أيال زيسر
الحرب في غزة تقترب من نهايتها، وفي واقع الأمر انتهت، إذ إن الجيش الإسرائيلي لا يقاتل في الأشهر الأخيرة، بل يستخدم قوات محدودة لغرض أعمال حفظ النظام والأمن. وتتجه العيون اليوم شرقاً نحو إيران بتحفز وترقب نحو ما سيأتي – جولة موضعية لتبادل الضربات أم ربما رصاصة بدء لمعركة إقليمية شاملة؟
مهما يكن من أمر، بدأنا عصراً جديداً منذ 7 أكتوبر: حروب ومفاجآت استراتيجية. ولعله ليس جديداً؛ فهو واقع حياتنا كل الوقت؛ غير أننا فضلنا كالنعامة دفن رأسنا في الرمال وروينا لأنفسنا بأن عصر الحروب الكبرى انتهى لأنه لم تعد هناك قوة عسكرية في المجال المحيط بنا قادرة على مفاجأتنا ومهاجمتنا بسبب قوتنا العسكرية وتفوقنا التكنولوجي والاستخباري والعملياتي على جيراننا، وهو ما أوجب الاستنتاج: يمكن الاكتفاء بجيش صغير وذكي، ولا حاجة لتركيز الجهد على محاولة الإخطار بالحرب أو الاستعداد لها.
غير أن 7 أكتوبر أوقع علينا حرباً لم نشهدها منذ حرب الاستقلال. بلدات وأقاليم احتلها العدو ونحو 1200 مواطن ذبحوا في اليوم الأول من الحرب. لم نعرف أمراً كهذا في أي من الحروب التي خضناها ضد جيش نظامي، وكل هذا من جهة حماس، إذ وبمعجزة لم ينضم حزب الله إلى المعركة أيضاً.
لقد وقعت الحرب على نحو مفاجئ على كل من آمن بأن حماس جملة عصابات مهزوزة ولا رغبة لها إلا تثبيت حكمها في القطاع. لكن فوجئ أيضاً من آمن بل وروج بأن عصر الحروب والمفاجآت قد انتهى، ليس لنا فحسب بل في تاريخ البشرية كلها؛ ففي عصر العولمة والتقدم التكنولوجي، لم يعد لأحد مصلحة، خصوصاً اقتصادية، في المخاطرة بالخروج إلى حرب.
اجتياح روسيا لأوكرانيا قبل سنتين كان بمثابة ضوء تحذير لأولئك؛ فالهجوم الروسي كان مفاجأة واسعة لكل أجهزة الاستخبارات الغربية التي فشلت، رغم القدرات التكنولوجية المتطورة التي تحت تصرفها في توقع خطوات الجيش الروسي، بل وقبل ذلك قراءة المزاج مثلما في قراءة نوايا فلاديمير بوتين. وهكذا نشبت في قلب أوروبا حرب لم يتوقعها أحد، وأوقعت خراباً ودماراً على نطاق لم تشهد أوروبا مثيلاً له منذ الحرب العالمية الثانية.
لكن الموضوع ليس في التشريح الجنائي للهجوم الذي تعرضنا له في 7 أكتوبر، بل فيما ينتظرنا. حماس ضربت بلا شك ضربة شديدة، ومعظم قدراتها العسكرية أبيدت. قطاع غزة دمر تماماً، رسالة ودرس واضحان لكل من يستعد لمهاجمتنا.
لكن مخطئ من يعتقد أن الأمر سيمنع حماس أو حزب الله في المستقبل من العودة لتجربة حظهم. فالثمن الدموي الذي دفعناه ولا نزال ندفعه على أننا لم نمنع هجوم حماس قبل الأوان، واضح للجميع وبخاصة لأعدائنا. لذا ينشأ أمل في أوساطهم بأنهم إذا ما عادوا وجربوا حظهم في “7 أكتوبر” آخر، سيؤدي إلى انهيارنا. فهؤلاء الأعداء يقدسون ويمجدون الموت، ولم يقلقهم الدمار والخراب الذي يوقعونه على أبناء شعبهم. يتضح من كل هذا أن الحرب التي نخوضها بعد 7 أكتوبر، حتى لو انتهت بنصر حاسم كما تعدنا الحكومة (طوبى للمؤمنين…) لن تضمن أمننا في المستقبل، وحتى اتفاقات السلام والتطبيع مع السعودية والعالم العربي التي تعدنا بها الإدارة الأمريكية في اليوم التالي، لن تفعل هذا. هذه أمور ذات أهمية هائلة، لكن لا مفتاح فيها لضمان أمننا ووجودنا.
الحروب والمفاجآت سترافقنا لسنوات طويلة، لذا علينا أن نحتفظ بجيش كبير، جاهز ومستعد، يعتمد على نفسه وليس على الاستخبارات التي حكمها أن تفشل دوماً في توقع نوايا العدو.
إسرائيل اليوم 14/4/2024