إسماعيل العجيلي: حامل أثقال التراث والراقص الأخير على ضفاف الفرات

حسن الخلف
حجم الخط
0

برلين – «القدس العربي»: ليس من السهل أن نكتب عن رحيل إسماعيل العجيلي. الرجل الذي لم يكن مجرد فنان، بل كان جسدًا راقصًا لذاكرة الفرات، وروحًا تسكنها الأغنية البدوية، وحاملًا لأثقال التراث حين تخلّى عنه الجميع. غادرنا إسماعيل العجيلي ليلة البارحة، بصمت يشبه صمته حين كانت عيون المركز منصرفة عن أطراف الوطن، ويداه تغزلان من الرمل والماء مسرحًا عالميًا، انطلق من مدينة نائية اسمها الرقة، ليصل إلى عواصم ومدن لم تكن لتتخيل أن ما تراه أمامها هو جزء من تراث حيّ كان مهددًا بالفناء.
خمسة عشر عامًا كنتُ فيها شاهدًا على سيرة هذا الرجل؛ في البروفات والتدريبات، في السفر والحلم، في المعارك الخفية التي كان يخوضها ضد التهميش، وفي عشقه الأبدي لفرقة الرقة للفنون الشعبية، التي أسسها عام 1969 وجعل منها معجزة ثقافية حقيقية. لم يكن العجيلي مجرد مدير فرقة، بل ناسكًا في محراب الفلكلور، ومجددًا مؤمنًا بأن الفنون الشعبية ليست بقايا ماضٍ، بل هوية تتحرك على الخشبة وتتكلم لغة الجسد واللون والإيقاع.
من صدور العجائز وأهازيج الرعاة وأغاني السَرح، ومن حكايا الجدّات وحركات السومريين الذين احتفلوا بالنهر والخصب، صاغ إسماعيل مادته الفنية. لم يكن يكتفي بالنقل الحرفي، بل يستنبط من الطقس روحًا مسرحية. وقد رأيتُ بأمّ عيني كيف كان يستحضر طقوس السومريين في رقصاته، في انحناءة الجسد، وفي حركة الأيدي، وفي الطواف الرمزي حول الزرب، كأنه يعيد صياغة علاقة الإنسان بالماء، بالأرض، وبالغياب. رقصة «اللالا»، و»الصحراوية»، و»قصر البنات»، و»الغيوم»، لم تكن لوحات راقصة فقط، بل إعادة بعث لذاكرة الفرات الغائرة، بجمالها وخصبها وطقوسها الخفية.
في التسعينات، أنجز «البانوراما الجزراوية»، وهو عرض مزج بين تراث الرقة ودير الزور والحسكة. لم يكن العرض استعراضًا فلكلوريًا ساذجًا، بل عملًا فنيًا مركبًا، نقل الأغنية والرقصة والزي والمعتقد من بيوت الشعر ومواسم الحصاد إلى فضاء المسرح. وكانت عبقريته تتجلّى في التعديل الإيقاعي والبصري دون أن يُخِل بجوهر الموروث. كيف يمكنك أن تُقنع جمهورًا أوروبيًا برقصات الأعراس الرتيبة؟ كان يعرف كيف، ويعيد بناء الرقصة بتفاصيل دقيقة: حركة اليد، موضع القدم، اختيار القماش، لون المنديل.
رغم كل ذلك، بقيت فرقة الرقة مهمّشة. لم تُدعُ إلى مهرجانات دمشق الكبرى إلا نادرًا، وكأنّ بعدها الجغرافي عن العاصمة يبرّر هذا الغياب. لكن العجيلي لم يكن يبالي كثيرًا. كان يعتبر أن أهم مهرجان هو أن تصدّق المرأة الفراتية أن هذه الرقصة تمثلها، وأن يرى الطفل ابن الجزيرة في هذا العرض شيئًا من بيئته. ومع ذلك، فقد شاركت الفرقة في مهرجانات دولية بارزة في باريس، وموسكو، وتونس، وأثينا، وأبهرت العالم بما لم تبهر به وزارة الثقافة جمهورها في الداخل.
لم يكن وحده. تعاون مع كبار الكتاب والملحنين والمطربين السوريين والعرب. كتب له الدكتور عبد السلام العجيلي نصوصًا مسرحية غنائية، وأسهم في رسم ملامح الهوية الأدبية للفرقة. لحن له نوري اسكندر، وعدنان أبو الشامات، وزكي ناصيف، وسمير كويفاتي. وغنّى أعماله فنانون كبار مثل ميادة بسيليس وغسان صليبا. لكن التنسيق بين هذه الطاقات لم يكن رسميًا ولا مؤسسيًا، بل ثمرة علاقات شخصية، وجهد استثنائي من رجل عرف كيف يجعل الجميع يؤمن بفكرة صغيرة خرجت من ريف الرقة.
لم يكن المسرح وحده عالمه. كانت له نظرة تربوية أيضًا. كان يدرّب الأطفال منذ المرحلة الابتدائية، ويفتح أبواب الفرقة للجيل الجديد. يعرف أن راقص الفلكلور له عمر محدد، وأن الثقافة لا تُحفظ في الذاكرة فقط، بل في الجسد المتحرك.
من الزرب إلى بيت الشعر، من منديل الرأس إلى نغمة المجوز، من طفلة تتمايل بثوبها الفراتي إلى شيخ يصفق بإيقاع راعوي قديم، من خيال سومري إلى نظرة مسرحية معاصرة، صنع إسماعيل العجيلي لغته الخاصة. واليوم، بعد أن رحل، لا يملك الفراتي إلا أن يقف حزينًا، مودّعًا رجلًا نذر حياته لترجمة بيئته إلى فنّ خالد.
رحل إسماعيل العجيلي، وترك خلفه رقصته معلقة في الهواء، وقصيدته الراقصة تنبض على الخشبة، وصوته الهامس يقول: لا تنسوا الأطراف، ففيها تنبض الحقيقة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية