إسرائيل في تسارع كبير نحو نظام فصل عنصري

خالد خليفة
حجم الخط
0

يبدو أن العمليات العدوانية التي يقوم بها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ضد العرب الفلسطينيين جاءت مباشرة بعد الأعياد الإسلامية، فالهجوم على غزة الذي استهدف المدنيين قبل شهرين، جاء مباشرة بعد عيد الفطر الأخير، وجاء العدوان الأخير على مخيم جنين في الثاني من تموز/يوليو 2023 أي بعد انتهاء عيد الأضحى المبارك. وكانت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية قد تداولت عن هذا العدوان على جنين قبل أشهر، حيث وافق نتنياهو على تنفيذه وأعطى الضوء الأخضر له بدون تحديد الوقت، حيث بدأت الأجهزة الأمنية والعسكرية تخطّط معالم هذا الهجوم، ويمكن القول إن نتنياهو حاول إعطاء الانطباع بأنه هو نفسه الذي يدير المعركة بدون الأخذ بعين الاعتبار شركاءه الآخرين كبن غفير وسموت ريتش، واستغل نتنياهو عزلته الدولية سياسيًا لتنفيذ مآربه ومخططاته وبدأ بهذا الهجوم الكاسح الذي شمل أكثر من ألف جندي بمعدات ووسائل قتالية ثقيلة، على مخيم لاجئين لا تصل مساحته إلى كيلومتر مربع واحد، هذا وتداولت وسائل إعلام وخبراء عسكريون قبل أشهر ما إذا كان باستطاعة الجيش احتلال الضفة الغربية ثانيةً وإخضاعها للسيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة، وقد وافق بعض الخبراء أن الجيش الإسرائيلي يستطيع إعادة احتلال كافة مساحات الضفة الغربية، لكن هناك خبراء آخرين اعترضوا على ذلك وقالوا إنه من الصعب أن يتمّ ذلك نظرًا إلى الطبيعة الديموغرافية وللمقاومة السُكّانية الشرسة للاحتلال التي يشنها الفلسطينيون ضد إسرائيل هناك، حيث قال هؤلاء إن الأوضاع السكانية ومقاومة الاحتلال قد تغيرت منذ الهجوم الأخير الإسرائيلي عام 2003 الذي شنّته ضمن عملية «السور الواقي» على جنين. وقام الجيش الإسرائيلي في العامين الأخيرين بالهجوم على جنين ومخيمها بشكل شبه يومي، وكل ذلك كان ليلًا وهناك مَن يعتبر إن هذا الهجوم اليومي كان ضمن إطار مساعدة الجيش، في إجراء التدريبات العسكرية لوحدات الجيش الإسرائيلي للتوغّل في مناطق سكانية مأهولة، وقد قُتل جرّاء ذلك المئات من الفلسطينيين في منطقة جنين وضواحيها، أما قيادة الجيش وبعد شنّ تلك العمليات فقد باتت تستبعد أن تقوم وحداتها باحتلال الضفة الغربية في حال اندلاع انتفاضة عارمة وواسعة النطاق هناك، حيث بدأ رويدًا رويدًا يفكر في انتهاج هجوم مباغت وعينيّ على مناطق محددة تشمل جنين، مخيمها وضواحيها.

اليمين الجديد غيبي وفاشي

وقد تأكدت نوايا الجيش الإسرائيلي في هذا الهجوم بعد صعود هذه الحكومة المتطرفة بقيادة نتنياهو وحلفائه الجدد، الذين ألغوا القانون الحائل دون الاستيطان الإسرائيلي في شمال الضفة الغربية وفي المنطقة المحاذية لجنين ونابلس، حيث بدأت هذه الحكومة بإعادة الاستيطان وتثبيته وبناء البؤر الاستيطانية الكثيرة هناك، ما أدخل الفلسطينيين إلى دائرة حالة نزيف وصراع مرير لا يتوقف أمام هذا الازدياد المفاجئ في عدد المستوطنين، وحرص الجيش الإسرائيلي على عدم تكبد الخسائر بالأرواح بل حاول استعمال النيران المفرطة الكثيفة والمستعربين من أجل إنجاح عمليات الاغتيال واسعة النطاق. وقد استطاع بعض الشيء إلى أن وقع أخيرًا فشل عسكري قبل نحو أسبوعين تعلّق بإصابة سبعة جنود وبتفجير سبع مدرعات إسرائيلية في أرض المخيم عند انسحابها ليلًا، وقد ضربت تلك الواقعة قيادة الجيش وهيبته بالصميم وأدت إلى التحضير لعملية انتقام واسعة النطاق ضد هذا المخيم. وهذا يفسّر لماذا بدأوا لأول مرة منذ عشرين عامًا باستعمال الطائرات العسكرية بعمليات اغتيال بعيدة المدى، وهذا يعتبر أمرًا منافيًا للقانون الدولي وكيفية إدارة الصراع في المناطق المحتلة حيث تقوم إسرائيل بسلخ أراضي الضفة الغربية، مصادرتها وإقامة المستوطنات بمحاذاة القرى والمدن الفلسطينية التي توضع وتُحدد في غيتوات صغيرة ومحاصرة. وقد قام أعضاء الحكومة من المتطرفين الجدد المتميزين بتوجهاتهم الفاشية والدينية الغيبية وبدفعهم نحو حسم الصراع بدلا من إدارته وبالضغط من أجل بناء العديد من المستوطنات هناك وجلب المزيد من المستوطنين المسلّحين. هذا الأمر الذي زاد في إمكانيات اندلاع الصراع الوشيك هناك، وقد تمّ هذا بالفعل في منطقة شمال الضفة ومنطقة حوارة، ترمسعيا، أم الصفا والمنطقة المحاذية لطول كرم وأريحا، بحيث وجدت هذه الحكومة أن الفرصة سانحة لبناء مشروعٍ استيطانيٍ كبير، يمكن أن يصل إلى 200.000 مستوطن في السنوات الثلاث المقبلة، الأمر الذي يخلّد حالة من الآبارتهايد بين التجمعين الإسرائيلي والفلسطيني في هذه المنطقة الحسّاسة في وسط الضفة الغربية.

نظام فصل عنصري متشكّل

وفي زيارةٍ للأمين العام السابق للأمم المتحدة الكوري بان كي مون ورئيسة وزراء أيرلندا السابقة ميري روبنسون، إلى الأراضي الفلسطينية بهدف دراسة ما يجري من تحوّلات بنيوية وجذرية هناك، أخذوا انطباعاتٍ علينا أخذها بعين الاعتبارات لما يجري من علاقة خطيرة بين الفلسطينيين وإسرائيل، حيث قال كي مون إن معاملة إسرائيل للفلسطينيين تعتبر نوعا من «الآبارتهايد» (نظام الفصل العنصري) مشيرًا إلى أن تل أبيب تبتعد عن آمال إقامة دولة فلسطينية بجوارها. وأضاف خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» انه خلال زيارته الاستكشافية التي تواصلت ثلاثة أيام في أواخر حزيران/يونيو 2023 وتزامنت مع التصعيد الدامي في الضفة الغربية، واجه واقعًا أكثر قتامة مما واجهه عندما ترأس الأمم المتحدة من 2007 إلى 2016. وأوضح أنه كان قد رأى مؤشرات على تجذّر نظام الآبارتهايد، من خلال التوسع في بناء المستوطنات في الضفة الغربية وفرض قيود أشد على الفلسطينيين.

قلق من فشل حل الدولتين

وتابع مون: «أعتقد أن الوضع زاد سوءًا، كما يقول الكثيرون، أن هذا ربما يمثّل آبارتهايد». وأشار إلى أنه يشعر بالقلق من الفشل الذريع لحلّ الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ولا يعي الجانب الإسرائيلي السياسي ما يحدث في الضفة الغربية، حيث أكد المحتجون على الإصلاحات القضائية تأييدهم الكامل للهجوم على غزة تمامًا كما أيدوا الهجوم العدواني على مخيم جنين ويتقاطع بذلك الموقفين في إسرائيل يمينا ويسارًا في تأييدهم لسياسة ما سماه بان كي مون وروبنسون بالآبارتهايد والفصل العنصري، الذي يحدث وبشكل متسارع بعض الشيء في الضفة الغربية، بحيث نجد أنفسنا أمام واقع سياسي من الصعب تغييره، لكن يمكن أن يتغيّر مرة واحدة، تماما كما تتغير السياسات في بعض دول العالم حيث تأتي فجائية كما كان في سوريا وأوكرانيا والسودان واثيوبيا وفي دول عديدة أخرى وهذا ما لا تعلمه القيادة الإسرائيلية وهناك من يرى أن القيادة الإسرائيلية تعرف لكنها تحرف لاعتبارات وحسابات متنوعة منها حسابات داخلية، وحزبية وشخصية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية