إسرائيل: نتنياهو يتعثّر في تشكيل حكومته السادسة جراء الأزمة حول حقيبة الأمن

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: غداة الكشف عن نتائج انتخابات برلمان إسرائيل «الكنيست» الخامسة والعشرين كلّف رئيسها إسحق هرتسوغ، عضو الكنيست بنيامين نتنياهو، رئيس الليكود، بمهمة تأليف حكومته السادسة، فسارع هذا للقول إنه سينتهي من مهمته خلال أيام لكن تعثر في ذلك رغم خبرته وما زالت مفاوضاته مع شركائه عالقة. وتبرز الأزمة مع حزب الصهيونية الدينية برئاسة المستوطن المتطرف باتسلئيل سموتريتش حول حقيبة الأمن. وجاء قرار هرتسوغ هذا بعد أن أنهى سلسلة مشاورات أجراها مع ممثلي جميع الكتل البرلمانية الجديدة التي فازت بتمثيل في الكنيست الـ 25 في الانتخابات التي جرت يوم 1 تشرين الثاني/نوفمبر الحالي. وتبين في ختامها أن 64 عضو كنيست من مجموع 120 عضواً أوصوا بتكليف نتنياهو بهذه المهمة، وهم أعضاء الكنيست من الليكود وتحالف «الصهيونية الدينية»(حزب الصهيونية الدينية وحزب قوة يهودية) وحزبي اليهود الحريديم المتشددين دينياً شاس ويهدوت هتوراه. وطبقا لـ «قانون أساس: الحكومة» يمنح رئيس الدولة عضوَ الكنيست المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة (وهو صاحب الحظوظ الأوفر في تشكيل الحكومة غالباً) مهلة مدتها 28 يوما لإنجاز المهمة، قابلة للتمديد بـ 14 يوماً إضافية، إذا لم يفلح في نهايتها بتشكيل حكومة جديدة يمكن لرئيس الدولة أن يلقي المهمة على عضو كنيست آخر تتاح له المهلة الزمنية ذاتها من غير تمديد، فإن نجح كان به وإلا فيصار إلى إعادة الانتخابات من جديد. ومن غير المستبعد أن يضطر نتنياهو لاستغلال المهلة الزمنية الإضافية لكون الأزمة مع «الصهيونية الدينية» عميقة وشائكة.

