كلما مرت الأيام منذ استخدم نطاق باب الرحمة كمسجد خامس في الحرم ـ رغم المعارضة الإسرائيلية ـ فإن الأزمة التي هي الأخطر على الحرم منذ «أزمة البوابات الإلكترونية» تبدو هي الأسوأ من ناحية إسرائيل. فالأيام الأخيرة قررت حقائق أخرى على الأرض، بل وتعزز الضغط على الأوقاف من جانب «القيادة المقدسية» والدعوات في الشارع الشرق مقدسي لتكرار أنماط الاحتجاج من تموز من السنة الماضية، ونقل الصلوات من المساجد داخل الحرم إلى مداخل الأبواب التي خارجه، كاحتجاج على إبعاد كبار رجالات الأوقاف عن النطاق المقدس. فضلاً عن ذلك، ففي الشبكات الاجتماعية تنتشر منذ الآن الدعوات لانتفاضة جديدة في شرقي القدس تسمى «هبة باب الرحمة».
وفي الميدان نفسه، الأمور صعبة جداً. عشرات كبار رجالات الأوقاف وحراس الأقصى، ممن كانوا مشاركين ظاهراً في اقتحام مجال باب الرحمة، تلقوا أوامر إبعاد عن الحرم. أما المكان نفسه فيرتدي رويداً رويداً صورة مسجد نشط. أبسطة أخرى أدخلت إليه، وباب إضافي من الجانب الجنوبي من النطاق، كان مغلقاً، فتح هو أيضاً.
بتجاهل الأردن طلباتها بإصدار الأوامر لإغلاق المكان
إن جهود إسرائيل حيال الأردن للعمل على إغلاق المكان باءت بالفشل. فالتفاهمات مع الأردنيين قبل أسبوعين عن الترميمات في المجال استخدمت على نحو سيئ من الأوقاف الأردنية. وعطل الأردن «الوضع الراهن» في الحرم والذي كان «يقدسه» في مناسبات كثيرة جداً في الماضي. صحيح أنه حذر من ألا يخلق أزمة دبلوماسية جديدة مع إسرائيل، ولكنه يتجاهل أيضاً على نحو ظاهر الطلبات الإسرائيلية لإصدار الأوامر لمجلس الأوقاف لإغلاق المكان، في إطار الحوار معها على مدى الأيام الأخيرة. ورغم المصلحة المشتركة لإسرائيل والأردن، للإبقاء على الحرم هائداً، يبدو أنه تغلب لدى الأردنيين مصلحة التعاون مع السلطة الفلسطينية وأبو مازن ضد «صفقة القرن»، التي من المتوقع أن تنشر بعد الانتخابات في البلاد. وكما سبق أن ذكر هنا في الماضي، يخشى الأردن من أن تسحب مكانته العليا الحالية كوصي على الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس.
إلى جانب ذلك، يلوح تغيير إيجابي في موقف شرطة إسرائيل في الأزمة الحالية، وهذا كامن في نظرة متوازنة أكثر إلى عموم الحرم، فالفتوى التي رفعت إلى وزير الأمن الداخلي جلعاد اردان، عن «أزمة باب الرحمة» تأخذ بالحسبان أخيراً بأن التسليم بـ «التغيير في الوضع الراهن» الذي أجراه المسلمون الآن ـ هكذا حسب تعريف الشرطة ـ سيجر أمزجة قاسية في أوساط القطاع اليهودي، بل وأحداث احتجاج مع احتمالات للتفجر. لمن اعتاد الصراخات المتواترة وأحادية الجانب حول الخطر الشديد المحدق من الرد العربي على كل «شهقة» يهودية في الحرم، ثمة في التحذيرات من الأمزجة القاسية في الجانب اليهودي نوع من التجديد المنعش والإيجابي.
نداف شرغاي
إسرائيل اليوم 6/3/2019