وسط تحذيرات من فقدان السيطرة والتحكم
الناصرة-“القدس العربي”: ما تنفك إسرائيل على لسان قادتها السياسيين والعسكريين بالتهديد والوعيد للبنان وحزب الله بحال قام الأخير باختبار قوتها وهيبتها فيما تتواصل التعزيزات والحشود وأجواء التوتر في المناطق الحدودية، فهل يتكرر سيناريو 2006 وتنشب حرب لبنان الثالثة؟ يبدو أنه رغم التصريحات العالية وربما بسببها فإن كلا الطرفين غير معنيين بانزلاق التوتر نحو حرب واسعة في ظل مشاكل داخلية خانقة. من جهتها تبحث إسرائيل عن تحقيق أهداف تراها حيوية جدا دون حرب أهمها منع التموضع الإيراني في سوريا والحيلولة دون نقل أسلحة دقيقة ليد حزب الله في لبنان. لكن الطائرات الحربية الإسرائيلية وخلال القصف الأخير اخترقت الخط الأحمر الذي رسمه الأمين العام للحزب حسن نصر الله، خلال الصيف الماضي، عندما أعلن أن أي استهداف إسرائيلي لكوادر بشرية تابعة للحزب في سوريا، فضلًا عن لبنان، بطبيعة الحال، لن يقابل بصمت مجددًا، وأن دولة الاحتلال ستدفع ثمنًا له، فقد قتلت عنصرًا للحزب خلال هذه الغارة. وفيما رفعت إسرائيل جهوزية قواتها على الحدود الشمالية حاولت امتصاص غضب الحزب عبر طلب الوساطة الروسية، المحملة برسالة تتضمن نوعها من الاعتذار المبطن مفادها: “إسرائيل حرصت خلال الشهور الماضية أن تتجنب الكوادر العسكرية لحزب الله خلال غاراتها الجوية على سوريا، ومن ثم فإنه لا داعي للتصعيد هذه المرة”. وضمن التهديدات المبطنة نقلت صحيفة “معاريف” عن مصادر عليا في إسرائيل قولها إن جهاز المخابرات العسكرية الإسرائيلية يعرف أين مخبأ الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله. كذلك وفي محاولة لتّجنب المزيد من التصعيد مع حزب الله، يحرص الجيش الإسرائيلي على استعراض الكثير من “النار والكبريت” دون إيقاع إصابات في صفوف أي من الجانبين. وقد حوّل قائد جيش الاحتلال أفيف كوخافي، مصطلح “الفتك” أو “التدمير والحسم” إلى موضوع محوري خلال فترة ولايته. ويرى المحلل السياسي الإسرائيلي بن كاسبيت أن كوخافي يبذل جهودًا كبيرة لتحسين قدرات الجيش القتالية الفتاكة – قدرته على ضرب أكبر عدد ممكن من الأهداف في أقصر وقت – بفضل التفوق تكنولوجي حاسم من حيث القدرات الاستخباراتية والقوة الجوية و”النيران المضادة” الدقيقة. وأوضح الكاتب أن هدف كوخافي بسيط: إلحاق أكبر قدر من الأضرار الجسيمة والإصابات بالجانب الآخر، من خلال الوصول بالقدرة العسكرية للجيش الإسرائيلي إلى حدودها القصوى بهدف تقصير مدة الحرب القادمة بحال نشبت. وضمن تعلم دروس حرب لبنان الثانية التي أصيبت فيها هيبة وصورة إسرائيل يعتقد رئيس الأركان أنه إذا كانت الأضرار التي ستلحق بحزب الله في مواجهته القادمة مع الجيش الإسرائيلي غير محتملة منذ البداية، فإن زعيم الحزب وأمينه العام حسن نصر الله سيستنتج أنه لا جدوى من إطالة أمد المواجهة مع إسرائيل. وبعبارة أخرى: كلما ازداد الفتك، قل الوقت الذي سيستغرقه وقف القتال، وستنقذ إسرائيل نفسها من حرب طويلة الأمد مكلفة ودموية. وعلى غرار محللين إسرائيليين كثر يرى بن كاسبيت أن إسرائيل غير معنية بحرب مع حزب الله من قبل أزمة الكورونا وذلك نتيجة معادلة الردع المتبادل بينهما، فمقابل قوة الفتك الإسرائيلية المتوفرة أو المزعومة، يملك حزب الله قدرة استهداف كل بقعة في إسرائيل بعشرات آلاف الصواريخ الخطيرة. ومن هنا يتساءل بن كاسبيت عن عدم استخدام “القوة الفتاكة” لتدمير خلية من خمسة عناصر تسللت للسفوح الغربية من جبل الشيخ قبل أيام: كيف لكتيبة مشاة معززة – مدعومة بدبابة ميركافا وطائرة ومروحيات – أن تنتظر المتسللين لكنها تفشل في إصابة أي منهم من مسافة قصيرة نسبيًا، وبدلاً من ذلك تسمح لهم بالعودة والعبور إلى لبنان دون خدش؟ بعبارة أخرى: ماذا عن عقيدة “الفتك” الشهيرة التي يتبناها الجيش الإسرائيلي؟
وأشار إلى أن الجواب بسيط، فمن ضمن السيناريوهات التي وضُعت بعد نقاشات مستفيضة، صدرت تعليمات إلى الجيش الإسرائيلي بمحاولة إنهاء هذه الحادثة دون إيقاع إصابات في أي من الجانبين، وذلك لتجنب إطلاق سلسلة من ردود الفعل وردود الفعل المضادة من حزب الله وإسرائيل، والتي ربما تنتهي إلى إشعال حرب في أسوأ وقت يمكن تصوره لكل جانب. وهذه الأزمة يعيشها لبنان ويأخذها حزب الله برأي بن كاسبيت الذي يقول إن لبنان غارق في أزمة اقتصادية غير مسبوقة، فالغذاء شحيح، والسلطة محدودة، ونصر الله تحت الحصار السياسي، إذ يلام على جر لبنان إلى الحفرة التي يجد نفسه فيها الآن. ويتابع “الوضع في إسرائيل مشابه إلى حد ما، فبالرغم من توافر الكثير من الغذاء والكهرباء إلا أن مستويات البطالة ارتفعت جدًا خلال أسابيع قليلة، من صفر إلى أكثر من 20 في المئة، بالإضافة إلى تراجع شعبية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وبالتالي فإن آخر شيء يريده الآن هو الحرب”. في المقابل قالت مصادر سياسية بارزة في إسرائيل إن البعض في دائرة نتنياهو تراودهم فكرة استغلال الوضع الحالي لتوجيه ضربة استباقية قوية لحزب الله من شأنها أن تزيل – أو على الأقل تقلل – من تهديد صواريخ وقذائف حزب الله الدقيقة على إسرائيل. ووفقًا لهذه النظرية، فإن حقيقة كون الاقتصاد الإسرائيلي في أزمة والاقتصاد اللبناني على وشك الانهيار تجعل الظروف الحالية مثالية لتوجيه ضربة إسرائيلية استباقية. إضافة إلى حقيقة وجود رئيس داعم مثل دونالد ترامب لا يزال يشغل البيت الأبيض تشعل هذه الفكرة أكثر، تمامًا كما تفعل ظروف نتنياهو السياسية الشخصية ومأزقه مع منافسه/شريكه غانتس. ويتفق المحلل العسكري لموقع “واينت” رن بن يشاي مع بن كاسبيت باستبعاد هذا الخيار لعدة أسباب ومع ذلك يحذران من احتمال تورط الطرفين في حرب لا يريدانها وبرأيهما فإن الأشهر المقبلة يمكن أن تجر كلا الجانبين إلى فتك غير مسبوق لم يكن في نية أي من الطرفين في بداية هذا التوتر. ومع ذلك يوضح بن كاسبيت أن نتنياهو أبدى الكثير من الحذر بشأن المغامرات العسكرية رغم أنه لم يسبق أن وجد نفسه من قبل في مثل هذا الطريق المسدود والمحاصر على الإطلاق. ولكن كلما قل ما سيخسره نتنياهو، زاد قلق الآخرين حول ما سيتحملون خسارته في حال تصاعد الحدث واشتعلت المنطقة.