سمير جبّور
على إثر إنطلاق موجات ألإحتجاجات والمظاهرات العربية، وعلى إثر إحتشاد الملايين الهادرة في الشوارع والساحات في تونس والقاهرة وليبيا والبحرين وسورية، تنادي بالتغيير والديموقراطية، إنطلقت وسائل الإعلام الإسرائيلية وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين تعبّر عن القلق وعدم اليقين بالنسبة إلى إحتمال حدوث تحوّلات سلبية متوقّعة في بيئة إسرائيل الإستراتيجية. وعندما أنزل زين العابدين وحسني مبارك عن عرشيهما، اخذ الإسرائيليون يتباكون على حليفيهما الوفيين، ولا سيما هذا الأخير ويتساءلون من سيحل مكانهما؟. ثم اخذت اللهجة الإسرائيلية تتغيّر عندما بدأت ‘الثورات العربية’ تخلع رداء وترتدي آخر. عندما تبيّن رويدا رويدا ان ما بدأ حراكا شعبيا وطنيا بدأ يقع فريسة لمشروعات عديدة تريد تحويله إلى صراعات طائفية وإثنية من أجل تفتيت العالم العربي.
ولعل بعض الإسرائيليين يراهنون على أن التطورات في العالم العربي لن تسير حسب ما تطلّع اليه شباب الأمة العربية في بداية إنطلاقتهم، بالتخلص من أنظمة مستبدة وقيام أنظمة وطنية علمانية تعتمد الديموقراطية الحقيقية ومجتمع المساواة بين جميع المواطنين دون اي تييز، وتضع إستراتيجية واحدة للتصدّي للمشروعات الصهيونية والإمبريالية. ألإسرائيليون يعتبرون ان ما يجري الآن هو تجيير هذه الصحوات الشعبية الى تشكل ما سمي بـ’الشرق ألوسط الجديد’ الذي وضع اسسه إدارة الرئيس بوش الإبن بهندسة الدوائر الصهيونية بقيادة بيرنارد ليفي.
يلاحظ أذن أن إسرائيل تراقب التطورات الجارية في العالم العربي وهي مطمئنة على بيئتها الإستراتيجية، مفترضة أن هذه التطورات لن تؤثر في مخططاتها ومشاريعها ألإحتلالية وألإحلالية، وأن الدول المحيطة بها تدخل في أنفاق مظلمة.. علاوة على ذلك، ربما يفترض ألإسرائيليون ان العالم العربي سيكون منهمكا بصراعات داخلية وخلافات بين أنظمة ينتمي كل واحد منها إلى قوى اقليمية كل لها اجندتها الخاصة ‘التركية والسعودية والقطرية وألإيرانية والغربية والصهيونية بالطبع. ولهذا ربما تعتقد إسرائيل بأن امامها مساحة واسعة للمضي في مخطط التهويد و,ألإستيطان وتفريغ فلسطين مما تبقّى من أهلها وتصفية القضية الفلسطينية.. إن افضل من عبّر عن طمأنينة إسرائيل على بيئتها الإستراتيجية غيورا أيلاند، لواء في الإحتياط وباحث مهم في ‘معهد دراسات الأمن القومي’ التابع لجامعة تل أبيب في دراسة مطوّلة نشرت باللغة العبرية على موقع المعهد الإلكتروني (يوم 8 آب/أغسطس 2011) حاولت تلخيصها على قدر المستطاع. وقد تناول الباحث التطورات الجارية في البلدان العربية المحيطة بإسرائيل (دول الطوق) (علاوة على البحرين) وتاثيرها على وضع إسرائيل الإستراتيجي. ولعل هذه الدراسة تعكس بعض ما تعتبره إسرائيل تغييرا قد يكون في مصلحتها. وليس انها تعكس بالضرورة مواقف المسؤولين ألإسرائيليين ونظرتهم إلى ألإنتفاضات الشعبية، ونما هي نمط واحد من الفكر الصهيوني. وفيما يلي بعض الإقتباسات من هذه الدراسة تاركا لوعي القراء التفريق بين الغث والثمين وبين الواقع والتمني:
مصريبدو أن ‘التغيير في مصرهو اقل مما كان متوقّعا عندما جرت المظاهرات الضخمة في ميدان التحرير.. ولم يحدث الشيْ الكثير’ بإستثناء سقوط مبارك. ‘الرأي العام المصري الذي دفع إلى التغيير، يريد ثلاثة أمور: الإنتقام من مبارك وعائلته، والتمتع بمزيد من الحرية وتحسين الوضع الإقتصادي’. وكان المجلس العسكري ‘سخيا’ بالسماح له بإلإنتقام، واعدا، دون إلتزام بالوفاء بوعده، ‘بمزيد من الحرية والديموقراطية الحقيقية’ ولكنه لم يعده بالأمر الثالث ‘تحسين الوضع الإقتصادي ‘. إن ‘الوضع الإقتصادي سيكون كما يبدو المشكلة الأساسية التي سيواجهها النظام القائم (او اي نظام سيخلفه). فالوضع الإقتصادي يعتمد على اربعة فروع مرتبطة بالعلاقات مع إسرائيل بصورة مباشرة او غير مباشرة: السياحة (وهذه تشمل سيناء)، تصدير الغاز، عائدات قناة السويس، والمساعدات الإقتصادية والعسكرية التي تمنحها الولايات المتحدة.
والنظام المصري لن يتخلّى عن هذه الموارد بسهولة وبالتالي فهو ‘لن يخاطر بإلغاء إتفاق السلام مع إسرائيل’، كما أنه لن يفرّط بإلغاء الدين البالغ مليار دلار، كما وعد أوباما، ولن يتخلّى عن المساعدات السنوية الأمريكية البالغة 1.3 مليار دولار. ونتيجة لذلك ‘تستطيع إسرائيل الإفتراض بأنه لن يحدث تغييرا جوهريا في العلاقات السياسية والإقتصادية بين الدولتين’. ثمة فرضية لازمت إسرائيل على مدى 32 عاما لا تزال قائمة وهي انه ‘لن تحدث اية مواجهة عسكرية مع مصر. وهذا ما أتاح لإسرائيل أن تخوض حربين في لبنان، وتنفذ عمليتين واسعتين في الأراضي الفلسطينية (‘السور الواقي’ في سنة 2000 و’الرصاص المسكوب’ سنة 2008) وهي تدرك أن مصر لن تقوم بأي رد عسكري’. علاوة على أن ميزانية الأمن بقيت على حالها منذ سنة 1974 وحتى سنة 2011′. وهذا هو ‘أحد العوامل الاساسية التي أتاحت ألإزدهار الإقتصادي في إسرائيل’. ففي المدى المنظور ‘لن يحدث تغيير إستراتيجي في مصر’ ولكن إذا تبيّن أن ‘ما حدث في مصر خلال الشهور الأخيرة يشكّل تغييرا إستراتيجيا’، فإن ذلك يتطلّب من إسرائيل أن تتفحص، بين امور أخرى، حجم ميزانية الأمن ومكوناتها. وهذا ألأمر يتعلّق أساسا بمتغيّرين أكثر كلفة في الميزانية حجم القوات القتالية… ومستوى مخزون الذخيرة وقطع الغيار والوقود… وإذا ما تقرر توسيع اساس ميزانية الأمن بدرجة كبيرة، فيمكن الإفتراض أن ذلك سيؤدي إلى تباطؤ نمو الإقتصاد الإسرائيلي’.’في تقديري، لا حاجة إلى إجراء تغيير كبير في الفرضيات الأساسية المتعلقة بمصر… حتى وإن تسّلم السلطة نظام متشدد لا يستبعد مواجهة عسكرية مع إسرائيل، فإن الوقت الذي ستحتاجه مصر من أجل ترجمة هذه المقاربة الجديدة إلى خلق تهديد فعلي، والعبْء الذي سيضطر نظام الحكم إلى الإضطلاع به (التخلي عن المساعدات الأمريكية) سيمنحان إسرائيل الوقت الكافي للتاهب كما ينبغي لمواجهة هذا التغيير’. سوريةثمة أربعة سيناريوهات لما سيؤول إليه الوضع في سورية ‘ولا شك في أن إسرائيل سوف تتأثر بكل واحد منها’.: السيناريو الأول: بقاء الأسد في الحكم لسنوات طويلة، ويرى البعض في إسرائيل أن هذا ‘أهون الشرين’. ويمكن الإفتراض أنه ‘لن يسعى إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل.. وسوف يتعزز إحتمال إستمرار الهدوء السائد على إمتداد حدود إسرائيل مع سورية’. السيناريو الثاني: سقوط نظام الأسد ‘ودخول سورية في فترة طويلة من عدم الإستقرار والصراعات الداخلية. وهذا الوضع سيضعف سورية، وفي الوقت نفسع فإنه سيزيد من نفوذ إيران في هذه الدولة ويعزز إحتمالات لجوء مجموعات مختلفة إلى القيام بأعمال إستفزازية ضد إسرائيل. وبحسب هذا السيناريو، فإن تهديد سورية العسكري ضد إسرائيل لن يتعزز بل حتى أنه سيتضاءل. ولكن الهدوء على إمتداد الحدود سيكون اقل إستقرارا وأمنا’. السيناريو الثالث: ‘يتسلم السلطة في سورية نظام سنّي ديني، وهذا سيتبنّى مواقف متشددة تجاه إسرائيل… ومن شأنه أن يفقد جزءا من دعم إيران… ومن شأنه أن يحاول إسترداد مرتفعات الجولان بالقوّة’. السيناريو الرابع: ‘يقوم في سورية نظام ديموقراطي إلى حد معين له توجه غربي واضح. ولا شك في أن مثل هذا الأمر هو بشرى سيئة لإيران، وأكثر من ذلك لحزب الله، ولكن هذا لا يعني بالضرورة الإستعداد الفوري لعقد إتفاق سلام مع إسرائيل. … ومثل هذا السيناريو سيشجع أوساطا دولية لتمارس ضغطا على إسرائيل وعلى النظام الجديد من أجل إجراء مفاوضات بشأن إتفاق سلام (وإعادة مرتفعات الجولان).’إن التطورات في سورية والسيناريوهات الأربعة المحتملة، لن تزيد من وضع دولة إسرائيل سوءا، لسبب بسيط وهو أن الفرضية ألأساسية القائمة (إحتمال نشوب حرب في أي وقت) هي خطيرة بما فيه الكفاية، واية تغييرات معيّنة محتملة من شأنها ان تكون لصالح (إسرائيل). لبنان’ سيتاثر لبنان بما يجري في سورية… ويبدو أن لحزب الله الآن أسبابا للقلق بكل ما يتعلق بالشرعية الداخلية للبنان’. وهذا الحزب يفقد شعبيته في العالم العربي طالما أنه ‘يتماثل مع سورية’. وبالتالي فإنه ‘سيمتنع عن المواجهة المباشرة مع إسرائيل في المستقبل المنظور’. وثمة سيناريو معكوس أنه سيتعرّض لضغط من قبل سورية من أجل ‘إستئناف الإستفزازات على حدود إسرائيل لبنان’ وهذا اقل إحتمالا. ولكن في حال إنهيار نظام الأسد ‘سوف يزداد الضغط على حزب الله، وهذا من شأنه أن يتيح لإسرائيل التوصل مع دولة لبنان إلى تسويات أمنية أكثر إستقرارا.’البحرين على الرغم من بعد المسافة بين إسرائيل والبحرين ‘ومع ذلك، فإن ما يجري فيها من شأنه أن ينعكس على إسرائيل، ولا سيما أنها تقع على الجانب ‘السعودي’ من الخليج’. فمن جهة هذه دولة موالية للغرب بصورة واضحة، وهي تستضيف احدى القواعد الأمريكية المهمة في الخليج. ومن جهة أخرى، فأن هذه الدولة ذات أكثرية شيعية مضطهدة من قبل الأقلية السنيّة الحاكمة في الدولة’. ولكن في حال قيام ‘نظام حكم شيعي موال لإيران، ستكون لذلك إنعكاسات إقليمية مهمّة… وكما ذكرنا ستكون إنعكاسات ذلك على إسرائيل غير مباشرة.
بيد أن إزدياد نفوذ إيران في البحرين، علاوة على العراق، من شأنه أن ينعكس على الإستقرار في الأردن…’الأردن’ في هذه الأثناء لا يزال الوضع في الأردن مستقرا… فالملوك، بمن فيهم ملك الأردن، يحافظون على الإستقرار بصورة مدهشة’. ولكن إذا ما تغيّّر النظام في الأردن، فهذا ‘سيجبر إسرائيل على تخصيص موارد هائلة لتحسين الجاهزية على إمتداد الحدود. وفي حال قيام ثورة ديموقراطية في الأردن، تاتي بالأكثرية الفلسطينية إلى السلطة، فهذا من شأنه أن يسلّط ضوءا جديدا على النزاع الإسرائيلي الفلسطيني مصحوبا بمقترحات جديدة لتسويته’. النزاع الإسرائيلي الفلسطيني’… ثمة تاثير ضئيل للأحداث الأخيرة في العالم العربي على هذا النزاع’. ولكن من شأن هذا الوضع أن يتغيّر للأفضل ‘إذا قامت ديموقراطيات حقيقية في منطقتنا، وإذا إختفى تهديد الهيمنة الإسلامية التي ستحل مكان الأنظمة المستبدة العلمانية، وإذا ضعف نفوذ إيران في المنطقة، وإذا أرادت الدول العربية ‘بالفعل’ حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. وإذا ما أتخذت مبادرة عربية جديدة تدعو إلى الإعتراف بإسرائيل… فمن المحتمل أن تتعزز في إسرائيل الأصوات التي ستؤيد مسارا يزيدنا قوة إستراتيجيا على الرغم من المخاطر التكتيكية التي تنتطوي عليه وإلى أن تحدث تطورات كهذه، فإن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني سيبقى مسألة مستقلة بحد ذاتها’. واخيرا يخلص الباحث ايلاند إلى إستنتاج أن ‘التغييرالذي يمكن الإشارة إليه هو إنحسار أهمية مصر وسورية، اللتين ستكونان وفق اي سيناريو منهمكتين في شؤونهما الداخلية، علاوة على إزدياد التاثير ألإقليمي لدول مثل تركيا والسعودية.’ كاتب فلسطيني مقيم في كندا