طريقة الحروب هي التي تقود العمليات التاريخية والتي تصعب ملاحظتها عند حدوثها، لكن من الحيوي تشكيلها قدر الإمكان. هاكم بعض التشخيصات المتعلقة بالحرب حتى الآن والتوصيات التي تتعلق بتحركات إسرائيل.
نحن متفوقون عسكرياً و”محور المقاومة” في حالة دفاع. ومع ذلك، إسرائيل في مواجهة متعددة الساحات وعليها بلورة استراتيجية شاملة لـ “اليوم التالي”، تضع في أساسها أهدافاً سياسية تستغل الإنجازات العسكرية لتحسين مكانتها الإقليمية والدولية. في ظل غياب استراتيجية شاملة، بما في ذلك رؤية سياسية وآلية إنهاء، فإن إسرائيل قد تغرق في احتلال طويل المدى في غزة ولبنان.
حماس هي المسؤولة عن الكارثة الأثقل في تاريخ إسرائيل منذ 1948، وأيضاً عن الكارثة الفلسطينية. المذبحة أبعدت احتمالية تحقيق طموحات الفلسطينيين الوطنية لسنوات كثيرة، وحل الدولتين قد يكون الضحية الرئيسية لـ 7 أكتوبر، والحرب عززت توجهات شعبوية عنيفة ليس لها رؤية سياسية بعيدة المدى. ولكن ضم ملايين الفلسطينيين بدون عملية مرتبة من اتخاذ القرارات هو الخطر الوجودي الأخطر على إسرائيل. هو دمج بين تهديد خارجي وانقسام داخلي يهدد تماسك إسرائيل.
الرد الوحيد المحتمل هو الانفصال المدني، الذي يشمل ترسيم حدود إسرائيل المستقبلية. وفي موازاة ذلك، الحفاظ على حرية عمل للجيش الإسرائيلي في المنطقة كلها. وثمة احتمالية أخرى، وهي إقامة كونفدرالية بين الأردن والفلسطينيين، حيث تكون معظم الضفة الغربية المركب الفلسطيني في هذه الكونفدرالية. وثمة حاجة لفعل ذلك بشكل لا يهدد الأردن، لكن يجب عدم الطلب من إسرائيل تحمل مسؤولية حل القضية الفلسطينية، ويعفى منها الأردن ومصر، الشريكان في خلقها.
ثمة فرصة الآن لمعالجة النووي الإيراني من خلال الاتفاق مع الولايات المتحدة والدول الغربية، الذي أساسه فرض عقوبات شديدة ووضع تهديد عسكري على إيران مقابل امتناع إسرائيل عن العمل. بنظرة بعيدة المدى، من الأفضل وجود جبهة مناهضة لإيران بدلاً من ضرب محدود للمشروع النووي. لن تسمح إسرائيل لنفسها بأن تكون وحيدة أمام التهديد الإيراني، بل جزء من منظومة عسكرية إقليمية ضد إيران برئاسة الولايات المتحدة.
الحرب كشفت نقاط القوة والضعف في العلاقات مع الولايات المتحدة. فهي ساعدت وحتى دافعت عن إسرائيل بصورة غير مسبوقة، ونشرت قوات عسكرية كبيرة في المنطقة، وقدمت مساعدات عسكرية ضخمة، وتعاوناً استراتيجياً، لم تكن إسرائيل لتحلم بها من قبل، هذا إلى جانب الدعم الدبلوماسي. ولكن الحرب أثبتت مدى الاعتماد على الولايات المتحدة والحاجة لعمل في إطار إقليمي. الأخطر، أن إسرائيل أصبحت موضوعاً مسمماً في الولايات المتحدة، واضطر الرئيس الأمريكي إلى تأخير المساعدات.
من الضروري التوصل إلى انعطافة مع السعودية، والحفاظ على علاقات خاصة مع الولايات المتحدة. إن رفض إسرائيل لـ “حلم بايدن” (التطبيع بين السعودية وإسرائيل مقابل التقدم مع الفلسطينيين وانعطافة في العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة، بما في ذلك حلف دفاع والاتفاق على نووي مدني سعودي)، أخّر التطبيع، لكنه لم يفشله. على إسرائيل العودة وتبني مقاربة فوق حزبية تجاه الولايات المتحدة والحفاظ على علاقات ودية مع الحزبين هناك.
التقدم مع الفلسطينيين وحده سيمنع زيادة العزلة ونزع الشرعية عن إسرائيل وحتى فرض عقوبات عليها. القيود التي فرضتها بريطانيا وألمانيا على تصدير السلاح لإسرائيل، واعتراف إسبانيا وأيرلندا ودول أخرى بالدولة الفلسطينية، قد يتحول إلى طوفان لخطوات مناهضة لإسرائيل، بما في ذلك حظر رسمي للسلاح والتجارة. إسرائيل لن تتقدم وتزدهر في أجواء معادية شاملة.
هناك حاجة لفحص فرضيات أساسية في سياسة الأمن في إسرائيل ومركبات أساسية في نظرية الأمن الوطني. لقد أصبح واضحاً الحاجة إلى جيش وميزانية دفاع أكبر وإلى مقاربة أكثر هجومية. يجب إنشاء قوة برية ضاربة لأنها هي ما تحسم الحروب. يجب عدم التنازل عن الأمن الجاري، وعلى الدولة حماية مواطنيها في كل مكان.
التنازلات التي تبناها نتنياهو دليل على خداع النفس وتفضيل المصالح السياسية على المصالح الأمنية. ولكن من المهم فعل هذه الأمور بحذر وحكمة. ويجب عدم تكرار أخطاء صدمة حرب يوم الغفران، وفقدان عقد كامل في زيادة القوة بسرعة، التي لا يمكن للاقتصاد أن يتحملها، والجيش الإسرائيلي نفسه سيرغب في نهاية المطاف في تقليصها.
القدرة المدهشة على تعافي المجتمع الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر والاستعداد لتحمل عبء الاحتياط والمناعة المدنية، هي موارد ثروة وطنية حاسمة تعمل القيادة الحالية على تقويضها. السنة التي بدأت بكارثة وبتقدير “محور المقاومة” الذي يقول إنه يمكنه تحقيق هدف تدمير إسرائيل، انتهت بتوجهات متفائلة بفضل تصميم الجيش الإسرائيلي والمجتمع الإسرائيلي. و”المحور” الآن في ضائقة وفي حالة دفاع.
يئير غولان وتشاك فرايلخ
هآرتس 15/10/2024