إسقاط حكومة فلسطينية اختارها الشعب ليس سقوطاً

حجم الخط
0

إسقاط حكومة فلسطينية اختارها الشعب ليس سقوطاً

د. بشير موسي نافعإسقاط حكومة فلسطينية اختارها الشعب ليس سقوطاًانطلقت المحاولات المحلية والدولية لإسقاط الحكومة الفلسطينية التي تقودها حماس حتي قبل ان يتسلم أعضاء الحكومة مهامهم. ولكن إجراءات الحصار والمقاطعة وتقويض السلطات تسارعت في شكل مفضوح خلال الأسابيع الأخيرة، وكأن الهدف ان لا تكمل الحكومة شهرين أو ثلاثة من التفويض الانتخابي والدستوري التي تتمتع به. في مناخ من الهجوم الديمقراطي الامريكي علي المنطقة، ثمة مسعي امريكي وأوروبي سافر لإطاحة حكومة تسلمت مقاليد الحكم في واحدة من أكثر العمليات الانتخابية شفافية. هذا المسعي يضع علي عاتق الحكومة الفلسطينية أعباء مضاعفة، ويفرض عليها اتباع نهجاً واضحاً وصلباً. ولكن حتي إن نجحت محاولات إسقاط الحكومة الفلسطينية، فلا يجب ان يصبح سقوطها مناسبة للتراجع وفقدان زمام المبادرة.كانت الخطوة الأولي في محاولة إجهاض التفويض الانتخابي الذي حصلت عليه حماس رفض قيادات فتحاوية المشاركة في حكومة وحدة وطنية، بالرغم من ان هذه الحكومة كانت مطلباً شعبياً واضحاً، ومن ان ما بات يهدد الوضع الفلسطيني من الجانب الإسرائيلي يكاد يمثل نكبة جديدة بكل المقاييس. وقد جاء رفض فتح المشاركة في الحكومة مبرراً بخلافات جزئية حول البيان الحكومي، خلافات لا تقدم ولا تؤخر في عمل الحكومة ذاتها. وجاء هذا الرفض ليعكس أنانية بعض القيادات الفتحاوية، والشعور السائد في أوساطها بأن الشأن الفلسطيني هو حكر عليها، سواء أحسنت أو أساءت وأصلحت أو أفسدت. وما ان أوشكت الحكومة علي تسلم مهامها، حتي بدأت التعيينات السياسية في هيئات المجلس التشريعي، وتعيينات أخري علي مستوي وكيل وزارة في دوائر السلطة المختلفة. وبالرغم من التصريحات التصالحية التي أطلقها الرئيس محمود عباس، فمن الصعب إعفاء الرئيس من المشاركة في مساعي إسقاط الحكومة الجديدة التي تخالفه وجهة النظر في مسار القضية الوطنية. إذ بغض النظر عن الجدل حول الصلاحيات الدستورية، لم تحمل القرارات الرئاسية المتعلقة بتعيين قائد لقوات الأمن ووضع المعابر الحدودية تحت إشراف مكتب الرئيس، والتي صدرت بدون أدني قدر من التشاور مع رئيس الوزراء، سوي عمل يقصد به إضعاف الحكومة ودفعها إلي زاوية التهميش أو الصدام. وتبدو جولات الرئيس الخارجية، المتلاحقة منذ تولت الحكومة أعمالها، وكأن الرئيس غير معني بما يتعرض له الفلسطينيون من تجويع. وفي موازاة هذا التوجه الرئاسي، يخوض وكلاء الوزارات الفتحاويون، صراعاً يومياً مع الوزراء الجدد، يستدعي في بعض حالاته المسلحون، بهدف شل عمل الحكومة ومنعها من تنفيذ برنامجها الإصلاحي. في الوقت نفسه، تزداد الضغوط الخارجية علي الحكومة والشعب، وتحكم حالة من الحصار غير الأخلاقي ولا الإنساني. الإدارة الامريكية، التي لم تقم بإجراء واحد منذ ست سنوات لإحقاق الحق الفلسطيني، وتركت الرئيس عباس الذي طالما عملت لتوليه مقاليد الفلسطينيين في العراء، توقف كافة اتصالاتها بالحكومة الفلسطينية وتقطع كافة مساعداتها للسلطة. وبالرغم من ان الأوروبيين حاولوا في البداية الحفاظ علي مسافة فاصلة بينهم وبين السياسة الامريكية، فسرعان ما خضعوا هم أيضاً وأعلنوا اتباع سياسة متطابقة مع واشنطن. المأساة في الوضع الفلسطيني، سلطة وشعباً، ان أوسلو تركت الضفة والقطاع أسيرة تماماً للقرار الإسرائيلي، أمناً وأرضاً ومتطلبات معيشية. والمدهش ان الحكومات الفلسطينية المتعاقبة، التي شكلتها وقادتها فتح، لم تبذل جهداً حقيقياً لفك الارتهان الفلسطيني للدولة العبرية أو لتحسين شروط الحياة اليومية للشعب. بل ان الحكومة السابقة تركت الخزينة الفلسطينية مدينة بعشرات الملايين من الدولارات، والسلطة بلا ميزانية تسير أمورها. وبالتطابق الواقع بين الإسرائيليين والامريكيين والأوروبيين لا تعجز الحكومة عن دفع رواتب موظفي السلطة وحسب، بل ان أهالي الضفة والقطاع يمكن أن يتعرضوا للتجويع فعلاً. هذا فيما تدك المدفعية والطائرات الإسرائيلية قطاع غزة بمئات القذائف يومياً، في محاولة لإظهار حكومة الفصيل الفلسطيني المقاوم غير قادرة علي الدفاع عن شعبها أو الرد علي الاعتداء.بيد ان الحكومة الفلسطينية لا يمكن إسقاطها حتي بهذا المثلث من الحصار والتهديد؛ فبدون تواطؤ عربي يظل مشروع إطاحة الحكومة صعباً إلي حد كبير. والحقيقة أن ليس من مشروع تدخل أجنبي في شؤون المنطقة، عسكرياً كان أو سياسياً، أمكن إنجازه بدون تعاون عربي فعال، من حرب الخليج الأولي إلي غزو العراق واحتلاله إلي حصار الرئيس عرفات ثم اغتياله. وقد كان قرار القمة العربية بتقديم مساعدة شهرية للسلطة الفلسطينية لا تتعدي الخمسين مليون دولار، مؤشراً كافياً علي ضعف العزيمة العربية في هذا المجال، بالرغم من أن مداخيل عدد كبير من الدول العربية قد تضاعفت خلال العام الماضي بفعل الارتفاع الكبير في أسعار النفط. ولكن الأسوأ أنه حتي هذا المستوي من العون لا يتوقع وصوله للفلسطينيين قريباً؛ أو ان وصوله سيتأخر زمناً طويلاً، ربما حتي يتم إسقاط الحكومة. ليس ثمة دولة عربية رئيسة دعت رئيس الوزراء الفلسطيني أو وزير خارجيته لزيارتها؛ وبخلاف الأمين العام للجامعة العربية، ليس ثمة مسؤول عربي رسمي واحد تحرك في عمل فعلي لتخفيف عبء المقاطعة والحصار والتهديد الذي يتعرض له الفلسطينيون وحكومتهم. إن استمر الموقف العربي علي ما هو عليه، فلن يحتاج أحد إعلان نوايا من الدول العربية تجاه الحكومة الفلسطينية.حصار ومقاطعة خارجية وتهميش داخلي وتواطؤ عربي: هذه هي المعادلة التي يراد للحكومة الفلسطينية مواجهتها، بحيث تتحول إلي حكومة بلا فعالية وبأقل قدر ممكن من السلطات، تحمل في الوقت نفسه مسؤولية التدهور المتزايد في الأوضاع الحياتية والمعيشية والأمنية. ولكن هذا المصير ليس حتمياً. ولمواجهة هذا الوضع الثقيل، علي الحكومة الفلسطينية أن ترد بعدد من المواقف والسياسات الضرورية.علي الحكومة الفلسطينية، أولاً، ومهما كانت التكاليف والنتائج ان لا تتراجع عن مواقفها المبدئية المتعلقة بالقضية الوطنية. إن كان ثمن البقاء في الحكم وكسر الحصار والمقاطعة هو ان تعود الحكومة الحالية إلي تبني السياسات التي تبنتها الحكومات السابقة، فمن الأفضل التخلي عن الحكم لصالح المفاوضين الأشاوس من الحكومات السابقة التي أوصلت القضية الوطنية إلي ما وصلت إليه. لقد اختار الفلسطينيون هذه الحكومة بناء علي برنامج وموقف معلن من مسائل الاعتراف والتفاوض والتسوية، واختارها من بين عدد من البرامج والسياسات وفي ضوء تجربة طويلة للعملية السياسية تمتد منذ منتصف التسعينات. ومهما كانت الصعوبات التي تمر بها الحكومة الحالية والمصير الذي ينتظرها، فأولويات الشعب الفلسطيني ما تزال تتعلق بالتحرر الوطني والتحرر من الاحتلال لا تلك المتعلقة بالرواتب والبطالة، مع أهمية هذه الأخيرة.وعلي الحكومة الفلسطينية، ثانياً، ان تتحدث مع شعبها وان تتوجه إلي الشعوب العربية والإسلامية بصراحة وشفافية في كل ما يخص الوضع الفلسطيني الداخلي والموقف العربي والإسلامي من المسألة الفلسطينية. علي الفلسطينيين ان يعوا، بوضوح ومنهجية وليس بوسائل تسريب المعلومات للصحف ووسائل الإعلام، حجم الفساد والتخريب الذي مارسته الحكومات السابقة ومسؤولوها. ولا ينبغي ان يعتبر هذا إدانة لفتح بأي حال من الأحوال، (ففتح لا تزال قوة وطنية مقاومة) بل إدانة لفئة حاكمة تصرفت علي ان السلطة مزرعة خاصة وأبدية لها. ولأن هذه الحكومة هي حكومة تقودها حماس، ولحماس علاقات عربية وإسلامية شتي، فقد تجد الحكومة الفلسطينية حرجاً في كشف حقائق الموقف العربي والإسلامي من الوضع الفلسطيني. المسألة التي لا ينبغي نسيانها قط، والتي ينبغي ان تدركها الشعوب العربية والإسلامية كافة، ان الدول العربية والإسلامية قادرة علي تقديم الدعم اللازم للفلسطينيين وعلي كسر إجراءات المقاطعة والحصار الأورو ـ امريكية، وبتكلفة بسيطة نسبياً. إن سقطت هذه الحكومة وأجبر الفلسطينيون علي العودة الي الوضع السابق، من خراب داخلي وتعنت إسرائيلي وفشل تفاوضي، فستكون المسؤولية في أغلبها مسؤولية الدول العربية والإسلامية. وهذا ما ينبغي ان يقال بوضوح وبدون مواربة.أما الموقف الأهم علي الإطلاق فيتعلق بحقيقة ما ينتظر الفلسطينيين في وطنهم جراء المخططات الإسرائيلية، وما ينبغي عليهم القيام به لمواجهة هذه المخططات. فقد أصبح واضحاً بعد فوز أولمرت وحلفائه في الانتخابات الإسرائيلية ان الحكومة القادمة للدولة العبرية ستنفذ مشروع الفصل الأحادي في الضفة الغربية. كما أصبح واضحاً ان هذا المشروع يتلقي دعماً امريكياً وبريطانياً، علي الأقل، وان الدول الأوروبية الرئيسية الأخري ستقف منه موقف اللامبالاة. سيؤدي هذا المشروع، كما لاحظ عدد من المراقبين العرب والإسرائيليين علي السواء، إلي تمزيق عري الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية، إلي السيطرة الإسرائيلية الكاملة علي أجزاء واسعة من الضفة (بما في ذلك منطقة الأغوار) سواء بضم التجمعات الاستيطانية الكبري أو بما اقتطعه الجدار الفاصل، وإلي السيطرة الكاملة علي القدس. لمواجهة هذا المخطط ينبغي إعادة بناء التحرك الوطني الفلسطيني لخوض نضال طويل من أجل مستقبل الضفة والقدس، وهو نضال قد يمتد لسنوات طوال. وبالنظر إلي سياسات أبي مازن المعلنة، وإلي النهج الذي تبنته الحكومات الفلسطينية السابقة، فمن المشكوك فيه ان يكون الرئيس الفلسطيني ورجالات السلطة ومفاوضيها المعروفين مؤهلين للتعامل مع هذا التحدي الكبير الذي تواجهه القضية الوطنية. وهذا ما علي الحكومة الفلسطينية الحالية ان توضحه للشعب، داخل وخارج الوطن الفلسطيني.علي الحكومة الفلسطينية ان تكشف للشعب الفلسطيني حجم المخاطر التي تحيق به، أن تحدد له أولويات المرحلة القادمة، وأن تؤكد عزمها قيادة النضال من أجل الضفة والقدس بكل الوسائل الملائمة ومهما كانت التكاليف. الفلسطينيون وحدهم من يقرر إن كان في المخزون الوطني في هذه المرحلة من عزيمة وصبر كافيين لمواجهة مخططات أولمرت وحكومته، ولتذكير العالم بأن الصراع علي فلسطين لن ينتهي بمكافأة المعتدي وتقويض وجود المعتدي عليه. عندها سيكون بقاء الحكومة وسقوطها سواء. فإن استطاعت الحكومة الاستمرار فستقود الشعب في نضاله من مقاعد الحكم والشارع، وإن لم تستطع فستقوده من الشارع وتجعل الحكومة القادمة رهينة للأكثرية البرلمانية.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية