إسلاميات.. على أونا على دوي على تري

حجم الخط
0

وجدا جثة كلبٍ فدفناه وأقاما عليه مَقاماً، وصار الناس مع الأيام يتوافدون إلى مقام الشيخ فلان فيتقرّبون ببركاته إلى الله زلفى، وكان الصاحبان يقومان على خدمة المقام ليستفيدا مما يجلبه الزوار لهما من طعام ومال، وفي يوم خرج أحدهما لزيارة أهله وترك صاحبه عند المقام، فلما عاد لم يجد ‘غلّة’ ذلك اليوم، فسأل رفيقه المقيم عنها فأنكر قدوم أي أحد طوال النهار وأخذ يحلف على ذلك بمقام الشيخ، فضحك صديقه وقال: أيّ شيخ ؟ .. كلب ودافنينو سوا!لم يعد الاسترزاق بالدين حكراً على من يطلقون اللحى ويزينون الألسن ببضع آيات من القرآن، فقد باتت هذه الصورة من الماضي المضحك، وإن وجدت.منذ مطلع التسعينيات ومع ثورة الاتصال والتواصل أصبح الدين في متناول الجميع، ولا أقصد بذلك الحصول على المعلومات من تشريعات وأحكام فقط، ولكن بات من الممكن أن يوظف مَن يشاء أحكام الدين وتشريعاته في ‘الاسترزاق الاجتماعي’ بتعزيز مكانته وتشكيل علاقاته في بيئته المحلية أو عالمه الافتراضي على حد سواء، وأصبح الترويج الإسلامي للشخصيات تسويقاً من نوع محبب لدى المسوِّق والمسوَّق له، فيكسب به الأول مكانة ما كان ليبلغها لولا التأسلم، ويريح الثاني به ضميره!وبما أن الإيمان ‘هو ما وقر في القلب وصدّقه العمل’ فسيكون من السهل على متابع حراك مجتمعنا ‘المسلم’ يومياً أن يدرك أن ما يراه من سلوك ينتهجه أغلب المسلمين ما هو إلا تصديق لما في قلوبهم حقاً، فكيف لمن يستشهد بآيات من القرآن في مجلس أن يسب أخاه في مجلس آخر أو في ذات المجلس؟ وكيف لمن يقول بحديث الرسول – عليه السلام – في مقام ما أن ينال من أعراض المسلمين في كل مقام؟ وكيف لمن يدعو إلى دين الله أن يستحل كل مال وقعت عليه يده ؟ سيقول البعض إن أولئك مسلمون يؤدون ما عليهم من واجبات، فأقول إن ما يتقربون به إلى الله من العبادات هي فروض بينهم وبين الله إن أقاموها وإن لم يقيموها كان الحساب لهم أو عليهم، فما ينال المسلمين منها إذا لم يتبعها الخلق القويم؟ وما الفائدة من عبادة لا تربي السلوك وتحسن الأداء؟ وهل يتم الإسلام أو يسمى إسلاماً إذا ما كان للمجتمع حق في استجلاب خير الفرد واستبعاد شره؟لا يغفل أحد عن دور القنوات الفضائية في تشكيل معسكريْ التأييد والمعارضة لنُظْم الإسلام وقِيَمه في آن معاً، ومن الإمكان وبكل بساطة أن نقسم ما تقدمه تلك القنوات من حيث المضمون الديني إلى قسمين، فالأول يعرض الإسلام بأركانه وفروضه من كتاب الله وسنة نبيه، ويكتفون بذلك تعريفاً وتفسيراً للدين والتدين، وكأن الإسلام وُجد ليعلمنا كيف نقرأ القرآن وكيف نتوضأ للصلاة فحسب! وأما القسم الآخر فيأخذون على عاتقهم أن يتمموا مهمة القسم الأول ولكن بالشكل الذي يرغبون به، فيرسمون صورة للإسلام المتطرف المتخلف والمحصور في مسجد ولحية وأعمال تخريب وإرهاب، سواء بسلسلة درامية أو برنامج إخباري أو طبق اليوم، فالأول يخطأ من باب ظنه أنه يعرف ويعرّف بالإسلام الصحيح والثاني يصيب في تحقيق هدفه المُسيء!رغبة الشعوب في التغيير ولجوئها إلى عرين الحكم الإسلامي أمر يبشر بخير ولكن، لن يكون الظن بهذه الرغبة خيراً إذا ما أُخذ المشهد بعين أخرى ترينا صبغة الحاكم وعادة المحكوم، فبعض الأحزاب والمنظمات لم تأخذ الإسلام إلا غلافاً لأهدافها السياسية وغير السياسية ( فإنهم من الشعوب أًصلاً!)، والمحكومون هم أناس اعتادوا حياةً حُصر فيها الدين بين صلاة وصيام ودرس في البر (وذلك إن وُجِدت كما يجب)، فالمشهد يصبح مع أغلب الظن كالتالي، فإما أن يصدُق صاحب السلطة فيكون حاكماً مسلماً يستحق الطاعة والتأييد في حين يكون محكوميه قومٌ لا تتناسب عاداتهم وذلك الحكم، وإن كانوا قد اختاروه بداية من باب التغيير لما اعتقدوا أنه يقدم لهم ما لم يحسنه سواه (وما النموذج التركي منا ببعيد)، وإما أن لا يكون الحاكم ممثلاً حقيقياً لحكم الإسلام فيتيه ويتيه معه من اختاروه ظناً منهم أن ما يصدر عنه هو العدل والقسط (وإن لنا في النظام الإيراني لعبرة)، وفي كلتا الحالتين يتوارى الحق المبين ويظل الإسلام معلقاً بين غاية الراعي وأحلام الرعية.والعجيب أننا بعد هذه المعارك الطاحنة بين ظاهرنا وباطن أمرنا، نُصِرّ على أن ما يجري لنا وبيننا وعندنا ما هو إلا مؤامرات يحيكها لنا أعداؤنا لتشتيت شملنا والنيل من إسلامنا، وننسب لهم هدم المهدَّم وقتل الميت، وأنا بذلك لا أبرئ ساحتهم، إذ أنهم أعلنوا العداء لديننا منذ قرون، ولكن لا يجدر بنا أن ننسب لهم نصراً في حرب لم يخوضوها أصلاً، فنكون بهذا قد عظمنا شأنهم ورفعنا أسهم حيلتهم من حيث ندري ولا ندري.هند دويكات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية