إشارات الجمعية العامة للأمم المتحدة لا تطمئن العراقيين

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد-“القدس العربي”: شكلت الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة، فرصة للحكومة العراقية لمحاولة الزج بنفسها في خضم صراعات وأزمات المنطقة والمشاركة في مساعي تهدئة الأوضاع المتوترة بين بلدان المنطقة، رغم محدودية عوامل النجاح بامكانية لعبها دور الوساطة أو التأثير الحاسم لدى أطراف النزاع، وسط مؤشرات لا تبعث على الاطمئنان لدى العراقيين من محصلة اجتماعات نيويورك.

وتركز حراك الحكومة العراقية في أروقة الأمم المتحدة في نيويورك على شقين، الأول مساعي تهدئة توترات المنطقة وإبعاد النزاعات عنها لتجنب تداعياتها على الوضع العراقي المنهك أصلا، والثاني لقاءات مع قادة دول العالم لتطوير التعاون الثنائي وتشجيعهم على المساهمة في إعمار مدن العراق المحررة (المدمرة) وإقامة المشاريع المشتركة والاستثمار، لانقاذ الاقتصاد العراقي المريض.

وقد اهتم المتابعون بإشارات وردت في كلمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدى لقائه الرئيس العراقي برهم صالح، منها وصفه العلاقات بين البلدين بالمعقدة، وتشديده على ملفات تهتم بها واشنطن مثل “ضرورة حماية الأقليات الدينية العراقية، ومواجهة تصرفات إيران ونفوذها المزعزع للاستقرار” والتزام بلاده “بالديمقراطية العراقية وسيادة القانون”. وجاءت إشارة ترامب بـ”ضرورة قيام الحكومة العراقية بكل ما في وسعها للحفاظ على سوق مناسب للمستثمرين الأمريكيين وشركات الطاقة التي تسعى لممارسة أعمال تجارية في العراق” لتعكس قلق واشنطن من توجه حكومة بغداد نحو الصين وروسيا لتشجيع شركاتها للاستثمار في مجالات النفط والتسليح في العراق التي تحرص الولايات المتحدة ان يكون لها الدور الأكبر فيها. وكانت عبارة ترامب بانه “سيناقش قضايا أخرى مع الوفد بعد خروج الصحافيين” ذات دلالات لا يمكن اغفالها، وقد تعني طرح عدم رضا الولايات المتحدة عن الكثير مما يجري في العراق، لعل منها استهداف منطقة السفارة الأمريكية في بغداد مؤخرا بالقذائف، ورد البنتاغون أن “القوات الأمريكية المنتشرة في العراق لن تسمح بتعرّض مصالحها أو حياة أفرادها العسكريين أو المدنيين لأي تهديد، وأنها تحتفظ لنفسها بحق الردّ والدفاع عن النفس” في إشارة لتهديدات ميليشيات موالية لإيران، للمصالح الأمريكية في العراق.

ومع تصاعد التصريحات المتشنجة بين إيران والولايات المتحدة خلال اجتماعات الأمم المتحدة وتبادل الاتهامات بالمسؤولية عن خلق الأزمات في المنطقة، بل وإعلان ترامب رفضه للوساطة الفرنسية بين البلدين، فان الأحاديث عن دور عراقي في مساعي التهدئة في المنطقة تبدو بعيدة عن الواقع.

ولعل اتصالات ولقاءات نيويورك وظهور مؤشرات عدم الاتفاق الأمريكي الإيراني على إجراء المفاوضات لحل الأزمة، قد عجلت في تحرك استباقي من رئيس الحكومة العراقية نحو السعودية لمحاولة تهدئة الأوضاع وتجنيب العراق تداعيات خطيرة لأي نزاع محتمل، خاصة وأن السعودية أعلنت أنها بانتظار نتائج التحقيق لمعرفة جهة انطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة التي هاجمت منشآتها النفطية، وأنها تبحث مع حلفائها الرد على منفذي الهجوم.

فعقب عودته مباشرة من جولته في الصين، توجه عبد المهدي، إلى السعودية في زيارة مفاجئة، التقى خلالها الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز وولي العهد محمد بن سلمان، لبحث إبعاد المنطقة عن أي نزاع جديد، والتعاون الثنائي في قضايا مشتركة أبرزها “تعزيز حرية الملاحة واستمرار سير إمدادات النفط العالمية، إضافة إلى تهدئة توترات المنطقة”.

تسريبات في العاصمة العراقية أشارت إلى أن هدف الزيارة هو توسط الحكومة العراقية لتهدئة الأوضاع في المنطقة، وأن عبد المهدي نقل رسالة من طهران إلى الرياض حول امكانية عقد لقاء سعودي إيراني في العراق، لحلحلة الخلافات بينهما بعد يأس إيران من التفاهم مع الولايات المتحدة. وهو ما أقر به عبد المهدي عقب الزيارة، عندما وصف الأوضاع بانها “صعبة ومعقدة”.

ولم يكن مستغربا تناغم الحراك والخطاب العراقي الإيراني، في نيويورك والمنطقة، ومنها دعوة الرئيس برهم صالح لاعتماد الحوار لحل مشاكل المنطقة وإقامة منظومة أمنية لدولها، وتكرار رفضه ان يكون العراق منطلقا للهجوم على أي بلد، مشددا على وجود مصالح مشتركة تربط العراق بإيران، وهو الطرح الإيراني نفسه قبل وأثناء لقاءات نيويورك، الذي يسعى لافشال التحرك الأمريكي لإنشاء تحالف دولي ضدها، حيث عرضت طهران مشروعها لإقامة تعاون بين بلدان المنطقة وإبعاد التدخلات الخارجية عنها، وهو المشروع الذي لن يجد تجاوبا من دول المنطقة في ضوء سياسات إيران معها.

ومن جانب آخر، وضمن محاولات عبد المهدي لتجنيب العراق تداعيات أي نزاع متوقع مع إيران وتطمين المجتمع الدولي ودول المنطقة، فقد اتخذ إجراءات منها إصدار هيكلية جديدة للحشد الشعبي، تم بموجبها إلغاء منصب نائب رئيس الحشد الذي يشغله أبو مهدي المهندس المثير للجدل، وإعادة توزيع فصائل الحشد وأماكن تجمعاتها ومخازن أسلحتها، مع بذل الجهود لضمان عدم مشاركة الفصائل في أي حرب ضد إيران. إلا أن المتابعين يعتقدون أن هذه الإجراءات لن تطمئن الآخرين، حيث سيبقى المهندس في منصب جديد ضمن الحشد، كما أن بعض الفصائل أعلنت تمسكها ببقائه في قيادة الحشد، مكررة وقوفها إلى جانب إيران في أي مواجهة معها.

والمؤكد ان اجتماعات الأمم المتحدة الحالية، أرسلت إشارات مقلقة منها أن جهود التهدئة التي تحاول الحكومة العراقية القيام بها لا جدوى منها، وان محاولات إيران جمع بعض دول الخليج العربي في تحالف بعيد عن التأثير الأمريكي تبدو ضربا من الخيال لأسباب كثيرة معروفة، وبالتالي فان أجواء التوتر ستظل مخيمة على المنطقة مع توقع مواقف دولية تركز على لجم السلوك الإيراني والحد من نفوذ طهران وأدواتها المهددة لاستقرار المنطقة، وبالتأكيد لن يكون العراق بعيدا عن هذه التداعيات والتطورات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية