إسكندرية..كمان وكمان

حجم الخط
0

عناية جابر

ذهبت الى وكالة السفر واشتريت تذكرتي الى مصر. أنهيت أخيراً هذه المهمة. حادثة تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية بلبلت عزمي لأيام، ثم فجأة ‘هوووب’ الى الميدل إيست. تذكرة السفر في جيبي، يعني- كما أحبّ أن أظن- أن الحادثة لم تحدث، وأنها كابوس أفقت منه. عليّ أن أسافر حتماً. أذهب أعاين جرح المدينة عن كثب كمن يُنجز مهمة ويرتاح. نحن اللبنانيين تعودنّا أن نذهب الى الجرح نحكه، نقيس مدى تخثر الدم.

التذكرة أتحسّسها في جيبي، وعليّ أن أسافر من دون تلكؤ، ولا علاقة لي شخصياً لا بالحادثة ولا بمسببها ولا بضحاياها. لاعلاقة لي، وعلى دموعي أن تكفّ عن الهطول، كما أنني كنت نائمة اثناء التفجير، يعني لا شفت ولا سمعت.

وحدهم الضحايا كما يقول لوتريامون:’انهم يموتون في لحظة ميلادهم، مثل هذه الشرارات التي تجد العين صعوبة في تتبّع اندثارها الخاطف على الورق المحترق’. كنت نائمة، لمّا جاء المُفجّر وفجّرهم. حين تحدث الأشياء ونحن نيام، لا نعود نحن الشهود الرئيسيين على أيا إلتباس يحدث في العالم. نحن الذين كنّا نياماً في الليلة اللئيمة لا نملك أية حقيقة شخصية، رغم أن الأسى يطالنا فترة أطول من الصاحين. الآخرون الصاحون، أولئك الذين رأوا وسمعوا.

أنا دمية بين يديّ الغياب حين أنام، وما من حبل سرّي بيني وبين العالم الذي يخضبه الدم.

مصر كلها مخضوضة، لكنني لست أقلّ تصميماً على السفر اليها، أرى عن كثب الـ’شو’ المظلم، أرى آثاره من أجل ان اتخلص منه.

سفر بعد الحادثة، وسفرعنيف كهذا يتوفر على ركيزة من التحقق الذاتي لا من الرصد. سفر الى موقع الحادث لا يدين بحركته لدوافعي النفسية بل لقوتي الداخلية.

إنه السفر الى مصر هذه المرّة، يولد من غدر الآخرين. قبل أن نصدّق حدوثه، الغدر، كان هذا الأخير قد حدث. سوف أسافر، وانا بطريقي الى البيت لتوضيب حقيبتي. ألا يؤكد تصميم كهذا- بشكل محدّد- على القيمة الشعرية للسفر؟ وسأقارنه هنا- عن طيب خاطر رغم البلاهة التّامة ـ بالتدمير الذي حدث لفندق شبرد في القدس، التدمير الذي يُفسح بشكل أرحب لبناء مستوطنات جديدة، والتدمير ضد أيّ شبر من البياض في الذاكرة الآيلة الى السواد. يتفكك العالم تحت أنظارنا. غرابة وتنافر. إنها الفانتازيا، ترفع وتشق الأرض الفلسطينية، وكأن الرب نفسهُ لم يعد قادراً على انزال لعنته عليهم. يتزايد فجور العالم السفلي، تغزوه عناصر ضالة، ومسوخ، تظهر في جنح الليل وفي بياض النهار.

نائمون او غير نائمين، كلنا قتلة، وهي تجليات الكوابيس تتضاعف، وكل نوم فريسة هذيان حقيقي.

انني أحييك ايتها الإسكندرية الباسمة أبداً. سوف أركض بمحاذاة شاطئك في الإستخدام البارع القديم لرملك وهوائك. سوف اركض مستعيدة حركة، تتتابع من سفر الى سفر، ومن حادثة الى أخرى. سوف أركض وأستدعي ذلك البناء بلا ركيزة واقعية في القدس.

البراعة الهندسية التي تُدمّر نفسها، وتصل بالمهندس الى حدّ السخرية التّامة من نفسه ومما يهندسهُ. هندسة جديدة للإسكندرية وللقدس وهكذا تُقفل الدائرة التي تصل حدّ أقصى درجات العهر والمجانية الكاملة.

بنّاؤو المستوطنات هم أسياد الأرض الجديدة التي يخلقونها. هادمو روح الإسكندرية لنيكونوا أسياداً يوماً. كفّ العمل على المادة الحية والجوهرية، ليفرض الموت إرادته الواضحة.

أسافر الى الإسكندرية وألتقي بصديقي علاء خالد وأفهم اخيراً معنى الكتابة في ثقافة المكان. كتابة مهيضة، لكنها ضرورية لتطويق الأمكنة وحضنها بشكل نهائي لكي لا تفرّ الأمكنة، تتصدّع وينقطع نفسها.

كتابة في الأمكنة يا علاء، مصرية ولبنانية وفلسطينية وسواها، وكتابة على مستوى حاجتنا الى هذه الأمكنة، الى الضروري منها لتبقى لنا أوطانا نسكنها، لا يقربها هادمٌ أو مُفجّر، ولا يقوى أحد على تقويضها. هذا جزء أساسي من مهمة الكتابة، أن تستدعي أوطاناً حرّة كالعواصف، وتخوض في نبذ العنف بكل أشكاله، العنف المتصاعد الآن، حدّ الجنون.

كتابة ليس في أمكنة ‘اسكندرانية’ فحسب، بل تبصر الأماكن هنا وهناك في هذا الوطن الكبير، ناسه وزمانه وتاريخه وسيره. كتابة بمثابة وحدة داخلية ملحومة من وحدة موضوعاتها ومصير أشخاصها الواحد، من دون شكليات كثيرة، لكي لا نفوّت على الكتابة أن تكون حرّة تماماً.

كتابة تفضح الدراما الداخلية والخارجية الخاصتين بنا، وأسئلة مفرطة الثقل والعمق عن لعبة المصادفات غير المحتملة، وغير البريئة والتي أصبحت تقليداً هزلياً وتهكمياً للأخلاق وللحياة بمعناها السّوي، وفانتازيا خاصة بأكثر الكوابيس إرعاباً ووحشية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية