إسلاميون ما زالوا يتحدثون بلغة الثأر ضد الناصريين والقوميين: شيطنة عبد الناصر مقدمة للدخول إلي الحقبة الامريكية
محمد عبد الحكم ديابإسلاميون ما زالوا يتحدثون بلغة الثأر ضد الناصريين والقوميين: شيطنة عبد الناصر مقدمة للدخول إلي الحقبة الامريكية النافذة الألكترونية التي فتحتها القدس العربي من شهور قليلة، للقراء أفادت كثيرا، وكما اقامت جسورا من الفعالية وتبادل الرأي والمشاركة كشفت، أيضا، عن سلبيات وأمراض تعاني منها الثقافة السياسية العربية، وهذا يستوجب التعليق، من أجل أن تبقي هذه النافذة منبرا للرأي الحر ومركز لقاء ومشاركة فعالة. فقد لمسنا أن التعليقات الواردة علي موضوع العصيان السياسي ونجاح المصريين في مقاطعة الاستفتاء الذي جري يوم السادس والعشرين من الشهر الماضي، ونشر علي هذه الصفحة الأسبوع الماضي.. كانت تعليقات بها قدر كبير من التشنج والتجني، مورس فيها نوع من الإرهاب الفكري والسياسي لمجرد الاختلاف في الرأي، وإذا ما عرف السبب لن يبطل العجب، عكس ما هو مألوف ومعروف. لأنه كان ورود اسم جمال عبد الناصر، في ثنايا الموضوع، فانفتحت نيران الثأر علي أكثر من جبهة، وبدلا من النقد، المرحب به دوما، فتحت النار علي كاتب المقال، ووصفه ووصف القوميين الناصريين بما لا يوصف به أعداء الأمة الحقيقيين.وندعي أنه من السهل استيعاب موقف المحسوبين علي أجهزة الأمن وكتبة التقارير، ممن يؤلمهم وجود صحيفة تحمل علي عاتقها نصرة قضايا الأمة والوقوف في خندقها، لأنهم في النهاية موظفون، ينصرون الحاكم ضد شعبه، ومن يكون هذا دأبه تنشأ لديه حساسية خاصة من جراء الكتابات المدافعة عن قضايا الأمة، وكانت المفاجأة في أن مصدر النيران، يأتي من المحسوبين علي تيار سياسي إسلامي، اجتزأ وانتقي عبارة أو عبارتين وأخرجهما عن سياق الموضوع المكتوب، وجدوها فرصة للسب واللعن والطعن، وتصفية حسابات علي غرار داحس والغبراء، وكنا نتصور أن الزمن تجاوز هذا الأسلوب، بعد أن جرت مياه كثيرة في أنهار المنطقة وجداولها، وبعد التطورات التي أدت إلي مصالحات وتسويات، وفرت البيئة المناسبة لعون متبادل، بين أكثر من فصيل، قومي وإسلامي ويساري ومستقل، لوقوفهم في خندق المواجهة ضد المشروع الغربي الغازي، والمعني بتفكيك المنطقة علي أسس مذهبية وطائفية وعرقية ومناطقية، (جهوية بتعبير أشقائنا في المغرب العربي).قد يكون كلامنا هذا سباحة ضد التيار، وعكس اتجاه الساعين إلي التقاليع السياسية والثقافية النخبوية، التي تتعيش علي سب ولعن التاريخ الوطني، فتمنح نفسها رخصة إدانة الجميع، بالحق وبالباطل. وللناس كل الحق في التحفظ علي الحكم العسكري، لأنه حكم مؤقت، تفرضه ظروف خاصة وطارئة. أما الحكم الدائم من مهمة السياسيين، أيا كانت روافدهم الاجتماعية، التي شكلتهم، أو القوي الوطنية التي انتموا لها، أو الجماعات السياسية التي عبرت عنهم ونشأوا بينها.. كانوا جنودا أو مهندسين أو عمالا أو أطباء أو حقوقيين أو فلاحين، أو ما هو أدني من ذلك أو أرفع، وكما أن الحكم ليس مفترضا فيه أن يكون لفئة علي حساب أخري، فإن أي ملاحظات علي سلوك هذه الفئة أو تلك، لا تعني إلغاء وجودها وإقصاءها وحرمانها من حقوقها الوطنية والسياسية والإنسانية، ونحن عندما ندين نهج الشيطنة ، الذي يوجهه البعض إلي مؤسسات بعينها، من بينها المؤسسة العسكرية، ننبه إلي أن هذا لا يختلف كثيرا عما هو جار لـ شيطنة السلطة القضائية، وحملة حسني مبارك وعائلته، وأمانة سياسات ابنه، والحزب الحاكم الملحق بها، ورجال الأْعمال المسيطرين عليه، وأعضاء مجلسي الشعب والشوري. كل هؤلاء يتهمون القضاة بالفساد، ولما كان القضاة بشرا. ففيهم الصالح وبينهم الطالح، والحملة ليست لمحاربة فساد قضاة أو مواجهة لانحرافات مستشارين، إنما هي حملة إقصاء لسلطتهم، لأنها فضحت تزوير الانتخابات التشريعية الماضية، أي أنها ضد المهنة ونزاهتها ومسؤوليتها. والحملة ضد المؤسسة العسكرية، لا تستهدف معالجة سلبياتها، ولا تطلب تفرغها لمهامها القتالية، والحفاظ عليها درع للشعب، وعنصر في معادلة القوة، يحافظ علي وحدة الدولة، ويحمي تراب الوطن، وفيها يتم الخلط المتعمد لإلصاق تجاوزات الشرطة بها، بدعوي أن الكل عسكر، والشرطة كما ذكرنا في مقالنا الماضي، جهاز مدني، يجب أن يعود جهازا للأمن، ولا يبقي كيانا للترويع، أو معملا لتفريخ الجلادين، أو مرتعا للبطش.والعسكريون المصريون يعاقبون، بأثر رجعي، وجريمتهم أنهم قادوا ثورتين، إحداهما تصدت لظلم وفساد الخديوي توفيق، ولم تسقط إلا بالتدخل الأجنبي، واحتلال البريطانيين لمصر، سنة 1882، والثانية أقامت نظاما جديدا، ونجحت في طرد المحتل وقادت عملية تحديث واسعة، وحررت الطبقات الفقيرة من العبودية والعوز. وكسرتها هزيمة 1967، وبدأت تصفيتها في1971، ثم تم الإجهاز عليها بعد حرب 1973، وبدأت التصفية بغرس بذرة الدولة البوليسية، وتعيين أول شرطي وزيرا للداخلية، في نفس عام 1971، وبعد خمس سنوات. أي في 1976 اختير نفس الشرطي رئيسا للوزراء ، ومن لحظتها تغير نظام الحكم من نظام ثوري، أعطي وهجه بتأميم قناة السويس، ومن ثم نقله إلي شكل ومضمون الحكم البوليسي ثم الفاشي، كله بالقانون ، حسب تعبير السادات الذي شاع في ذلك الزمن. ومن يراجع زي السادات وكبار القادة العسكريين، بعد 1973، يجده زيا نازيا، فقد كان معجبا بالنازية، وسبق له العمل لحسابها، أثناء الحرب العالمية الثانية، وأخيرا انتقل حكم مبارك إلي الصيغة العائلية، كما هو عليه الوضع الآن.والنتيجة التي بدت من ثنايا الهجوم هو أن الإنسان يمكن أن يكون عدو نفسه، فمن يحمل هذا النفس الإسلامي ويبادل دفاع القوي القومية، مع غيرها من القوي الوطنية، عن حق التيارات الإسلامية في العمل السياسي، والسماح لها بتشكيل أحزاب، وتتصدي لعمليات إقصائها، ألا يعلم أن مثل هذا السلوك يضعف الثقة، ويهدم الجسور التي أقيمت، ويعطي حمقي الحكم والسلطة فرصة لاصطياد القوي المعارضة والرافضة لحكم عائلة مبارك فرادي، فضلا عن أن هذا السلوك يجر أطرافه إلي معارك جانبية، تبعدهم عن مقاومة العائلة الحاكمة ، وهي مقاومة أصبحت فرض عين ، تحتم علي الجميع التصدي المباشر لها، وهذه الظروف تلزم القوي الوطنية والقومية والإسلامية واليسارية والمستقلة بالوقوف صفا واحدا، كتفا بكتف، لمنع التوريث وتهيئة المسرح السياسي للتغيير الديمقراطي الحقيقي.وقد لا يدري من يتخذون موقفا معاديا من المؤسسة العسكرية أنهم، بهذا الموقف، يصطفون مع من يقدمون أوراق اعتماد للدخول إلي الحظيرة الغربية، التي تعزز زحفها بتشويه وإقصاء كل من حمل لواء المقاومة والدفاع عن الحرية والاستقلال والتنمية والعدل الاجتماعي والوحدة، ومن يود الدخول إلي هذه الحظيرة عليه شيطنة جمال عبد الناصر، وتلطيخ شكل ومعني الثورة، أي ثورة. ويعتمدون في مصر علي إلغاء الذاكرة الوطنية، كي لا يبقي للمواطن مثل أعلي أو نموذج يمكن الاقتداء به، وليظهر له أن تاريخه ليس سوي سلسلة من الهزائم والإخفاقات. وإلغاء الذاكرة الوطنية، ينسي المواطن أن تاريخ الكفاح، والسعي للخروج من أسر الضعف والتبعية والتخلف هو عبارة عن دورات من المد والجزر، ومعاركه تخضع لقانون الكر والفر، وإن كنا ندعي أن تاريخنا ليس مشرقا كله فهو أيضا لم يكن سوادا كله. ومخطط شخصنة أعمال المؤسسة العسكرية، وتصويرها بأنها كانت مؤسسة جمال عبد الناصر، وليست مؤسسة من مؤسسات الدولة، يهدف إلي إفراغ الملعب من اللاعبين، فتجد مصر أن نظامها يستجدي الحماية من أعدائها، ويبرر استسلامه لهم. وهو ما تريده وتسلم به عائلة مبارك ، ومثال السعودية واضح وفاضح، بها جيش، لم يتصد لخطر خارجي قط. وتصرف المليارات علي صفقات سلاح لا تستخدم، وعندما تتعرض لخطر خارجي تستنجد بجيوش الغرب.ونحن ندعي، أحب من أحب وأبي من أبي، أن المؤسسة العسكرية المصرية، من المؤسسات الأكثر وطنية، وهذا هو الذي يعرضها دوما للتشويه والإقصاء. وأضيف إلي ما ذكرته الأسبوع الماضي، إنها مؤسسة شعرت بالإهانة، يوم أن حاصرت قوات الاحتلال قصر عابدين، وخيرت الملك فاروق بين التنازل عن العرش أو تعيين النحاس باشا رئيسا للوزراء، تحسبا لخروج المصريين تأييدا للألمان، وهم يقتربون من حدود مصر مع ليبيا، وهي نفسها التي تمردت علي تحالف القصر وأحزاب الأقلية والاحتلال، واستقال عدد من أبنائها لتدريب شباب المقاومة والعمل الفدائي، ضد الاحتلال البريطاني، وضد الغزوة الاستيطانية علي فلسطين، وانخرط عدد منهم في جماعات المقاومة والعمل الفدائي. وأكثر من ذلك فهذه المؤسسة تحدت الملك فاروق في مرشحه، اللواء حسين سري عامر، وأسقطته في انتخابات رئاسة نادي الضباط، واختارت بدلا منه اللواء محمد نجيب، وكل ذلك قبل قيام الثورة، ووصول عبد الناصر إلي الحكم.ألم يسأل هؤلاء أنفسهم.. ما الحل إذا ما تحرك العسكريون واتخذوا موقفا مؤيدا للشعب في مطلبه بعزل عائلة مبارك من الحكم؟ هل يصرخ المصريون في وجوههم ويرفضون مسعاهم؟ ماذا لو قضت الضرورات، التي تبيح المحظورات، خروج ضابط مثل سوار الذهب في السودان، أو أعل ولد محمد فال الموريتاني، ليهيئ البلاد لانتخابات حرة وحكم ديمقراطي؟، هل يرفض الشعب يد الجيش الممدودة؟ ولا يجب أن يكون رفض اشتغال المؤسسة العسكرية بالسياسة مبررا لهذا العداء، ولا سببا في إقصاء العسكريين، الراغبين في الانخراط في الحياة المدنية والسياسية، فمبارك وهو يقوم بمذبحته الدستورية، هدفه إخلاء الساحة لابنه، ليحصل علي غنيمته اغتصابا، بلا منافس، لا من المدنيين، ولا من العسكريين، والوعي بوجود ضحايا وجرحي لثورة يوليو، من جراء الإجراءات التي اتخذت، ضد الاحتلال والإقطاع ورأس المال والرجعية وإسرائيل، فهذا لا يجعلنا نقع في محظور نتبني بمقتضاه لغة هؤلاء ولا مواقفهم ولا ثاراتهم وأحقادهم. والثورة عندما فجرها الجيش، كانت الظروف أشبه، بما هي عليه الآن. أحزاب ضعيفة، وأدوات تغيير ديمقراطي غائبة، أو عاجزة، أو محاصرة، أو مشوهة، والمنافذ مسدودة، وأبواب الرحمة مغلقة.. ما العمل إذن؟ ننتظر الإجابة.ہ كاتب من مصر يقيم في لندن9