زهير أندراوس في إطار الحرب النفسية التي تشنها الإمبريالية العالمية وصنيعتها الصهيونية، بمساعدة الشخصيات السياسية والجماعات الضاغطة، تحوّل الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، إلى أديبٍ ينشر كتابا، عكف على إعداده وإخراجه صحافيا في الـ28 من عمره، ويحتفل الإعلام العبري في إسرائيل بهذا الحدث التاريخي، يُطبّل ويُزمّر، وينشر مقتطفات هدفها تقديم القرائن التي تؤكد مصداقية الرواية الإسرائيلية الرسمية في كل ما يتعلق بالصراع في منطقة الشرق الأوسط، وبما أنّ عقاب الكتاب، كتاب بوش، يُصنّف بأنّه غير كافٍ أو يكاد يكفي، تطل عليك صحيفة ‘معاريف’ بسبقٍ صحافي مفاده أن إليوت أبرامز، وهو آخر قلعة من قلاع اليمين المسيحي المحافظ في الولايات المتحدة، يعكف في هذه الأيام على وضع اللمسات الأخيرة لكتابه الجديد، الذي سيكشف بصورةٍ قاطعةٍ النقاب عن أنّ إسرائيل، نعم إسرائيل، هي التي قصفت منــــشأة دير الزور الســــورية في العام 2007، وتُشدد الصحيفة في التفاصيل على أنّ هذا الكشف جاء بعد عدة أيام من تأكيد بــــوش في مؤلفه الجــــديد على أنّ إسرائيل، نعم إسرائيل، هي التي قصفت المفاعل النووي الســـوري. تدور هذه الأحداث الهزلية، أو قل العبثية، المتجهة بقوة التسونامي نحو السريالية، وحكومة تل أبيب الثرثارة، مع أل التعريف أو بدونها، تلتزم صمت أهل الكهف، وكأنّ الأمر لا يتعلق بها، أو لا يهمها.
ولكن من وراء الكلمات، ومن خلف الأسطر، وربّما بينها، نرى أنّ القاسم المشترك بين الكشفين من إنتاج وإخراج بوش وأبرامز، وهذا الأخير بالمناسبة يؤمن، حسب كتاباته، بأنّ شارون أنقذ إسرائيل، كما أنقذ تشرتشل بريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية، نرى أنّ ما يجمعهما هو القضية التالية: الاثنان يؤكدان، كلُ على حدة، أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت، طلب من الإدارة الأمريكية قصف المفاعل السوري في دير الزور نيابةً عنها، بوش وأبرامز يشيران بشكلٍ قاطعٍ إلى أنّ بوش رفض الطلب الإسرائيلي، ولكن الأهم من هذا وذاك، أنّ المؤلفين يشددان على أنّ إسرائيل قامت بعملية القصف بعد أن فشلت جهودها بإقناع الإدارة الأمريكية، وأنّها، أي حكومة أولمرت، نفذّت العملية من دون إبلاغ حليفتها الإستراتيجية بالعملية مسبقا.
وفي توقيتٍ لافتٍ للغاية ومتزامن مع النشر المذكور، ينبري رئيس وزراء الدولة العبرية بنيامين نتنياهو، ومن وراء المحيط، يُطالب أمريكا في عقر دارها علنا، التلويح بتوجيه ضربةٍ عسكريةٍ للمشروع النووي الإيراني، لأنّ الرئيس محمود أحمدي نجاد، بحسب شريك محمود عبّاس في ما يُسمى بالعملية السلمية، لا يفهم لغة العقوبات الاقتصادية المفروضة على بلاده باسم الشرعية الدولية، التي تحوّلت في هذا الزمن الرديء إلى شرعية الغاب، وهذه النظرة الفوقية تنم عن إيمان عميق واستعلائي لدى صنّاع القرار في تل أبيب بأنّ العرب والمسلمين لا يفهمون إلا لغة القوة، وما لا يمكن الحصول عليه بقوة، بالإمكان الوصول إليه باستعمال مزيدٍ من القوة. ولكي تُنسج خيوط المسرحية وتُحبك مشاهدها، يُسارع وزير الدفاع الأمريـــكي روبرت غيتس، إلى طمأنة العالم بأنّ بلاده لن تلجأ إلى الخيار العسكري ضدّ إيــــران، طالما أنها غائصة في وحل العراق وأفغانستان، وبما أنّ تقســيم الأدوار هو الاهم في واشنطن وتل أبيب، فإنّ الرئيــــس بـــاراك أوباما، ينفض الغبار، غبار الضربة العسكرية، من حوله في جولته الأسيوية، يُنافق العالم الإسلامي ويتحـــدث عن المصالحة التاريخية معه، في نفس الوقت الذي يُطلق فيه العنان لجيشه باقتراف أبشع الجرائم ضدّ العرب والمسلمين، والمأساة، أو حتى الكارثة، تكمن في أنّ قادة الأمّة الإسلامية يصدقون أكاذيبه وتنطلي عليهم كلماته المعسولة، رغم دماء الشهداء والجرحى والمعتقلين من عربٍ ومسلمين.
وفي محاولة إسرائيلية واضحة، تتسم بالشفافية الخبيثة، حذّرت قيادة الجبهة الداخلية هذا الأسبوع من أنّ الصواريخ ستصل إلى مركز إسرائيل خلال أيّ حرب مقبلة، داعية السلطات المحلية إلى الاستعداد للتعامل مع سيناريوهات خطيرة في حال اندلاع أي حرب شاملة، وأشارت في كتيبات وزعتها على 256 سلطة محلية في إسرائيل، يهودية وعربيّة، حول سبل التعامل مع سيناريوهات الحرب الشاملة، إلى أنّه يجب الاستعداد لسقوط عشرات القتلى في تل أبيب، وإصابة المئات في مدينة حيفا، ومواجهة حالات من الهلع والخوف ومئات البيوت المتضررة بشكل كبير في حال اندلاع حرب كهذه. بموازاة ذلك، ذكرت مصادر سياسية رفيعة في تل أبيب أنّ سلاح الجو الإسرائيلي سيتسلم قريبا من الولايات المتحدة الدفعة الأولى من القنابل الذكية ودقيقة التوجيه من طراز (جي بي يو- 39)، ما سيزيد بشكل ملحوظ من قدرته على قصف الأهــــداف، وشددت المصادر على أنّ إسرائيل هي أوّل دولة تحصل على هذا الطراز من القــــنابل، علما بأنّها تعتبر من القنابل الأكثر دقة في العالم من حيث التوجيه والتصويب، وقد أثبتت الاختبارات التي أجريت في الولايات المتحدة قدرة هذه القنابل على اختراق أهداف محصنة بسمك 90 سنتيمترا من الاسمنت المسلح المقوى بالصلب، كما أنّ مدى قنبلة من هذا النوع أكثر من 110 كيلومترات ويمكن إطلاقها في أحوال جوية سيئة.
بناءً على القضايا التي ذُكرت والعلاقة العضوية بينها، يُمكن التوصل إلى نتيجة مفادها أنّ إسرائيل، بعلم أمريكا أو بدون الضوء الأخضر منها، باتت قاب قوسين أو أدنى من الإقدام على مغامرةٍ عسكريةٍ ستُدخل المنطقة، منطقة الشرق الأوسط برمتها، في دوامة من العنف وسفك الدماء، ربما أيضا استعمال الأسلحة غير التقليدية في منطقة الشرق الأوسط، ولا غضاضة بالاستعانة بالوزير موشيه يعلون، النائب الأول لرئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي صرّح يوم الثلاثاء (9.11.10) خلال مؤتمر تحديات الأمن القومي بجامعة حيفا، بأنّ بلاده تُحمّل إيران المسؤولية عن النزاعات في الشرق الأوسط، وأنّها تُطالب بتشديد التعامل الدولي مع نظام نجاد. كما أنّ رئيس هيئة الأركان العامة الأسبق في جيش الاحتلال قال إنّ ما يجب فعله تحت قيادة الولايات المتحدة وبتأييدها هو دفع النظام الإيراني إلى معضلة تجعله يقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا القنبلة النووية وإمّا الاستمرار في البقاء، وذلك بواسطة فرض عزلة سياسية وعقوبات اقتصادية عليه، وبواسطة تأييد المعارضة الداخلية له وتهديده بخيار عسكري حقيقي. صحيح، خلص يعلون إلى القول، إنّ النظام الإيراني يئن تحت وطأة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه، لكن هذا لا يكفي، ذلك أن إيران مصممة على التزود بسلاح نووي، وعلى تعزيز القدرات الإرهابية لحلفائها الذي يعملون ضد إسرائيل، وفي هذا السياق فإنها تستعين بسورية كثيرا، وهذا بيت القصيد وهنا مربط الفرس: العدوان المحتمل، ونأمل المفترض، سيكون ضدّ إيران وسورية، وبطبيعة الحال ضدّ حزب الله بلبنان وحماس بفلسطين، والتحضيرات الإسرائيلية في الجبهة الداخلية وعلى الجبهة العالمية، ربما تدخل في إطار الحرب النفسية، ولكن من غير المستبعد أن يتحول هذا الكابوس، كابوس الحرب الشاملة في المنطقة، إلى حقيقة، سندفع ثمنها غاليا بسبب تعنت حكام تل أبيب وشهيتهم غير المنقطعة للجوء إلى العنف والقتل والدمار لإحداث تغييرات سياسية في المنطقة تتماشى وتتماهى مع أطماعهم التي لا تعرف ولا تعترف بالحدود. ‘ كاتب فلسطيني من أسرة ‘القدس العربي’