ورغم عدم خدمته يوما واحدا في الجيش ويتهم بالتهرب منها يواصل سموتريتش الإصرار على تولي حقيبة الأمن مدعوما من حاخامات الصهيونية الدينية، وفي مقدمتهم الحاخام حاييم دروكمان. وهناك تقديرات بأنه لدى انتهاء مهلة نتنياهو لتشكيل حكومة، بعد 28 يوما من تكليفه، لن يستمر الحاخامات في دعم إصرار سموتريتش «ولن يسمحوا بتوجه إسرائيل إلى انتخابات أخرى». ونتنياهو يسعى لتشكيل حكومته السادسة بالتحالف فقط مع أحزاب اليمين المتشدد لأن هذه الأحزاب وافقت وتعهدت بتنفيذ تعديلات قانونية بهدف منع استمرار محاكمته بتهم فساد يمكن أن تؤدي في النهاية إلى سجنه. حتى ذلك يسعى نتنياهو إلى تليين موقف سموتريتش من خلال التشكيك بشخصية الأخير وبالإشارة لقلة تجربته. ونقلت وسائل إعلام عبرية عن مقربين من نتنياهو قوله إنه لن يمنح حقيبة الأمن لسموتريتش بأي حال من الأحوال ليس فقط بسبب موقف الإدارة الأمريكية وتهديدها بأنها لن تتعامل مع سموتريتش كوزير للأمن، ما يعني إلحاق ضرر بالعلاقات الإسرائيلية الأمريكية، بل لأنه واثق تماما أن وضع حقيبة الأمن بيد وزير غير مجرّب ومتطرف في فترة حساسة من شأنه أن يورّط إسرائيل في مخاطر حقيقية. وهذا ما يراه معظم الإسرائيليين، إذ كشف استطلاع القناة الإسرائيلية 12 أمس السبت أن 71 في المئة منهم يعارضون إسناد حقيبة الأمن لسموتريتش. وتتراوح التفسيرات لماذا يصمم سموتريتش على توليه حقيبة الأمن بين من يقول إنه نوع من جنون العظمة الذي يميّز شخصيته وبين من يعتقد أن ذلك يأتي ضمن لعبة «لي الأذرع» بين نتنياهو وسموتريتش الذي يريد الانتصار في أول مواجهة له لضمان قوته ونفوذ حزبه داخل الائتلاف الحاكم مستقبلا. اللافت أن نتنياهو الذي وجد نفسه عالقا بهذه الأزمة المربكة رغم كونه سياسيا محنكّا هو الذي كان قد أسبغ الشرعية على تحالف «الصهيونية الدينية « برئاسة سموتريتش وبن غفير ودعا بطريقة غير مباشرة للتصويت لهما في انتخابات 2021 كي يضمن عدم سقوطهما في الانتخابات وبالتالي فقدانه الأغلبية المرادة لتشكيل حكومة، وهكذا ما كان، فقد حاز هذا التحالف على ستة مقاعد في انتخابات الكنيست الرابعة والعشرين وسرعان ما خرج المارد من القمقم وحاز هذا التحالف في انتخابات الكنيست الخامسة والعشرين في مطلع الشهر الحالي على 14 مقعدا.
في هذه الأثناء اتفق نتنياهو مع رئيس حزب «عوتسما يهوديت» المستوطن المتطرف المدان بتهم جنائية وبتهمة الإرهاب في محكمة إسرائيلية إيتمار بن غفير على شرعنة البؤر الاستيطانية خلال 60 يوما بعد تشكيل الحكومة، وتضمين هذه التفاهمات في الاتفاقيات الائتلافية، وبات من شبه المؤكد أنه سيشغل حقيبة الأمن الداخلي. وهذا تجسيد بارز لوجهة حكومة الاحتلال المحتملة حيال الصراع مع الفلسطينيين فهي تنحو نحو تعميق الاستيطان والتهويد واستخدام القوة المفرطة ما دفع رئيس الشاباك قبل يومين للقاء نتنياهو وتحذيره من احتمال انهيار السلطة الفلسطينية في ظل ما يجري وسيجري بعد تشكيل الحكومة.

هل ينضم غانتس للحكومة؟

في السابق اعتاد نتنياهو على ضم أحزاب «يسار صهيوني» إلى حكوماته، كما فعل على سبيل المثال يوم عين رئيس حزب «العمل» الأسبق إيهود براك وزيرا للأمن، وذلك لصد ضغوط متوقعة من جانب واشنطن وعواصم غربية أخرى، وكذلك من أجل لجم خطط استيطانية كبيرة، ومخطّطات ضم مناطق من الضفة، كالتي يسعى إليها سموتريتش وبن غفير وقسم من قيادة الليكود ولذلك هناك من يتوقع أن يواجه نتنياهو أزمات داخل حكومته بعد تشكيلها أيضا. ومن المرجح أن يسارع نتنياهو بعد شهور وريثما ينتهي من تحقيق مهمته الأولى في تعديلات قضائية تنجيه من محاكمته، إلى تعديلات في حكومته من خلال ضم بعض أحزاب المعارضة لحكومته خاصة حزب «المعسكر الرسمي» برئاسة بيني غانتس الذي لا يعترف بزعامة زميله في المعارضة يائير لابيد ومن غير المستبعد أن يتركه لصالح نتنياهو. من جهته سيسعى نتنياهو بعد شهور كي لا يبقى أسيرا بيد أحد الأحزاب أو النواب أمثال سموتريتش وللإفلات من ضغوط غربية محتملة عليه لاسيما في ظل إضعاف الجهاز القضائي الذي راهنت عليه دول أوروبية في الماضي بكبح جماح القوى الاستيطانية واليمينية.
وهناك إشارات أمريكية صريحة على عدم ارتياحها من وجود أوساط فاشية في حكومة الاحتلال القادمة أولها جاء في إعلانها عن تشكيل لجنة تحقيق رسمية باغتيال الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة غداة الانتخابات للكنيست. كما أن السفير الأمريكي في القدس المحتلة توم نايتز التقى نتنياهو قبل أيام وأبلغه بضرورة اختيار الوزراء الجدد برجاحة عقل وحذر بدون أن يسميهم. ومن جهته أكد مكتب نتنياهو حقيقة اللقاء لكنه رفض التصديق على محتواه فيما رفضت السفارة الأمريكية التعقيب على النبأ. وسارع سموتريتش للرد على ذلك مكررا قوله إنه يرفض التدخلات الخارجية في شؤون إسرائيلية داخلية. وفي ظل الأزمة الراهنة حول حقيبة الأمن أعلن أمس إنه من المحتمل أن يسافر هذا الأسبوع للولايات المتحدة وهذا ضمن الضغوط التي يمارسها على نتنياهو وكأن لسان حاله يقول إنه ليس على عجلة من أمره مدركا رغبة نتنياهو بالانتهاء من تشكيل حكومته السادسة والانطلاق بها.

تطبيع جديد أو حرب جديدة؟

وطبقا لصحيفة «يديعوت أحرونوت» فإنه في حال وجود احتمال لمعاهدة سلام جديدة مع إسرائيل، أو في حال نشوب حرب، ستتزايد الضغوط على لابيد وغانتس من أجل الانضمام إلى الحكومة لتصبح حكومة وحدة. وينثر نتنياهو وعودا حول سلام مع السعودية «كغاية إستراتيجية مركزية» خلال ولاية حكومته الجديدة، لكن خلافا لاتفاقيات إبراهام، فإن الطريق نحو تطبيع مع السعودية لا تزال مقرونة بتنازلات للفلسطينيين، لن يوافق عليها سموتريتش وبن غفير. وترجح الصحيفة أن أزمات نتنياهو بدأت بتشكيل الحكومة داخل معسكره، وستستمر بين إسرائيل والعالم خلال ولايتها.
وتعتمد إسرائيل نظام الديمقراطية البرلمانية الذي لا ينتخب فيه المواطنون رئيس حكومتهم في انتخابات مباشرة (اعتمدت هذا النظام لفترة قصيرة جدا بين الأعوام 1996 و2001 حيث جرى خلالها اعتماد قانون الانتخاب المباشر لمنصب رئيس الحكومة) بل تتحدّد هوية رئيس الحكومة وفق موازين القوى الحزبية في الكنيست. ونظرا لأن أيا من الأحزاب لم يفز، لوحده، بأغلبية المقاعد في الكنيست في أية انتخابات في إسرائيل منذ تأسيسها، فليس في وسع نتائج الانتخابات أن تشكل مؤشرا دقيقا دائما إلى هوية رئيس الحكومة الجديد وتشكيلة حكومته.
ويضع القانون الإسرائيلي بين يدي رئيس الدولة صلاحية اختيار الشخص عضو الكنيست وتكليفه بمهمة تشكيل الحكومة الجديدة عقب الانتخابات البرلمانية، بعد أن يقدم رئيس لجنة الانتخابات المركزية إليه رسميا النتائج النهائية والرسمية للانتخابات. ولا يفعل رئيس الدولة هذا إلا بعد إجراء مشاورات مع جميع الكتل البرلمانية التي فازت بتمثيل في الكنيست الجديد الذي تم انتخابه. فخلال هذه المشاورات، يستكشف رئيس الدولة موقف الكتل المختلفة بخصوص المرشح الذي تراه كل منها الأنسب لتشكيل الحكومة الجديدة. وفي ختام هذه المشاورات، يكوّن رئيس الدولة رأيا بصدد عضو الكنيست صاحب الحظوظ الأكبر في النجاح في تشكيل حكومة جديدة، وهو الذي يقوم بإلقاء المهمة عليه. ويتمتع رئيس الدولة في هذا السياق بمساحة واسعة من حرية الرأي والتقييم، إذ ينص «قانون أساس: الحكومة» ببساطة ووضوح على أنه «من أجل تشكيل حكومة جديدة، يلقي رئيس الدولة، بعد التشاور مع ممثلي الكتل في الكنيست، مهمة تشكيل الحكومة على عضو في الكنيست أعلن موافقته وقبوله».

صاحب الحظ الأوفر

ويشير مركز «مدار» الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية أنه قد جرت العادة في إسرائيل على تكليف رئيس الدولة، غالبا، رئيس الكتلة الأكبر في الكنيست بمهمة تشكيل الحكومة الجديدة، أي الكتلة التي حصلت على العدد الأكبر من أعضاء الكنيست في الانتخابات. وعلى الرغم من أن العادة قد درجت على ذلك، إلا أن هذا ليس إلزاميا، في أي نص قانوني. ذلك أن المبدأ الموجّه في اعتبارات رئيس الدولة وقراره هنا هو الجواب عن السؤال التالي: مَن هو عضو الكنيست صاحب الحظوظ الأكبر والأوفر في تشكيل الحكومة الجديدة؟
ويقول أيضا إنه كما في إسرائيل، كذلك هي الحال في غالبية الدول التي تعتمد الديمقراطية البرلمانية، يتولى رئيس الدولة ـ وهو، في العادة هناك، رئيس أو ملك يشغل منصبا رمزيا لا تنفيذيا ـ صلاحية القرار بشأن هوية الشخص الذي ستناط به مهمة تشكيل حكومة جديدة. وهذا خلافا لنموذج آخر لنظام سياسي لا يتولى فيه رئيس الدولة صلاحية تعيين المكلف بتشكيل حكومة جديدة، بل يقر القانون، بصورة واضحة وصريحة، منح رئيس الحزب الأكبر (صاحب الكتلة الأكبر في البرلمان) الفرصة الأولى لتشكيل حكومة جديدة.
لافتا إلى أن القبول بالتكليف لا يشكل ضمانة لنجاح المكلّف في إنجاز مهمته، وخلال المهلة الزمنية المحددة. ففور تكليفه بالمهمة رسمياً، يشرع المكلف في إجراء «مفاوضات ائتلافية» مع الكتل المختلفة المرشحة للانضمام إلى الحكومة الجديدة، بغية بلورة وبناء ائتلاف حكومي يستند إلى أغلبية برلمانية من بين أعضاء الكنيست. وغالباً ما ينجح الشخص المكلف بإنجاز مهمته خلال المهلة الزمنية التي حددها له رئيس الدولة (كما يحددها القانون) برغم وجود حالات أخرى لم تكلل مساعي المكلفين بالنجاح، كما حدث بعد انتخابات نيسان/ابريل 2019. كذلك في العام 1990 وبعد سقوط حكومة إسحق شامير في تصويت نزع ثقة عنها في الكنيست، ألقى رئيس الدولة، حاييم هرتسوغ، على شمعون بيريس مهمة تشكيل حكومة جديدة. لكن المفاوضات الائتلافية التي أجراها بيريس منيت بالفشل وأخفق في مهمته هذه. وحيال ذلك، ألقى رئيس الدولة على شامير مهمة تشكيل الحكومة الجديدة، فأفلح هذا الأخير في تشكيل حكومة يمينية. وفي العام 2008 في أعقاب تقديم رئيس الحكومة، إيهود أولمرت، استقالته إلى رئيس الدولة، شمعون بيريس، ألقى الأخير على تسيبي ليفني (التي انتخبت آنذاك لخلافة أولمرت في رئاسة حزب كديما) مهمة تشكيل حكومة جديدة، غير أن المفاوضات الائتلافية التي أجرتها ليفني لم تبلغ النتيجة المرجوة وكان إخفاقها السبب المباشر في تبكير موعد الانتخابات للكنيست الـ 18.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية