اعترفت لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي إنها بادرت لاتصالات مع الأحزاب الصهيونية للتأثير على برامجهم الانتخابية بحيث تتضمن إشارة للقضية الفلسطينية واعتبار إنهاء الاحتلال مصلحة مشتركة للشعبين.
الناصرة-“القدس العربي”: من المفترض أن تتم الانتخابات الفلسطينية بعد ثلاثة شهور عقب انقطاع منذ 2007 وسط تحذيرات من محاولات الاحتلال التأثير على نتائجها وتساؤلات عن احتمال التراجع عنها، وفي التزامن ستجري انتخابات رابعة في إسرائيل وسط تساؤلات عن محاولات السلطة الفلسطينية التدخل فيها خلسة وعن احتمال استمرار حالة التعادل بين معسكر نتنياهو والمعسكر المناهض له وبالتالي الذهاب لانتخابات خامسة في الصيف أو الخريف القادمين. حاليا يكرّر الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأكيداته على ضرورة توفير الظروف الملائمة كافة لإجراء الانتخابات الفلسطينية العامة في مواعيدها المقررة ابتداء من أيار/مايو المقبل. وأكد عباس بحسب بيان صدر عن اللجنة المركزية لحركة فتح عقب ترأسه اجتماعا لها في مدينة رام الله، على أهمية التزام الأطراف المعنية كافة بما تم التوصل إليه من تفاهمات خلال جلسات الحوار السابقة بشأن الانتخابات. كما أكد على أهمية تنفيذ ما ورد في المرسوم الرئاسي الذي أصدره قبل أسبوع لإطلاق الحريات العامة في فلسطين، من أجل تمهيد المناخ الملائم لإجراء الانتخابات العامة. ومن جهتها حيت اللجنة المركزية لـ”فتح” الجهود المميزة التي بذلتها لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية في تحديث سجل الناخبين ضمن تحضيرات إجراء الانتخابات العامة. وتواصل حركة المقاومة الإسلامية “حماس” التحذير من “التدخل السافر” لإسرائيل في الانتخابات الفلسطينية ومحاولات ضرب حظوظ حركة حماس ما قد يحول دون إجرائها في مواعيدها.
جاء ذلك في بيان أصدرته “حماس” عقب اجتماع قيادة الحركة برئاسة إسماعيل هنية لمناقشة قضايا فلسطينية وقالت إن “الاحتلال يتدخل بشكل سافر في العملية الانتخابية سواء بحملات الاعتقال ضد رموز الحركة وقياداتها في الضفة الغربية، أو ممارسة الضغط على قيادات أخرى وتحذيرها من الترشح للانتخابات علاوة على عرقلة مشاركة أهالي القدس فيها”. وأضافت: “نعلم يقيناً أن الاحتلال يسعى لتفصيل الانتخابات ونتائجها على مقاسه، وهو ما لا يمكن أن يظفر به”. ودعت الحركة السلطة الفلسطينية والقوى الوطنية والمقدسيين، إلى “التحرك على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية لوقف هذا التدخل، والمشاركة في الانتخابات ترشيحاً وتصويتاً”. وخلال الأسبوعين الماضيين، اعتقل الجيش الإسرائيلي عددا من قيادات “حماس” بالضفة الغربية، كما تم تحذير آخرين من المشاركة في العملية الانتخابية المرتقبة. وحذرت الحركة من “أي تراجع في الالتزام بإجراء الانتخابات أو التردد في إتمامها، لما في ذلك من مخاطر وتداعيات جسيمة” مؤكدةً حرصها على المضي بقوة نحو هذا الاستحقاق، مع الحرص التام على تنفيذه كاملًا حسب المواعيد المقررة، حسبما نقل موقع “فلسطين الآن”. ووجهت حماس التحية “لجماهير شعبنا الصامد المرابط، في المنافي والشتات، وفي الأراضي المحتلة عام 1948م، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة، ونخص أهلنا في القدس المحتلة على صمودهم وثباتهم في وجه الاحتلال ومخططاته العدوانية”. يشار أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أصدر في منتصف كانون الثاني/يناير الماضي، مرسوما حدد بموجبه مواعيد الانتخابات التشريعية في 22 أيار/مايو، والرئاسية في 31 تموز/يوليو، والمجلس الوطني في 31 آب/اعسطس من العام الجاري.
إسرائيل قلقة من الانتخابات الفلسطينية
ويؤكد كاتب صحافي إسرائيلي أن مخاوف وتحذيرات حركة حماس لها ما يبررها فقد نشر موقع “ميدل إيست آي” مقالا للمختص الإسرائيلي في الشؤون الاستراتيجية يوسي ميلمان أكد فيه أن أجهزة الأمن الإسرائيلية لا ترغب في أن تجرى الانتخابات الفلسطينية لأنها تريد تغيير الوضع القائم في الأراضي الفلسطينية، وليست لديها إجراءات تذكر للتأثير على الانتخابات المرتقبة. ويقول يوسي ميلمان وهو معلق بارز في مقاله إن هناك قلقا بشأن الانتخابات في أوساط مسؤولي الأمن في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية والمخابرات العامة “الشاباك” الذين يراقبون ويحللون التطورات في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة. ويوضح أن إسرائيل ما زالت تتذكر الصدمة التي أصيبت بها عندما أدركت فوز حركة حماس في انتخابات عام 2006. ففي تلك الانتخابات -التي شهد المراقبون الدوليون بأنها نزيهة وعادلة – هزمت حماس حركة فتح التي أسسها الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وتولى قيادتها محمود عباس منذ وفاته. ويرى الكاتب أن حركة فتح تعاني من توترات داخلية وانقسامات، وقد تراجعت صورتها لدى الجمهور، فيما تظهر حماس تصميما ودرجة عالية من الوحدة والمهارات التنظيمية. وهذا برأيه شبيه بما كان عليه الحال في عامي 2006-2007 حيث أدت تلك العوامل إلى فوز حماس في الانتخابات وهيمنتها على غزة. ونقل الكاتب عن المسؤول السابق في المخابرات العسكرية الإسرائيلية العقيد ميخائيل ميلشتين قوله “إن الانتخابات تشكل مخاطر على إسرائيل أكثر مما تحمله من الفرص، وإن ما حدث في انتخابات 2006 يمكن أن يتكرر في الانتخابات المقبلة”.
انتخابات خامسة؟
في إسرائيل تظهر استطلاعات الرأي المتتالية أنها تتجه للبقاء متورطة في أزمتها السياسية نظرا لاستمرار حالة التعادل بين معسكر أنصار رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو وبين معسكر مناوئيه، إذ يخفق كل منهما في تشكيل حكومة تستند لأغلبية من نواب البرلمان- الكنيست البالغ عددهم 120 نائبا. ويعني مثل هذا السناريو تورط إسرائيل في انتخابات خامسة في غضون عامين ونصف العام مع كل تبعات ذلك على الاقتصاد وعلى حالة الاستقرار واللحمة الداخلية خاصة أن عمليات التراشق متصاعدة بين الأحزاب وبين رؤسائها بالطعن والتهم الشخصية دون نقاش سياسي حقيقي حول قضايا جوهرية داخلية، مثلما يتواصل تغييب القضية الفلسطينية من لغة التخاطب ومن الدعاية الانتخابية.
الاستعانة بالسلطة الفلسطينية؟
وضمن هذا التراشق زاودت أوساط على “الليكود” واتهمت نتنياهو بأنه يحاول الاستعانة بالسلطة الفلسطينية من أجل ضمان بقائه في الحكم وإبعاد شبح إدانته واعتقاله على خلفية محاكمته في قضايا فساد. وجاء ذلك بعد كشف موقع “يديعوت أحرونوت” العبرية قبل أيام عن مداولات سرية بين نائب وزير في ديوان رئاسة الحكومة فطين ملا ابن الطائفة العربية الدرزية مع لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي برئاسة محمد المدني التابعة للسلطة الفلسطينية. حسب ما نشر قال ملا إن منظمة التحرير الفلسطينية تجري محادثات سرية تتعلق بالانتخابات الإسرائيلية الوشيكة حول إمكانية دعمها لحملة نتنياهو، من خلال أنشطة متنوعة لدى المواطنين العرب في إسرائيل وتشجيعهم على دعم الليكود أو على الأقل عدم دعم القائمة المشتركة من منطلق أنها “تدرك أن الليكود باق في الحكم”. وحسب الصحيفة لم تنضج هذه الاتصالات حتى النهاية وتوقفت مؤخرا على ما يبدو لأسباب فنية، وقد مثل الليكود في هذه الاتصالات نائب الوزير في ديوان رئيس الوزراء فطين ملا، بينما مثل الجانب الفلسطيني مسؤولون في لجنة الاتصالات مع المجتمع الإسرائيلي لدى منظمة التحرير الفلسطينية، التي يرأسها عضو قيادة “فتح” محمد المدني المقرب من الرئيس محمود عباس، منوهة أن المداولات كان من المفترض أن تبلغ ذروتها في اجتماع لم ينعقد في نهاية المطاف لأن الجانب الإسرائيلي لم يوافق، على ما يبدو لأسباب أمنية تتعلق بدخول رام الله.
ونفت لجنة التواصل برئاسة محمد المدني رواية ملا واعتبرتها محاولة تزوير وللتأثير على وعي الناخبين العرب في إسرائيل من خلال القول بشكل مبطّن وكأن الجميع يلهثون وراء نتنياهو. لكن لجنة التواصل هذه اعترفت إنها بادرت وما تزال لاتصالات مع كافة الأحزاب الصهيونية في محاولة للتأثير على برامجهم الانتخابية بحيث تتضمن إشارة للقضية الفلسطينية واعتبار إنهاء الاحتلال مصلحة مشتركة للشعبين. واللافت أن السلطة الفلسطينية التي تحاول التقرب من الأحزاب الصهيوينة للتأثير عليها نحو إنهاء الاحتلال كما تقول، تكرّس حالة التوتر مع الأحزاب العربية الفلسطينية في الداخل، ويرفض الرئيس عباس استقبال الأغلبية الساحقة من قادتها منذ تفكيك القائمة المشتركة في المرة الأولى ربيع 2019.
هل تغازل السلطة الفلسطينية الليكود؟
غير أن الباحث في الشؤون الاجتماعية-السياسية دكتور مهند مصطفى مدير عام مركز “مدى الكرمل” للدراسات الاجتماعية التطبيقية لا يستبعد أن تكون هناك مرام أخرى غير معلن عنها خلف اتصالات السلطة الفلسطينية بـ”الليكود”. ويوضح دكتور مهند مصطفى لـ “القدس العربي” أن القائمة العربية المشتركة في الداخل غير معنية هي الأخرى بالتقرب من السلطة الفلسطينية لأن جمهور ناخبيها يناصبها الكثير من الرفض والتحفظ على خلفية عدة عوامل منها الفساد وغيره علاوة على الموقف السياسي. ولا يستبعد مصطفى أن تكون السلطة الفلسطينية تبحث من خلال محاولات الاتصال بـ “الليكود” إرسال رسائل سياسية لجهات إقليمية ودولية ومحاولة الانخراط في الخطاب العربي المطبع والتناغم مع توجهات دول خليجية باتت ترى بإسرائيل دولة صديقة وحليفة وشريكة مقابل الإدارة الأمريكية الجديدة في قضية إيران وغيرها. كما لا يستبعد مهند مصطفى احتمال أن السلطة الفلسطينية باتت مقتنعة أن نتنياهو باق في الحكم ولذا فهي تحاول التأشير له رغبة بـ “فتح صفحة جديدة معه” حتى من أجل استئناف مفاوضات سلام تبقى طحنا للماء عمليا لأنه بدون مثل هذه المفاوضات تفقد السلطة الفلسطينية شرعية وجودها.