في كل وقت، من شأن تريزا ماي رئيسة الحكومة البريطانية، أن تذهب إلى قصر باكنغهام من أجل أن تطلب مصادقة الملكة على حل البرلمان والإعلان عن «انتخابات سريعة». وهذا ليس تقديراً هستيرياً: رئيسة الحكومة تجد صعوبة في إنهاء المفاوضات مع ممثلية الاتحاد الأوروبي على شروط انسحاب بريطانيا من الاتحاد. ماي كما هو معروف عارضت الانسحاب، ولكن نتائج الاستفتاء العام تلزم حكومتها أيضاً. ليس هناك أي ضمانة بأنه بعد الانتخابات السريعة ستعود تريزا ماي إلى شارع داونينغ 10، هناك إشارات تدل على أنه تتم حياكة تمرد في أوساط الشباب المحافظين بهدف تنحيتها.
هذا سيناريو مقلق بالنسبة لإسرائيل، ليس فقط لأن تريزا ماي هي سياسية «صهيونية»، تصرح بحميمية لصالح إسرائيل، بل أيضاً لأنها إذا خسرت في الانتخابات فسيتم تعيين جيرمي كوربن، رئيس حزب العمال، في رئاسة الحكومة في بريطانيا. أجل، السياسي اللاسامي الذي رفض التعريف المتشدد للاسامية كما هو مقبول على الغرب، من شأنه أن يصبح رئيس حكومة جلالة الملكة.
كوربن سبق له وأعلن أن الحكومة التي سيقف على رأسها إذا فاز في الانتخابات ستعترف بالدولة الفلسطينية. ممثلو مؤتمر حزب العمال الذي عقد مؤخراً ردوا بهتافات ولوحوا بمئات الأعلام الفلسطينية. القاعة كلها صبغت بألوان العلم. إذا تحقق هذا السيناريو حقاً فستواجه حكومة إسرائيل معضلة شديدة. ماذا سيكون شكل العلاقات بين حكومة كوربن وحكومة إسرائيل؟ هل سترفض إسرائيل أن تتحدث مع سياسي لاسامي الذي قد يقف على رأس حكومة بريطانيا؟
تل أبيب تصرفت بانتقائية مع حزب «الحرية» النمساوي المؤيد للنازية
في هذه الأيام بالتحديد برزت أمامها معضلة أخرى، وإن كانت أخف بكثير من المعضلة البريطانية، وهي انتخاب زاير ماسياس بولسونارو رئيساً للبرازيل. بولسونارو يوصف بأنه سياسي يميني متطرف، وهو معروف بتأييد إسرائيل وقد تعهد بنقل سفارة البرازيل إلى القدس. وسائل الإعلام لدينا تتعامل بنغمة معادية، وربما حتى بدرجة من الاستخفاف أو بسرور قليل مع الوجه الصديق الآخذ في التشكل مع القيادة الجديدة في البرازيل.
صحيح أن تصريحات الرئيس الجديد صيغت بلهجة قاسية وأحياناً متطرفة لا تناسب خطاب رجل سياسي مثقف، وهو أيضاً يظهر تأييداً ما للحكم الديكتاتوري ويتحدث بشوق إلى أيام النظام العسكري في البرازيل.
ولكن دولة إسرائيل لا يمكنها السماح لنفسها بتبريد العلاقات الجديدة مع البرازيل. والبرازيل ليست النمسا التي يحكمها تحالف فيه أحد الشركاء ممسوس بتأييده للنازية. ومحظور على الدبلوماسيين الإسرائيليين في فيينا ـ كنوع من الاحتجاج ـ إنشاء علاقة مع وزراء حزب «الحرية». وإزاء سيناريو قد يكون فيه كوربن رئيس الحكومة في بريطانيا، هل ستبرد إسرائيل علاقتها معها؟ وبريطانيا ليست النمسا أيضاً. هل يخطر في البال أن رئيس حكومة إسرائيل لن يلتقي مع سياسي في لندن إذا كان اسمه جيرمي كوربن. الإجابة واضحة. وهكذا لا يمكن لإسرائيل أن تسمح لنفسها بتبريد العلاقات التي ستنشأ مع الرئيس الجديد في البرازيل. إسرائيل أيضاً لا تستطيع أن تتصرف بسياسة يحكمها التطهر: لا في علاقتها مع البرازيل ولا حتى مع بريطانيا، أو استراليا أو هنغاريا.
يعقوب احمئير
معاريف 5/11/2018