كان قرار محكمة العدل الدولية يوم الجمعة 26 كانون الثاني/يناير 2024 مخيبا للكثيرين، لأنه لم يدع صراحة لوقف إطلاق النار والحد من آلة الحرب الإسرائيلية وجرافاتها التي تحرث حقول غزة الطرية والخصبة وتخطط لإقامة منطقة عازلة، وسط دعوات المتطرفين في حكومة بنيامين نتنياهو لتوطين اليهود في غزة وطرد الفلسطينيين إلى جزيرة اصطناعية في البحر أو سيناء أو دفعهم بالقوة نحو أوروبا.
وتظل دلالات قرار المحكمة مهمة، فهذه أول مرة في تاريخ إفلات إسرائيل من العقاب، تقف متهمة في قفص الاتهام وتضطر للدفاع عن نفسها. ويظل ما نطقت به المحكمة محرجا لداعمي إسرائيل وخاصة الولايات المتحدة التي قالت إن الدبلوماسية عادت وبدأت قبل وقف القتل بالحديث عن «اليوم التالي» لتعثر أنه لا يوجد هناك يوما تاليا ولا حل الدولتين. بل وفرشت الأرض لإسرائيل كي تواصل عملياتها القتالية وقدمت لها كل ما تريد من سلاح وقنابل لم تستخدم في نزاعات سابقة. ومهما كانت الخيبة، فقد أثبت قرار المحكمة الدولية بأن هدف الحرب في غزة لم يكن أبدا لتفكيك جماعة مسلحة بل لمحو شعب. وأعادت قرارات المحكمة الاعتبار لمبادئ الحيادية وحكم القانون والأخلاقية وان الحصانة التي منحتها دول الغرب لإسرائيل في غزة كانت بمثابة: رخصة للقتل.
ومن هنا يبدو أهمية موقف جنوب أفريقيا، التي حاولت الحصول على تدابير من محكمة العدل الدولية في لاهاي للحد من أفعال إسرائيل في غزة ومنعها من ارتكاب جرائم إبادة جماعية هناك. وبفعلها هذا لم تحاكم بريتوريا تصرفات إسرائيل ضد الفلسطينيين بل ووضعت النظام الدولي الذي نشأ في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية في قفص الاتهام، وامتحنت بالضرورة سلطة وصلاحية المحكمة نفسها، فلم يحدث أن بحثت المحكمة حالة بهذه الأهمية وسط صراع دموي ومن النادر أن راهن الكثيرون على نتائجها. وبعبارات المحامية الإيرلندية بلينيا ني ريلاي التي انضمت إلى فريق جنوب أفريقيا فإن «المخاطر المحتومة للموت والضرر والدمار الذي يواجه الفلسطينيين في غزة اليوم والمخاطر اليومية خلال المرافعات، تبرر أي وجهة نظر، بل وبالتأكيد تجبر على تقديم التدابير المؤقتة. وربما قال الواحد إن سمعة القانون الدولي من ناحية قدرته واستعداده على ربط كل الشعوب وبمساواة هي على المحك».
ومن المثير كما يقول باتريك وينتور المحرر الدبلوماسي في صحيفة «الغارديان» (26/1/2024) إن المحكمة لم تتخل عما تعتقد أنها مسؤوليتها، فهي وإن لم تأمر بوقف إطلاق النار إلا أنها منحت أوامر حماية، بما فيها التوقف عن قتل الفلسطينيين في غزة وتجاوزت ما توقعه خبراء القانون الدولي منها. ومن هنا فالحكم يعتبر مدمرا لإسرائيل وغير مريح للساسة كوزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن الذي وصف مرافعة جنوب أفريقيا بأنها بدون قيمة، وما قاله وزير الخارجية البريطاني ديفيد كاميرون بأن على جنوب أفريقيا التوقف عن التجمع حول كلمات مثل الإبادة. وما توصلت إليه أعلى محكمة في العالم، قمة الأمم المتحدة، أن هناك مخاطر معقولة على حقوق الفلسطينيين التي يجب حمايتها من الإبادة وأنها عرضة للتهديد من أفعال إسرائيل. والمفارقة بأن هذه البدهية، ومفهوم «جريمة ضد الإنسانية» و«الإبادة» كانت من بنات أفكار أستاذ القانون اليهودي رفائيل ليمكين. فقد نشأت إسرائيل عام 1948 من فظائع الهولوكوست وقرون من الاضطهاد، وتقاطعت هويتها مع الهولوكوست مثلما تداخلت هوية جنوب أفريقيا مع الابارتيد. وبالطبع سيرفض الكثيرون في إسرائيل وأنصارها في الخارج القرار بأنه إشارة أخرى عن معاداة الأمم المتحدة للسامية. لكن إسرائيل تعرف الضرر الدبلوماسي، وحسب برقية دبلوماسية من وزارة الخارجية الإسرائيلية، وحصل عليها موقع «أكسيوس» قبل شهر، جاء فيها بأن الحالة «قد تترك تداعيات مهمة ليست محصورة في العالم القانوني بل في مجال العلاقات الثنائية الاقتصادية والتداعيات الأمنية». ويفهم خوف إسرائيل من القضية مما كشفت عنه صحيفة «نيويورك تايمز»(25/1/2024) عن كشف تل أبيب لوثائق سرية قدمتها إلى المحكمة لكي تثبت أن قادتها ومسؤوليها لم يدعوا أبدا للإبادة أو تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم.
واللافت أن رئيسة محكمة العدل الدولية الأمريكية جوان إي دونغو تلت الكثير من نقاط القضية المقدمة من جنوب أفريقيا في استعراضها لحيثيات القرار الذي توصل إليه قضاة المحكمة وما هو مطلوب من إسرائيل.
انتقائية أمريكا
كما وتضع المطالب من المحكمة حلفاء إسرائيل، وخاصة بريطانيا والولايات المتحدة أمام امتحان، فالقرارات ملزمة لكن لا يوجد لدى المحكمة آليات لتنفيذها سوى الضغوط من الدول، ولا ضغط أهم من الضغط الأمريكي. وطالما قللت الولايات المتحدة من أهمية محكمة العدل الدولية، ففي عام 1984 قالت سفيرة واشنطن في الأمم المتحدة جين كيركباتريك بأن قرارات محكمة العدل هي «شبه قانونية شبه قضائية وشبه سياسية تقبل الأمم بها وأحيانا لا تقبل». ولم يمنع هذا الولايات المتحدة وبريطانيا في السنوات الماضية من حث روسيا وميانمار على تنفيذ مطالب المحكمة الملزمة. وأنفقت الولايات المتحدة ملايين الدولارات من أجل تأمين مرشحتها المؤهلة جيدا البرفسورة سارة كليفلاند لكي تحصل على مقعد في محكمة العدل الدولية. وعندما صادق على ترشيحها قال الرئيس جو بايدن إن المحكمة «تظل من أهم المؤسسات الإنسانية للدفع من أجل السلام حول العالم» وسيكون من الصعب عليها متابعة دورها لو قررت واشنطن تجاهل قراراتها الأخيرة. وهذا لا يعني أن على الولايات المتحدة القبول بنتائجها، بل عليها واجب كموقع على ميثاق الإبادة الجماعية دعمها. وهو ما يعني أن عليها الضغط على إسرائيل البحث عن طرق للالتزام بأوامر المحكمة. ولو حاولت دول مثل الجزائر تنفيذ قرار المحكمة من خلال قرار بمجلس الأمن، فستلوح