إسرائيل ما زالت مصممة على احتلال وعي الفلسطينيين في المدرسة

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة-“القدس العربي”:منذ النكبة اعتبرت السلطات الإسرائيلية بقاء نحو 150 ألف فلسطيني في الوطن “خطأ” تاريخيا وتعاملت معهم كخطر أمني، ولم تتوقف هذه النظرة بعد انتهاء الحكم العسكري 1966 وحتى الآن لا تزال المعركة على وعيهم مستمرة من خلال محاولات ضبطهم وتدجينهم ثقافيا بموازاة محاولات السيطرة عليهم تارة بالاحتواء وأخرى بالاستعداء كما يؤكد عدد من الباحثين لـ “القدس العربي”. منذ عام 48 سارعت إسرائيل للتفرد بهم وقطع صلاتهم بثقافتهم الأم وامتدادهم القومي الحضاري مع شعبهم وأمتهم فارضة طوقا محكما. وشكل نظام الحكم العسكري الأداة الأولى لتحقيق غايتها أكثر من كونه منظومة تدابير أمنية حقيقية لأنهم لم يمثلوا خطرا فعليا. لكنها لم تكتف بعملية فصل اللحم عن العظم، وبقطع الروابط الفيزيائية بينهم وبين سائر أبناء شعبهم في الضفة وغزة والشتات، فسارعت لتطبيق مشروع غسيل دماغ ثقافي للتلاميذ العرب داخل أراضي 48 (92 في المئة منهم يتعلمون في المدارس الرسمية) واحتلال وعيهم تمهيدا لجعلهم فريسة سياسية وتحييدهم بالكامل عن قضية الشعب الفلسطيني والسعي للحيلولة دون تبلور هوية ثقافية وطنية تخدم الأهداف السياسية.

ويوضح الباحث دكتور مهند مصطفى مدير مركز “مدى الكرمل” في حيفا أن إسرائيل ومن أجل ذلك عدت أجهزة صارمة مثل الحكم العسكري (1948-1966) وجهاز التعليم والتربية وجهاز المخابرات اللذان تداخلا وتعاونا نحو الهدف المراد. وقال إنه تم بداية تصميم المناهج التعليمية بيد يهود من أصل شرقي وبمساعدة مربين عرب موالين للسياسات التربوية الإسرائيلية التي لا تزال الأفكار والروح الصهيونية مهيمنة عليها. لافتا لوجود مضامين كثيرة مترجمة عن العبرية علاوة على إجبار العرب على تعلم نصوص التوراة والتلمود والأدب العبري ضمن وحدات التوجيهي الإلزامية. ويقول إنه في الناحية البيروقراطية استبعد المعلمون “غير الصالحين” رغم كفاءاتهم المهنية وتم اختيار مربين ومعلمين ومفتشين وفق مقاييس يبلورها جهاز الأمن العام “الشاباك” لا تزال سارية المفعول حتى الآن رغم كل الاحتجاجات. يشار أنه في لواء الشمال تبلغ نسبة التلاميذ العرب اليوم حوالي 52 في المئة لكن وزارة التعليم الإسرائيلية ما زالت تحرص على بقاء مدير لواء الشمال فيها يهوديا. ويستذكر مصطفى كيف تم طيلة عقود نفي العشرات من المربين الوطنيين والشيوعيين الفلسطينيين في الداخل لمناطق بعيدة عن سكناهم لتجاوزهم حدود المطلوب منهم في عملهم اليومي، وأخضعت الوزارة ولا تزال جمهور المربين العرب لنظام مراقبة وقمع وترهيب من خلال نظام تفتيش يهتم باستبعاد كل ما من شأنه تنمية مشاعر وطنية وقومية في المدرسة العربية. يشار إلى أن الباحث الإسرائيلي هليل كوهن قد كشف في كتابه “العرب الطيبون” سياسة إشاعة الوشاية وترسيخ ثقافة الخوف في أوساط التعليم العربي.

وحتى بعد ما خففت الوزارة وطأة الضغط والمراقبة والملاحقة فإن التعليم العربي قد تجمد على ذاته وبات عالقا في عقدة الخوف إلى اليوم، فلا تستغل حتى المساحة الضّيقة المتاحة ويبقى على سبيل المثال إحياء ذكرى مذبحة كفر قاسم أو ذكرى يوم الأرض أو ذكرى النكبة كل عام خارج جدران المدارس وهكذا بالنسبة للمناسبات الثقافية كذكرى ميلاد أو وفاة المبدعين الفلسطينيين.

وأكدت الدراسات المتعاقبة أن المدرسة لا تزال تستخدم وسيلة للضبط والتحكم. ومن عوارض السياسات الرسمية المنافية للفطرة الإنسانية وللمواثيق الدولية إغفال إحياء كافة المناسبات والشخصيات الوطنية بهدف قتل الذاكرة الجماعية واستبدالها بالعدمية. وطالت عملية تجفيف المنابع الثقافية الأدب والثقافة العامة والسياسة والجغرافيا والتاريخ والمدنيات واللغة، كما يؤكد المؤرخ بروفيسور مصطفى كبها لـ “القدس العربي”. وضمن الحديث عن الهوية يقول أيضا إنه بعكس الرحلات الميدانية في المدرسة اليهودية التي تهدف إلى تعريف الإنسان – الطالب – على المكان بعد عبرنته وخلق العلاقة الوجدانية معه فإن الرحلات في المدارس العربية وبتوجيه من الأعلى تبقى بدون رسالة وللترفيه فقط ولتذويت الأسماء المهودة للأماكن. ويضيف محذرا “عندئذ تفقد الأماكن مسمياتها الأصلية على لسان الكثيرين وربما يسري شعور بالاغتراب تجاهها لدى أبناء الوطن الأصليين ولذا لابد من الالتفات سريعا لهذه الحالة الخطيرة”.

ويتوافق كبها مع ما يؤكده مهند مصطفى بأنه منذ اليوم الأول أنيطت مهمة وضع المناهج التعليمية والكتب التدريسية لرجال تربية وتعليم يهود شرقيين في الأساس ممن فرضوا مضامين تعليمية ورسائل بيداغوجية مصفاة من كل ما من شأنه تكوين وعي ثقافي وطني، وهي ترمي لخلق شخصية “العربي الإسرائيلي” التي تجسدت في شخصية “سعد أبو النحس المتشائل” في رواية “المتشائل” لأميل حبيبي.

مضامين الأدب

 

وفي مجال الأدب كما هو معروف لا يرمي الإبداع الأدبي لتحقيق متعة المطالعة وتوسيع المعرفة والمدارك وإثراء التجربة فحسب بل يسهم في بناء الذاكرة الجماعية والهوية الوطنيتين ولذلك غاب محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وإميل حبيبي وسميرة عزام وغسان كنفاني وسواهم ممن يدرس نتاجهم الأدبي في العالم العربي ويحرم منه التلميذ العربي في إسرائيل. ويوضح الأديب محمد علي طه في هذا السياق، أنه ربما تبقى القصيدة الإسرائيلية “في عيد استقلال بلادي غرد الطير الشادي” المحفورة في ذاكرتنا مثالا صارخا على ما جرى ويجري. ويشير إلى أنه في المقابل يلزم التلميذ العربي بتعلم العبرية وآدابها بما يوازي اللغة الأم فتراه على سبيل المثال متواصلا مع بيالك “إل هتسيبور” وشاي عغنون “معسيه هعيز” وسط قطيعة مع أدب شعبه هو.

ويضيف “من ناحية واحدة يتم تغييب الأدب الفلسطيني الحقيقي وفي أحيان معينة يوردون مقاطع مسيئة مثلا “في المكتبة” لإبراهيم طوقان التي كتبت في مطلع مسيرته أو تدرج له مواد محايدة ذات طابع إنساني تخلو من أي بعد وطني مثل قصيدة “ملائكة الرحمة” للصف السابع حول عمل الممرضات ودورهن:

“بيض الحمائم حسبهنه…..أنّى أردد سجعهنه

رمز السلامة والوداعة……منذ بدء الخلق هنه”

 

وهذا ينسحب على الشاعر الراحل راشد حسين أيضا الذي اختيرت له قصيدة “الغلة الحمراء” في رثاء تلاميذ قرية صندلة عام 1954.

وهكذا مع الكاتبة ابنة عكا سميرة عزام التي اختيرت قصتها القصيرة “سجادتنا الصغيرة” من بين عشرات القصص التي تروي قصة التهجير واللجوء والحنين للوطن مثلما يستدل من مراجعة النصوص وكأنها تركت مدينتها عكا لبيروت وبغداد في شمة هواء لا تهجيرا في احتلال 48. ويخلص طه للقول “في كل موضوع اللغة العربية فقد تم تفريغ النصوص من الشحنات التربوية المساهمة في بناء وعي وطني”.

التاريخ

بخلاف المدرسة اليهودية التي ينهل منها التلميذ الرواية الصهيونية التاريخية، تستبعد الرواية الفلسطينية بالكامل في المدرسة العربية وتستبدل بتلك الصهيونية عن اللاسامية والمحرقة. لذا تبقى مواضيع كثورة البراق والثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 والمجلس الإسلامي الأعلى والجمعية الإسلامية – المسيحية بمثابة طلاسم. كما تغيب كافة المواد المتعلقة بالمجتمع الفلسطيني في المدن والأرياف قبل النكبة وبإيقاع الحياة الثقافية واليومية فيها وكأن الطالب ولد من الحائط من هذه الناحية. وعن ذلك يقول كبها ساخرا كأن معدي المناهج التعليمية أرادوا للتلميذ العربي أن يكون يتيما ثقافيا وسياسيا وثقافيا أولا.

 ويوضح النائب سابقا وأستاذ التاريخ مسعود غنايم، أن حيز المساحة المخصصة للحرب العالمية على سبيل المثال يتسع في المنهاج ويتكرر في المراحل التعليمية الثلاث وسط تجاهل تام للتاريخ الفلسطيني. منبها إلى أن الرسائل التربوية في المدرسة تواظب على محاولة إقناع الطالب العربي بأن تاريخه بدأ مع قيام إسرائيل عام48 وذلك ضمن مشروع واسع لتحويل الإنسان فيه من فلسطيني إلى إسرائيلي عبر كبت وتهميش الهوية الوطنية وفرض هوية بديلة – إسرائيلية.

الجغرافيا

وتستبطن مواد الجغرافيا مساعي خفية لمحو التسميات العربية للمكان من ذهنية التلميذ العربي واستبدالها بتسميات عبرية تفضي لحالة اغتراب في أحسن الأحوال بينه وبين بلاده وبيئته وأوطانه: جولاني (مسكنة) هموفيل (الخلادية) واليركون (العوجا) الكيشون (المقطع) والتشيكبوست (السعادة) وأفيك (الكردانة)

وبيت شآن (بيسان) ووادي رفيفيم (وادي عسلوج وبير هداج) ورمات حوفاف (وادي النعم). وتتسع كتب الجغرافيا للشروح حول الكيبوتس والموشافيم على حساب القرى والمدن المهجرة وغير المعترف بها فتبقى هي الأخرى طي النسيان والتنكر.

الموطن والمدنيات

وضمن موضوعي المدنيات والموطن توظف مضامين كثيرة ومتنوعة تعرض فلسطينيي الداخل كمجموعة أقليات وحمائل وتنفي بشكل استباقي وماكر وجود أقلية قومية. في كتاب المدنيات “مسيرة نحو الديمقراطية في إسرائيل” جاء ما يلي (ص 56): “في أيامنا لا توجد دولة ثنائية القومية، في الدول المسماة دولا ثنائية القومية مثل كندا وبلجيكا لا يوجد هناك شعبان بل مجموعتان إثنيتان تشارك كل مجموعة في السلطة حسب نتائج الانتخابات العامة في البلاد”.

وفي ص95 في الكتاب ذاته درس خاص بالنشيد القومي “هتكفا” تتبعه أسئلة منها: ما هو التصرف المقبول عند سماع النشيد الوطني؟ ولك أن تتخيل الغاية “التربوية” المتوخاة بالسؤال الموجه للتلميذ من قبل من يعتبر أبا روحانيا – المعلم.

وتتردد كلمة الاستقلال مئات المرات فيما لا ترد “النكبة” ولو مرة واحدة، وكان السكان العرب بعد قيام الدولة ينقصهم التنظيم والقيادة نتيجة حرب 1948 (ص99).

وبشكل عام يلاحظ أن موضوع المدنيات يعلم بشكل موسع في المدرسة العربية بخلاف المدرسة اليهودية التي تركز على المواد الدينية والقومية.

الثقافة العامة

وينسحب مبدأ الطمس والضبط والأسرلة على مواد الثقافة العامة كلها بشكل أفقي وعامودي من الحضانة حتى الثاني عشر. وبخلاف التربية للقيم والتنشئة الوطنية التي تعرف بالمكان وبالرموز وتعتمد الأسطرة (من أسطورة) وتبجيل الرواد والمؤسسين، تواظب الوزارة على خلق شخصية ثقافية مشوهة وعدمية و”عربية -إسرائيلية”. بل شهدت السنوات الأخيرة مساعي لترسيخ القيم اليهودية والصهيونية كما تجلى في خطة “المئة مصطلح”. وهذا مناف بالطبع لحقهم الأساسي الذي كفلته المواثيق الدولية بأن تستخدم المجموعة جهاز التعليم لضمان غرس القيم الجماعية الخاصة بها ونقل التراث والثقافة للأجيال. ويمكن قطع الشك باليقين حول مرامي السلطات الإسرائيلية هنا بالإشارة لما جاء في أهداف التعليم الرسمي وفقا للتعديلات على قانون التعليم الرسمي (1953) للعام 2000: “تربية الناشئة على حب الإنسان وحب شعبه وبلاده وأن يكون مواطنا مخلصا لدولة إسرائيل يحترم والديه، عائلته، تراثه، لغته وهويته الثقافية وغرس المبادئ والقيم الواردة في إعلان استقلال إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية مع مراعاة احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية والتربية على التسامح”. هذا بالطبع لا ينسحب عمليا بما يتعلق بالتنشئة الوطنية على المدرسة العربية، بل أن مصممي السياسات التربوية تجاهلوا وجود نسبة كبيرة من التلاميذ العرب. وحتى الآن يعرف الجهاز في أراضي 48 بـ”إدارة التعليم للعرب” وليس “التعليم العربي”.

التصدي والمواجهة

ومع ذلك هناك مبادرات تشهدها السنوات الأخيرة للتصدي لمشاريع التغييب وتشويه الشخصية الثقافية لجيل بعد جيل عالجتها الفعاليات الأهلية والأحزاب الوطنية وإن كانت تبدو أحيانا معالجة لـ “عوارض المعضلة”. نجحت لجنة متابعة التعليم العربي في تشخيص المشكلة فيما أخفقت بكسر الطوق وتقديم البدائل بشكل كامل لكن رئيسها الجديد المربي دكتور شرف حسان يعد باستكمال خطة لتعميق التربية للهوية الوطنية بشتى السبل منها من خارج المدرسة. موضحا أن المفارقة أن تشديد إسرائيل على هويتها اليهودية وإغلاقها الأبواب دون المواطنة الحقيقية قد حال دون المزيد من الخراب والتصحر الثقافي في أراضي 48. يستدل من مراجعة الموجود والمفقود أنه وبخلاف مقولة “جيل منتصب القامة” لأستاذة علم الاجتماع بروفيسور خولة أبو بكر التي تؤكد فشل إسرائيل في تحقيق أهداف جهاز التعليم العربي من ناحية الهوية، هناك حاجة لجهود كبيرة لمواجهة الأسرلة والعدمية الوطنية ومجرد مثال على ذلك ما قاله أستاذ جامعي مرموق لنا إن 20 في المئة فقط من طلابه الجامعيين العرب عرفوا من هو خليل الوزير أبو جهاد. يشار إلى أن أبو بكر قالت في كتابها الصادر قبل 15 عاما “لم تنجح المساعي الرسمية الجبارة والمستديمة من أجل أسرلتهم وسلخهم عن آمال وآلام شعبهم وأمتهم بواسطة جهاز تعليم قدر له أن يسيطر عليهم ويشوه انتماءهم ويقطع فرعهم من الشجرة الفلسطينية، فما كان سائرا بالأمس لم يعد يسري اليوم لا سيما أن الأجيال الشابة مختلفة في توجهاتها عن جيلي النكبة والنكسة”. الأستاذ الجامعي المذكور يشكك في مدى صحة ذلك ويعتقد أن إسرائيل نجحت بقدر كبير في احتلال وعي الجيل الصاعد لحد خطير حتى وأن بدت صورتهم الظاهرة ملونة بالأسود والأبيض والأخضر والأحمر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية