك أن تسير دول أخرى في أعقاب الولايات المتحدة. ولكن الحديث يدور عن وثيقة ذات معان بالغة الأثر.
أولاً، فإنها تصب أطنانًا من الإسمنت المسلح على حقنا في الوجود في هضبة الجولان وعلى قانون ضم الجولان الذي أجازه بيغن في الكنيست في العام 1981. علينا أن نستغل الشرعية التي منحها الرئيس ترامب كي نضاعف سكان الجولان، نبني فيه مدينة جديدة. هذا هدف وطني يجب أن يقف أمام ناظري كل حكومة تقوم بعد الانتخابات.
لقد ألقت الولايات المتحدة إلى سلة القمامة الشعار طويل السنين «السلام مقابل الأرض»، والذي بسببه كان كل رؤساء وزرائنا منذ رابين ـ باستثناء اريك شارون ـ مستعدين للتنازل عن هضبة الجولان. التاريخ مليء بالمفارقة: التعديل الأخير للتنازل، في زمن اولمرت، كان أن سوريا ستنقطع عن إيران وتنضم إلى عائلة الغرب. والجائزة: الجلوس على بحيرة طبريا. أما الآن فسيادتنا في الجولان معترف بها من القوة العظمى الوحيدة في العالم، كجزء من الصراع لإخراج إيران من سوريا. هذا صراعنا، مثلما هو صراع أمريكا أيضاً. ذروة الصراع ستصل في شهر أيار، عندما ستفرض الولايات المتحدة عقوبات كاملة على تصدير النفط الإيراني.
إسرائيل ليست ذخراً استراتيجياً للولايات المتحدة فحسب؛ هي عملياً ذراعها الاستراتيجي والتكتيكي. هي الذراع الأمريكي في القسم الغربي من الشرق الأوسط. ميزتنا: لدى كل حلفاء الولايات المتحدة جنود أمريكيون، أما عندنا فهؤلاء لا يوجدون.
إن أمريكا ترامب تعلن لكل العالم بأنها تبقى عاملاً مؤثراً في الشرق الأوسط وهي لا تهجر أصدقائها بل العكس، هي تثيبهم. عندما أعلن ترامب قبل بضعة أشهر بأن الولايات المتحدة ستخرج جنودها من سوريا، خرج محللون في إسرائيل بإعلانات هستيرية بأن «أمريكا تطعن ظهر إسرائيل بالسكين». هراء وترهات.
يمنح الرئيس بالطبع هدية لنتنياهو قبل الانتخابات. ولكن هذه هدية لدولة إسرائيل وهي ستكون هدية لكل حكومة في إسرائيل. وهي ليست نتاج نزوة، بل وليدة علاقات استراتيجية واسعة: تفكك العالم العربي؛ وتفكك سوريا وعملية تصميم حدودها وصورتها المستقبلية؛ والسعي الإيراني للهيمنة في سوريا وعبرها في كل الهلال الخصيب في مواجهة تثبيت الوجود العسكري الروسي؛ والسياسة الحكيمة التي اتخذتها إسرائيل حين امتنعت عن التدخل في الحرب الأهلية وعرفت كيف لا تصبح عدواً للروس. وفوق ذلك: الولايات المتحدة كفت عن أن تكون متعلقة بالنفط العربي ـ وبالتالي كفت عن أن تكون قابلة للابتزاز. وهي لم تعد تدفع للعالم العربي الذي تفتت بـ «عملة إسرائيلية». العكس هو الصحيح: يمكنها أن تعطي الهدايا لإسرائيل.
عاموس غلبوع
معاريف 28/3/2019