الولايات المتحدة بالفيتو المعهود وتبرر استخدامه بأن دولا أخرى مثل روسيا لم تلتزم بقرارات مماثلة. إلا أن واشنطن ستقدم لموسكو هدية مغلفة في حربها النفسية. وفي محاضرة مهمة قدمتها مديرة تشاتام هاوس في لندن برونين مادوكس حثث فيها الغرب على الاعتراف بضعفه أمام اتهام النفاق وأهمية هذا. وقالت إن الجدل حول ازدواجية المعايير يتم بهذه الطريقة: «يهتم الغرب بالديمقراطية ولكنه لا يهتم عندما يريد تنصيب قادة يجبهم في الدول الأخرى. ويحترم السيادة باستثناء عندما ينتهكها كما في العراق. ويدافع عن حق تقرير المصير في تايوان لكن ليس في كاتالونيا. ويدعم حقوق الإنسان، لكن ليس في الدول التي يحتاج لنفطها. ويدافع عن حقوق الإنسان باستثناء عندما تصبح صعبة كما في أفغانستان». وقالت مادوكس «تعطي الاتهامات، لو لم يتم الإجابة عليها، الدول التي تريد تقويض الغرب السلاح حتى لو كان نفاقها ساطعا مثل الشمس». وفي هذا السياق، فرفض قرارات محكمة العدل الدولية سيفاقم من المشكلة. ومع أن المحكمة لم تمنح جنوب أفريقيا طلبها العاجل وهو وقف إطلاق النار، مثلما منحته لأوكرانيا في عام 2022 لكنها أمرت الجيش الإسرائيلي التوقف عن ارتكاب أعمال تصنف في الميثاق، بما في ذلك قتل الفلسطينيين والتسبب بالضرر الجسدي والنفسي والتجويع. ويرى الدكتور هنري لوفات، أستاذ القانون في جامعة غلاسكو أن غياب وقف إطلاق النار مهم «فقد أبعدت إسرائيل منظور أمر وقف إطلاق النار. وبشكل عام، ستكون الأوامر المؤقتة ضمن نطاق النتائج غير الأسوأ المتوقعة بالنسبة للوفد الإسرائيلي، وربما إلى حد كبير ما كان متوقعا. إن الأمر باتخاذ جميع التدابير التي في حدود سلطتها لمنع ارتكاب جميع الأفعال التي تدخل في نطاق المادة الثانية، هو في الأساس إعادة صياغة للموقف القانوني الحالي. وبالمثل، فإن شرط تسهيل المساعدات كان متوقعا ولا يرقى إلى مستوى الآلية الدولية التي تتطلب التعاون الذي سعت إليه جنوب أفريقيا». وبالتأكيد ستجد إسرائيل طرقا لتفسير الأوامر والقول إنها قامت بعمل ما هو مطلوب. وهو ما بدا واضحا في تصريحات المتحدث باسم البيت الأبيض جون كيربي الذي قال إن كل الأوامر تقع ضمن ما طلبته الولايات المتحدة وأكدت عليه وخاصة تسهيل دخول المواد الإنسانية. وفي النهاية يظل يوم الجمعة، بالنسبة لعالم الجنوب انتصارا وسيتم تذكره لعقود قادمة. فقد حصل الفلسطينيون ومحنتهم على فرصة استماع مفتوح في المحكمة.
فضح النفاق
وبات على الذين قالوا في البداية إن على جنوب أفريقيا عدم التدخل في شؤون دول أخرى الخروج من الحفر التي حفروها لأنفسهم كما يقال، فالمحكمة الدولية التي ظلت حتى وقت قريب في الظل، حيث استمتعت محكمة جرائم الحرب الخاصة للبلقان والمحكمة الجنائية التي أصدرت مذكرة اعتقال ضد الرئيس فلاديمير بوتين باهتمام أكبر. ونادرا ما لفتت قرارات المحكمة «الملزمة» مثل حكمها على البوسنة وجدار الفصل العنصري عناوين الأخبار. وحقيقة أن قرارات المحكمة في حرب غزة مررت بالإجماع بواقع 16-1 و 15-2 وشارك في بعضها حتى القاضي الإسرائيلي المعين أهارون باراك ما يعطي صورة عن أهمية القرارات وأثرها المدمر على إسرائيل. ومن المهم أن المحكمة أكدت على وجود نية وتحريض على الإبادة، طبعا لم يكن من وظيفة المرافعة الأخيرة التأكد من ارتكاب إسرائيل جريمة الإبادة، فهذا يحتاج لسنين، لكن النية موجودة، وكان رد وزير الأمن الوطني الإسرائيلي إيتمار بن غفير على القرار بأنه «كوفية/شماغ لاهاي» تعبيرا على أنها متحيزة ضد إسرائيل. ومن ناحية نتنياهو فإن الهجوم كان وسيلته، فعندما انتقد أنطونيو غويتريش هجمات حماس وأنها لم تكن لتحدث من «فراغ» طالب ممثل إسرائيل في الأمم المتحدة باستقالته. وحدث نفس الشيء عندما أعلنت المحكمة الجنائية الدولية عن تحقيق في 2021 بحرب غزة، أعلن نتنياهو أن «دولة إسرائيل تتعرض للهجوم، وهذه ازدواجية معايير». وهي نفس اللغة التي استخدمها نتنياهو في الرد على قرار العدل الدولية، واللافت أنه ألقى خطابين بالإنكليزية وآخر بالعبرية تعليقا على التطور الجديد في لاهاي. ويرى ستيف كروشو في صحيفة «الغارديان» (26/1/2024) أن المشكلة في هجوم نتنياهو وتردد الدول الغربية هي أن ملايين الناس في العالم يرون ازدواجية المعايير والنفاق في كل سياق مختلف. ففي عام 2021 انتقد رئيس الوزراء السابق بوريس جونسون قرار الجنائية الدولية المتأخر للتحقيق في غزة ولأن هذه المحكمة الدولية ليست مخولة في التحقيق مع أصدقاء بريطانيا. وكان البيت الأبيض مصمما على منع أي انتقاد لإسرائيل كإصرار روسيا على منع أي قرار ضد سوريا في مجلس الأمن. ولم ينتظر المتحدث باسم البيت الأبيض قرار لاهاي واستبقه بالقول إن قضية جنوب أفريقيا لا تستحق الاهتمام. وعليه فموقف «اختر وخذ» من النفاق بمفهوم نتنياهو خطير على العدالة في كل مكان. وبسبب أفعال أو تقاعس حلفاء أوكرانيا، أصبحت ضحية النزاع بين الشمال والجنوب الذي يرى أنها قضية أوروبية وظل يدعم فلسطين. وتظل الانتقائية على المسرح الدولي صارخة، كما في دعم بريطانيا لدعوى غامبيا ضد ميانمار في قضية التطهير العرقي لمسلمي الروهينغا، لكنها رفضت دعم قضية غزة بل وهاجمتها. ومن هنا فقرار محكمة العدل الدولية هو بمثابة دعوة للغرب كي يبحث عن موقف متوازن في العدالة. وبنفس السياق قال مدير منظمة هيومان رايتس ووتش السابق، كينث روث في «الغارديان» (26/1/2024) إن الحكم في لاهاي هو رفض لحالة الإنكار الإسرائيلية وبالإجماع في لاهاي. وقال إن المواقف العامة من بعض القادة في إسرائيل هو الغضب ليس على الاتهام ولكن لتجرؤ المحكمة على اتهام دولة قامت على فكرة الإبادة وبعد تعرضها لهجوم من حماس، كل هذا ليس دفاعا في تهمة الإبادة، وبعيدا عن تاريخ إسرائيل وزعمها بالدفاع عن النفس، فإن الوسائل التي استخدمتها لقتال حماس تظل إبادية، وهو ما دفع المحكمة للتوصل إلى حاجة الفلسطينيين للحماية من الإبادة. ولاحظ روث أن المحكمة رفضت ملامح رئيسية في دفاع إسرائيل، مثل زعمها أن حماس استخدمت السكان كدروع بشرية. ووجدت المحكمة أن هذه الحقائق غير كافية لتبرير الخسائر الفادحة بين المدنيين أو إسقاط قنابل زنة الواحدة منها 2.000 رطل على مناطق ذات كثافة سكانية عالية. ويعتقد روث أن أقوى ملمح في قضية جنوب أفريقيا هو استشهادها بكلام قادة إسرائيل البارزين والذي يظهر نية الإبادة. ولم تقبل المحكمة محاولات الحكومة الإسرائيلية تبريرها بأن صدرت في لحظة غضب ولا الأدلة السرية التي قدمتها. فقد كانت تصريحات القادة واضحة، وخاصة كلام يواف غالانت، وزير الدفاع الذي وصف سكان غزة بالحيوانات البشرية. ولعل أهم خيبة في القرار هي توقفه عن الدعوة لوقف إطلاق النار، ويقول روث إن المحكمة متخصصة في نزاعات دول، وحماس لاعب غير دولة وهو ما منع المحكمة إصدار أمر بهذا الشأن. ويعتقد أن الأوامر ملزمة ولكن بدون آلية تنفيذية لها، وعلى الدول والهيئات الدولية الضغط على إسرائيل، وذكر محكمة الجنايات الدولية التي تأخر مدعيها العام كريم خان حتى الآن في التحرك.
ضمير بلد
وتنظر جنوب أفريقيا للدعوى التي قدمتها أمام محكمة العدل الدولية كصورة عن ضميرها الأخلاقي ومواصلة دعمها للقضية الفلسطينية. وكما ناقش شون جاكوبس في صحيفة «نيويورك تايمز» (26/1/2024) فإن جنوب أفريقيا حكومة وشعبا تعاملوا مع القضية بوازع الشعور الوطني. وكان الجو عشية المرافعات في لاهاي يذكر بأجواء عيد الميلاد. وجسدت كلمات فرنسيسكا البانيز المقررة الخاصة لفلسطين في الأمم المتحدة هذا الوضع في منشور عبر منصة إكس قالت فيه «مشاهدة النساء والرجال الأفارقة يقاتلون من أجل إنقاذ الإنسانية من الهجمات الوحشية التي دعمتها/وساعدتها معظم الدول الغربية ستظل أهم صورة تحدد زمننا، وهذا صناعة للتاريخ مهما حدث». ويرى جاكوبس أن جنوب أفريقيا التي حضرت في قاعة محكمة لاهاي هي صورة جنوب أفريقيا التي وضعت زمن الأبارتيد وراء ظهرها، وعبر وفدها عن جنوب أفريقيا المتعددة والديمقراطية، فأسماء المحامين، هاشم ونوغوكاتيوبي ودغارد ودو بليس تستحضر أمما وجماعات سكانية: الهنود الجنوب أفريقيين والخوصا والبيض الأفريكان المتحدثين بالإنكليزية. وعلى المقاعد بين القضاة كان هناك القاضي ديكغانغ موسينكي وقد سجن في جزيرة روبن، والتقى فيها وتعرف على نيلسون مانديلا وبعد نهاية الفصل العنصري عين كرئيس للمحكمة الدستورية، أعلى هيئة قضائية في البلاد. ومن هنا فالمحامون والقضاة هم تمثيل لبلد كانت هويته نتاجا لكفاح جماعي ورفضا للقومية العرقية عن الدم والتراب التي تخلت عنها جنوب أفريقيا عندما هزمت الأبارتيد القانوني والذي يذكرها دائما بممارسات إسرائيل ضد الفلسطينيين. وما فعلته جنوب أفريقيا هو متابعة المؤسسات الدولية وتحديها للتحرك بناء على مبادئها. وبهذا وضعت معيارا للمجتمع المدني الدولي، وما قاله هؤلاء المحامون من جنوب أفريقيا: عليك أن تعتاد على سماع صوتنا.
وقد حيا الفلسطينيون موقف جنوب أفريقيا وسط صمت الدول العربية و«المجتمع الدولي» على مذبحتهم اليومية، لكنهم لا يحتاجون إلى قرار محكمة لتأكيد معاناتهم وقتلهم وهم يقفون أمام المخابز وحاجة أكثر من 750.000 منهم للمساعدات العاجلة. وما يهم هو أن إسرائيل المتهمة بالأبارتيد صارت متهمة بالإبادة مما يدحض فكرة «الدولة الديمقراطية العادية» والتهمة الأخيرة هي المسمار الأخير في نعشها. وكالعادة فستتجاهل إسرائيل القرار الذي يلزمها الآن بتقديم تقرير بعد شهر عن الإجراءات التي اتخذتها، ولم يتخل نتنياهو عن عزمه على مواصلة الحرب وتقليل عدد سكان القطاع وجعل الحياة فيه غير ممكنة. فصور الجنود السادية وهم يفجرون أحياء الفلسطينيين ويرقصون فرحا هي ما سنتذكره كما سنتذكر أهم محاكمة في القرن الحادي والعشرين وضعت إسرائيل في قفص الاتهام.