إسرائيل وحماس عن قيود القوة

حجم الخط
0

منذ حرب يوم الغفران، لم تكن دولة اسرائيل مطالبة أن تقاتل ايا من الجيوش العربية، ولهذا السبب فمنذ أربعين سنة وهي توجد في عصر آخر في نزاعها التاريخي مع العرب. وبفضل السلام مع مصر ليس للدول العربية خيار عسكري حقيقي ضد اسرائيل، وهي لا تشكل تهديدا وجوديا عليها مثلما كانت في الماضي البعيد. التهديد الوجودي المحتمل الهام الذي يحدق باسرائيل هو من جانب ايران غير العربية، والطريق الذي ستختاره اسرائيل لمواجهته لا يرتبط الا بشكل غير مباشر وجزئي فقط بمشاكلها الامنية مع جيرانها العرب. فضلا عن ذلك، فان اسرائيل لا تتصدى اليوم لقوة العرب بل بالذات للتعابير الصرفة عن ضعفهم الجماعي، والتي تنبع من أنه منذ اندلاع ثورات «الربيع العربي» توجد معظم الدول العربية في أزمة عميقة، بل ان بعضها على شفا التفكك. عمليا، لم يشهد سكان المنطقة مثل هذه الازمة منذ نشوء منظومة الدول العربية قبل مئة سنة.
فراغ الدولة يملأه لاعبون غير دول او شبه دول. والاعداء النشطون لاسرائيل يوجدون في كل جبهاتها، ولكن مهما كان ضررهم سيئا وخطرا شديدا، فانهم لا يشكلون تهديدا وجوديا. فقوة هؤلاء الاعداء العسكرية، مثل حماس في قطاع غزة، حماس وعناصر من فتح في الضفة الغربية، حزب الله في لبنان ومؤخرا ايضا جبهة النصرة في الجولان هي في نهاية المطاف محدودة بالنسبة لقوة اسرائيل.
اضافة الى ذلك، فرغم قيودهم آنفة الذكر، لا ينبغي الاستخفاف باهمية هؤلاء الخصوم، وذلك لان بوسعهم تهديد اسرائيل، حياة مواطنيها وسير الحياة فيها. ومع أن اسرائيل قادرة عليهم، ولكن مثلما ثبت في حملة «الجرف الصامد» مثلما في كل الحملات السابقة المشابهة لها، لا توجد انتصارات حاسمة في الحروب المحدودة وغير المتماثلة هذه. فعندما يتمترس العدو داخل سكانه المدنيين، لا يكون ممكنا الحاق الهزيمة به مثلما فعلت اسرائيل في الحرب التقليدية في الماضي، اي: بالمناورات واسعة النطاق في ميادين معارك مفتوحة وفي الغالب غير مأهولة. في الحرب غير المتماثلة من النوع الدارج اليوم يحتمل حسم، اذا كان على الاطلاق، غير أنه ينطوي على ثمن عال للجيش الاسرائيلي وثمن أعلى على الطرف الاخر، ولا سيما مواطنيه. هذا ثمن ليس المجتمع الاسرائيلي مستعدا لان يدفعه او حتى أن يلحقه بالعدو، «فقط» كي يزيل تهديدا ليس وجوديا.
مثلما اعترفت اسرائيل بقيود القوة في المواجهات مع الجيوش العربية النظامية واختارت مسار التسوية، هكذا تعترف اليوم ايضا بقيود القوة لديها في الحروب الدون تقليدية ضد عناصر شبه دولة، مثل حزب اله وحماس. ويخرج الاعتراف بقيود القوة عن السياق العسكري الضيق. كما يوجد اعتراف بقيود القوة المستخدمة بواسطة العقوبات الاقتصادية، عبر السيطرة على المعابر الى داخل قطاع غزة ومنه، والتي تستهدف المس بحماس، بنجاعة حكمها وبالرضى الجماهيري عنها. وأخيرا، الى جانب الجدوى المحدودة للعقوبات، بشكل عام، والاخلاقيات المشكوك بها لمثل هذه الخطوات وغيرها الرامية الى معاقبة عموم الجمهور، بشكل خاص، تبين أن هذه العقوبات لم تكن سوى سهم مرتد. فبين امور اخرى، هي التي ساهمت في دحر حماس الى الزاوية والى ضغط لا يطاق على الجمهور الغفير في غزة، مما أدى في نهاية المطاف الى اندلاع المعركة الاخيرة بقيادة حماس وبدعم جماهيري واسع «للمقاومة».
في حماس ايضا توجد مؤشرات على الاعتراف بقيود القوة. فالمعلومات التي تتدفق من غزة منذ وقف النار في نهاية آب مفعمة برسائل متضاربة ظاهرا. فمن جهة، تشير الاستطلاعات الى أن مكانة حماس في نظر السكان في غزة وفي الضفة الغربية تناطح السحاب في أعقاب «الانتصار» على اسرائيل. ففي الخمسين يوما من القتال صمدت حماس، اطلقت النار بمواظبة نحو اسرائيل، ولم تهزم. ولكن من الجهة الاخرى، فان الضرر الذي لحق بها وبسكان غزة هائل وبعيد المدى. فاعلانات النصر من فوق اكوام الدمار ليست سوى ذر للرمال في العيون وتبدو مخلولة اكثر فأكثر من يوم الى يوم. فأكثر من الفي قتيل، الاف المنازل المدمرة وعشرات الاف المواطنين دون مأوى هي ثمن اثقل من الاحتمال، ولا سيما مقارنة بالضرر القليل الذي الحقته حماس باسرائيل. لقد فعلت حماس افضل ما تستطيع واستثمرت كل قوتها ونشاطها، والكثير من مالها، على بناء منظومة صاروخية، بالاف اطلاق الصواريخ نحو مدن اسرائيل في اثناء خمسين يوما من القتال «نجحت» في قتل ثلاثة اشخاص. كل السبعين قتيلا اسرائيليا آخر، ستة وستين جنديا واربعة مواطنين، سقطوا في القتال في اثناء الحملة البرية في القطاع او قتلوا بنار قاذفات هاون على المدنيين والجنود في منطقة غلاف غزة.
لقد اضطر الجمهور في غزة الى أن يدفع على مدى قرابة عقد من الزمان ثمنا باهظا في مستوى معيشته بسبب الاستثمار الهائل لحماس في بناء منصة الحرب ضد اسرائيل، بما في ذلك ترسانة الصواريخ وقذائف الهاون وشبكة الانفاق المتفرعة التي استثمر فيها مال طائل. وقد جاء هذا الاستثمار على حساب رفاه السكان الذين اعطوا ثقتهم لحماس. غير أن في نهاية المطاف كانت قائمة انجازات حماس اقل بكثير من المتوقع. صحيح انه لحقت باسرائيل خسائر، وتعطلت الحياة الطبيعية وفي منطقة الجنوب بشكل حتى لا يطاق، ومطار بن غوريون كاد يغلق تماما على مدى يومين، ولكن هذه تتقزم مقابل المعاناة المستمرة لسكان غزة.
انجازات المعركة بالنسبة لحماس – الاستعداد الاسرائيلي للبحث في تقليص القيود في المعابر، توسيع مجال الصيد وتحرير السجناء – كان يمكن تحقيقها في وقف النار الاول، الذي عرض بعد اسبوع من القتال، ومعقول انه كان ممكنا تحقيقها حتى دون اطلاق الصواريخ.
محمود عباس، مثل فلسطينيين ومحافل عربية كثيرة اخرى داخل غزة، وجهوا انتقادا ركز على الخلل الذي تميز به القرار بمواصلة المعركة لستة اسابيع كاملة اخرى دفع ثمنها الباهظ سكان غزة، وذلك دون أي انجاز حقيقي. ولم تجد حماس بعد ردا مناسبا على هذا الانتقاد. وفي هذه الاثناء، ينتشر في غزة اليأس، وفي ضوء الدمار الكثير لا توجد رغبة بين الجمهور لاستئناف القتال. العكس هو الصحيح. فحسب احد الاستطلاعات (ومثل الاستطلاعات من الفترة التي سبقت المعركة الاخيرة) فان 40 في المئة من بين سكان غزة يشهدون على رغبتهم في الهجرة، ومثلما يمكن الاستنتاج من مصيبة غرق مئات الاشخاص في قلب البحر المتوسط في منتصف ايلول، فان العديد من الغزيين يعرضون الان مالهم بل وحياتهم للخطر في محاولة يائسة للفرار من القطاع عبر البحر.
ولا غرو إذن في أنه الى جانب التعابير الكفاحية لرفض المعادلة الاسرائيلية «الاعمار مقابل التجريد» وتصريحات حماس أنها لن تضع سلاحها ابدا، تبرز أيضا اقوال اخرى. هذا لا يعني ان الكفاحية لا تعكس باخلاص موقف المنظمة ونيتها للتسلح والتمترس من جديد، ولكن الى جانب ذلك، في 10 ايلول أعلن نائب رئيس المكتب السياسي لحماس، موسى ابو مرزوق، خلافا للنهج الدارج لدى المنظمة، أنه يحتمل ان تسعى حماس الى المفاوضات مع اسرائيل، الا ان هذه هي رغبة معظم السكان في غزة. اذا ما استمر الوضع القائم، قال ابو مرزوق، يحتمل الا يكون مفر امام حماس. وحتى لو سارع آخرون في القيادة الى نفي وشجب اقواله، واضح أن في قيادة حماس يجري جدال في هذه المسألة. بعد نحو اسبوع من ذلك، في 18 ايلول، اعلن محمود الزهار، من الصقور في قيادة حماس، أن وقف النار الذي أعلن لمدة شهر في 25 آب ليس محدود الزمن، وانه سيستمر طالما لم تخرقه اسرائيل.
ومما ذكر اعلاه، واضح أن حماس معنية بالمفاوضات وليس باستئناف القتال.
وبالنسبة لاحتمال المفاوضات، هناك حقيقة كبيرة في الادعاءات أن لا مفر من مواصلة ادارة النزاع مع الفلسطينيين، وذلك لانه لا توجد امكانية لحله بكل جوانبه – الحدود، مسألة القدس، الترتيبات الامنية ومسألة اللاجئين – في المدى المنظور. ولكن بالمقابل، لا مجال لقبول الادعاء أن المعنى العملي لادارة النزاع هو تخليد الوضع القائم. «الهدوء مقابل الهدوء» دون أي افق سياسي ودون اي جهد حقيقي لتغيير الوضع القائم يبقي على حاله العامل المتفجر الاساس، الذي يساهم في الاشتعالات المتكررة بين اسرائيل والفلسطينيين.
الوضع القائم لا يحتمل ليس فقط بالنسبة للسكان في غزة، بل وايضا بالنسبة للسكان في الضفة الغربية. وقد وجد الامر تعبيره مؤخرا في مبادرة السلطة الفلسطينية لان تنقل على عجل الصراع لانهاء الاحتلال الى الساحة الدولية وزيادة الضغط على اسرائيل على المستويات السياسية، الاقتصادية والقانونية، وكذا باعمال الاخلال المتواصلة بالنظام، ولا سيما في القدس.
ومن يسعى الى «الهدوء مقابل الهدوء» من شأنه أن يحصل في اقصى الاحوال على مطلبه المتواضع لمدى غير معروف، حتى الجولة التالية من نار الصواريخ وقذائف الهاون، وقف نار، مفاوضات وعودة الدائرة من جديد. وسيكون هذا اختبارا صعبا ليس فقط لقوة صمود سكان غزة بل وايضا للحصانة الوطنية لدى المجتمع الاسرائيلي.
المفاوضات هي طريق صعبة. ويمكن أن نحصي اسبابا عديدة لفشلها المحتمل، والفشل من شأنه ان يؤدي الى استئناف القتال حتى لو لم تكن لدى الطرفين رغبة في ذلك. فحماس، التي تسعى الى تبرير الثمن العالي الذي دفعته غزة من شأنها ان تطرح مطالب لا يمكن لاسرائيل أن تستجيب لها، فما بالك ان لاسرائيل دافعا معاكسا – في أن تري أنها «لن تمنح حماس جائزة على عدوانها». كما قد تظهر خلافات بين فتح وحماس على تقسيم الصلاحيات في ادارة المعابر والاعمار في القطاع مما سيفشل المحاولات للتسوية. يحتمل أيضا الا تتفق اسرائيل وحماس على طرق الرقابة لمنع اعادة تسليح حماس. ومن شبه المؤكد ان اسرائيل سترفض مطلب حماس بميناء ومطار في غزة (وان كان يحتمل ان توافق على اقامتهما في العريش، برقابة مصرية وثيقة، اذا تفضل المصريون بالموافقة ذلك ذلك).
ولكن بالمقابل فان اعتراف الطرفين بحدود القوة يفتح كوة لمسار مفاوضات بديل. يدور الحديث عن مفاوضات ذات افق سياسي، يزيد احتمال الوصول الى ترتيبات مستقرة وبعيدة المدى في غزة. والى جانب المباحثات على الترتيبات في غزة يتعين على اسرائيل أن تبادر الى تقدم نحو حل الدولتين بالتدريج وبمراحل انتقالية تتم بالتوافق، او حتى بخطوات احادية الجانب من اسرائيل. فلا لمزيد من «الردود الصهيونية المناسبة» التي تمس بقدرة وجود اسرائيل كدولة اليهود وبمكانتها الدولية، بل وقف سياسة العزل بين غزة والضفة الغربية، التسليم بحكومة المصالحة الوطنية واعتبارها ذخرا محتملا وليس عبئا اضطراريا، منح تسهيلات في حرية الحركة للفلسطينيين ومنح فرصة حقيقية لحياة الرفاه لسكان المناطق، في ظل انتشار جديد، حذر وتدريجي لقوات الجيش الاسرائيلي في ارجاء الضفة الغربية. لمثل هذه السياسة يوجد احتمال ومن الجدير تجربتها وتحقيقها. اذا ما فشلت واساء الفلسطينيون استغلالها، مثلما تعلمنا من تجربة الماضي، فلن يكون مفر غير تغيير الاتجاه والاكتفاء بترتيبات محدودة في غزة فقط، او حتى بالقليل الذي تقترحه صيغة «الهدوء مقابل الهدوء».
وعندها ستكون اسرائيل ملزمة أن تفكر، الى جانب استمرار سعيها النشط الى تسوية اوسع، الاستخدام المتجدد للضربة المسبقة كخطوة عملياتية محتملة. لقد اعتقدت عقيدة الامن الاسرائيلية على مدى سنوات حتى قبل 1967 أنه يجب توجيه ضربة مسبقة بهدف منع ادارة الحرب في اراضيها. ومن خلال الصواريخ والانفاق نجح اعداء اسرائيل في خرق هذا المبدأ ونقل الحرب الى الجبهة الداخلية الاسرائيلية، مثلما لم ينجحوا في اي وقت مضى. وفي المواجهات المستقبلية من شأن الاصابة للجبهة الداخلية أن تكون حتى اشد مما شهدنا حتى الان. وليس معقولا بعد اليوم ان تنتظر اسرائيل اللحظة التي تختارها حماس او حزب الله، او كلاهما معا، الطريق والموعد اللذين يفاجآنها بهما.
يجدر باسرائيل أن توضح انه عند اجتياز خط احمر معين، هي التي ستضرب اولا وبقوة شديدة، في الزمان، في المكان وبالطريقة التي تختارها. خطوة مسبقة مخططة كما ينبغي كفيلة أن تقصر المعركة وتقلل الخسائر على الطرفين. خطوة مسبقة ايضا تضيف الى الردع الاكبر من جولة التخمينات الجارية الان في اسرائيل في مسألة من أين ستفاجئها حماس أو حزب الله في المرة التالية. من ينتظر في محاولة لتخمين من اين سيفاجأ معقول جدا أن يفاجأ في كل الاحوال. في المرة التالية، اذا ما كانت كهذه لا سمح الله، فان الضربة الاولى والمفاجأة كيف ان تأتيا من جانب اسرائيل.
غير أنه حتى لمثل هذا النوع من الخطوة المسبقة لا توجد قيمة بحد ذاتها. فاذا كانت قيود القوة هي ما نعنى به، فينبغي أن نفهم أنه لاستخدام القوة كفيل أن تكون قوة دائمة فقط كاساس لتسوية سياسية.

مفترق الشرق الاوسط 8/10/2014

آشر ساسر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية