إشكالية الديمقراطية والاحتلال وتضارب المصالح والمبادئ

حجم الخط
0

إشكالية الديمقراطية والاحتلال وتضارب المصالح والمبادئ

د. سعيد الشهابيإشكالية الديمقراطية والاحتلال وتضارب المصالح والمبادئهناك ما يشبه الاعتراف في اوساط الجهات المعنية بالتطور السياسي في العالم العربي بان ما بدا قبل بضعة اعوام من توجه نحو الدمقرطة والانفتاح السياسي لم يكن سوي حقن تخدير أعدتها جهات معروفة ـ مجهولة، سرعان ما انتهي مفعولها. فما أسباب التراجع؟ والي أين ستسير اوضاع العالم العربي بعد هذه الحقبة؟ ومن المسؤول عن ابقاء اوضاع الشعوب العربية في حالة احتقان دائمة، تغيب عنها بوارق الامل، وتهيمن عليها سحب الاكتئاب؟وبرغم ما يقال عن مصر فانها تعتبر بوصلة الوضع العربي في اغلب المجالات. فعندما كانت ترفع لواء التحرر والثورة في الستينات كانت الدول العربية تردد اصداء نداءاتها، وعندما انسحبت من الصراع مع اسرائيل في 1978 بتوقيع اتفاقات كامب ديفيد ضعف الصف العربي، وتحركت الدول التي تضامنت مع العرب في العقود السابقة لاعادة علاقاتها مع الكيان الاسرائيلي، وحين جنح الحكم نحو الانفتاح السياسي في الاعوام الاخيرة، ترددت اصداء تلك الاجواء في زوايا العالم العربي. والآن اصبح واضحا ان مصر لم تعد ملتزمة بمشروع اصلاحي واسع، وهو الامر الذي يتكرر في بقية الدول العربية التي تتشابه اوضاعها مع مصر. فالقاهرة اليوم فتحت ابواب سجونها للمئات من السجناء السياسيين خصوصا من جماعة الاخوان المسلمين، وسعي حكامها للهيمنة علي القضاء وقمع الحريات العامة والتخلي عن فكرة التعددية السياسية وحرية الاحزاب في المشاركة الحقيقية في الحكم. وهذا ما يحدث في البحرين والاردن، حيث تراجعت نغمات الاصلاح السياسي والانفتاح، وفتحت الزنزانات مجددا لتستقبل المناضلين والأحرار. بينما بقي الوضع في المملكة العربية السعودية علي حاله، بدون اي تطور، حيث العائلة المالكة تهيمن بشكل كامل، وتأبي فتح الباب السياسي امام المواطنين للمشاركة في صنع القرار السياسي او الادارة المدنية. والسؤال هنا: السعودية وامريكا: من استطاع احتواء من (في مجال الحريات والديمقراطية). الواضح ان السعودية لم تخط خطوة حقيقية واحدة علي طريق الممارسة الديمقراطية، ولم تتخذ واشنطن اية خطوة لدفعها لذلك. وبالتالي فان حديث الرئيس بوش عن دمقرطة الشرق الاوسط انما كان لإسكات مناوئيه من الامريكيين، الذين اعترضوا علي الحرب الاخيرة في العراق من جهة، واقناع الجماهير العربية والاسلامية بنبل الهدف من ورائها متمثلا بترويج الديمقراطية. فهل تكمن المشكلة في النظم السياسية وحدها؟ ام في التوجهات السياسية للدول ذات التأثير المباشر علي الوضع العربي كالولايات المتحدة الامريكية؟ ام في حركات المعارضة، خصوصا الاسلامية منها؟ ام ان الوضع مرتبط بالحسابات المصلحية للجهات ذات الصلة بالاصلاح السياسي؟ فبرغم توسع دائرة النقاش في الشأن الديمقراطي في اغلب دول العالم العربي، ما تزال الممارسة السياسية أبعد ما يمكن عن الحرية والديمقراطية، وما تزال قضايا الحقوق المدنية والسياسية وحقوق الانسان مرتبطة بالمصالح وليس بالمباديء، ويستبعد ان يتحمس الغربيون خصوصا الامريكيين لقضايا الحريات والديمقراطية في العالم العربي بعد بعض التجارب غير المشجعة لهم. فانتخابات مصر العام الماضي التي قيل وقتها انها بداية انفراج سياسي سوف ينعكس علي المنطقة بأكملها، فتحت المجال لصعود عشرات الاسلاميين من جماعة الاخوان المسلمين. وبرغم الحصار السلطوي علي الجماعة، فقد حصدت 88 مقعدا، اي ما نسبته قرابة الـ20 بالمائة من مقاعد البرلمان. ثم جاءت الانتخابات الفلسطينية لتفتح المجال امام حركة المقاومة الاسلامية (حماس) للفوز بأغلبية مقاعد المجلس الوطني الفلسطيني، وتشكيل اول حكومة يتزعمها الاسلاميون في الارض المحتلة. جاء الضغط الا مريكي لما اسموه الاصلاح الديمقراطي علي خلفية الوضع العراقي الذي وضعهم في حيرة ايضا. ففوز الاسلاميين من الشيعة والسنة في الانتخابات البرلمانية الاخيرة استقبل بفتور امريكي واضح، وبالتالي سعوا لاحتواء آثار تلك الانتخابات، والحد من تأثيرها علي نفوذهم في ذلك البلد المحتل. فاعترضت واشنطن علي شخص رئيس الوزراء، ووزراء الداخلية والدفاع والامن القومي. وبرغم القبضة الحديدية التي تمارسها علي العراق، فهناك خشية متصاعدة من ان يؤدي استقرار العراق الي تلاشي النفوذ الامريكي خصوصا في مجال الهيمنة العسكرية والقواعد والسياسات النفطية والعلاقات الخارجية، وهذا مناف للاهداف التي قامت الحرب من أجلها. الامريكيون يواجهون اشكالية حقيقية بين الرغبة في تشجيع الممارسة الديمقراطية في العالم من جهة، وعدم استعدادهم لتحمل نتائجها من جهة اخري. ويزداد الحديث عن الديمقراطية عندما تتفاقم الخسائر بين الجنود الامريكيين في العراق، او تتصاعد لغة الحديث حول الحرب، او تظهر استطلاعات الرأي العام عدم الرضا من الاستراتيجية الامريكية في العالم. فمثلا، تزامن مع القمة الامريكية الاوروبية الاسبوع الماضي في فيينا الاعلان عن نتائج استطلاع عام بين الاوروبيين يعتبر ان الولايات المتحدة أكثر خطرا علي أمن العالم من دول اخري، مثل كوريا الشمالية وايران. وقد انزعج الرئيس جورج بوش من هذا الاتجاه الخطير في الرأي العام الاوروبي الذي يفترض ان يكون الأكثر ولاء للولايات المتحدة. وعبر عن استيائه من ذلك واعتبره غير معقول ولكنه برره بالخلاف حول موضوع الحرب ضد العراق. الاستطلاع الذي أجراه في 13 حزيران/ يونيو مركز بيو للأبحاث للشعوب والإعلام، كشف ان الناس في بريطانيا وفرنسا وأسبانيا يعتبرون ان الحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد العراق تهديد أكبر لأمن العالم من حكومة ايران ومشروعها النووي. هذا الاستياء الاوروبي من السياسة الامريكية يحمل أبعادا غير قليلة علي العلاقات الاستراتيجية بين جانبي الأطلسي، ومن شأنه ان يؤدي الي المزيد من العزلة والتباين ازاء السياسات المستقبلية حول قضايا العالم. وكما هي العادة، فقد تضمن أحد ردود الرئيس الامريكي علي نتائج الاستطلاع استغرابه من اعتبار بلده مصدر خطر علي الامن العالمي، وعاد مجددا للحديث عن الديمقراطية في الشرق الاوسط. هذا الحديث لا ينفصل عن النظرة الاوروبية في اطارها العام للثقافة الامريكية ايضا. ففي الدول الاوروبية هناك حماس للثقافة الامريكية بقدر الحماس ضد السياسات الخارجية للبيت الابيض. وبهذا تبدو العلاقات اكثر تعقيدا بين الطرفين. ووفقا للاستطلاع المذكور، فان نسبة ذوي المواقف الايجابية في فرنسا واسبانيا وألمانيا، ازاء السياسات الامريكية لا تصل 40 بالمئة. هذا يعني ان الاوروبيين لم يقتنعوا بالذرائع الامريكية التي طرحوها لتبرير الحروب والتدخل في المناطق الاخري وخصوصا في الشرق الاوسط. واذا اضيف الي ذلك حقيقة اخري وهي ان هناك رأيا عاما في اوروبا يتسم بالسلبية تجاه اسرائيل فان الصورة تبدو اكثر وضوحا، فهناك تلازم بين السياسات الامريكية والعدوان الاسرائيلي من جهة، وفقدان الامن العالمي من جهة اخري. تصريح الرئيس الافغاني، حميد كرزاي، الاسبوع الماضي، الذي دعا فيه المسلمين للوقوف بوجه الارهاب، ليس بالتصريحات فحسب، بل بتجفيف المنابع المالية والفكرية، يؤكد تعمق المشكلة: علي العالم ان يتوجه الي الاماكن التي يترعرع فيها الارهاب، الاماكن التي تقدم له المال والايديولوجيا، فهذه الحرب يجب ان لا تنحصر في افغانستان . جاء ذلك في ضوء التصريحات التي ادلي بها أيمن الظواهري، الرجل الثاني بتنظيم القاعدة، والتي تحرض علي مواجهة القوات الامريكية والبريطانية في افغانستان. الدعوة ليست جديدة ولكنها تأتي في ظروف ما بعد مقتل الزرقاوي، وما ينطوي عليه ذلك الحدث من احتمال العودة لاستهداف القوات الاجنبية في العراق وافغانستان، وتلاشي الحرب الطائفية التي كان الزرقاوي يعمل من اجلها. واذا كانت تلك الحرب قد ساهمت في اضعاف بريق الديمقراطية، بتحويل العراق الذي يفترض ان يكون واحة للممارسة الديمقراطية الي ساحة دامية، فان تلاشي ذلك التوجه بغياب الزرقاوي من شأنه ان يعيد التوازن الي المطالبة بتحسين الاوضاع السياسية في العالم العربي علي وجه الخصوص، والتصدي للاستبداد والديكتاتورية بعنفوان اقوي. الرئيس الافغاني يدرك ان الارهاب خطر علي الجميع، وان الممارسة الديمقراطية التي حدثت في افغانستان لا تعني الكثير طالما بقيت القوات الاجنبية علي اراضي ذلك البلد. فذلك التواجد واحد من العناصر التي توفر الوقود للجهات المتطرفة والارهابية. تلك العناصر نشطت في حقبة الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، بمساعدات امريكية، وقامت ايديولوجيتها علي اساس مواجهة الاحتلال، وتري اليوم في تواجد القوات الاجنبية علي الاراضي الافغانية والعراقية احتلالا تجب مقاومته. هذا الوضع لا يمكن ان يخدم مصالح الدول الغربية، لانها اصبحت مستهدفة بسبب وجودها العسكري في المنطقة، كما لا يخدم المسلمين عموما لانه يبعد الانظار عن قضاياهم المعيشية، الاقتصادية والسياسية. والطرف المستفيد بشكل أكبر هو الانظمة العربية الرافضة للاصلاح والانفتاح، والمصرة علي الاستمرار في انماط الحكم القمعية. المشروع الديمقراطي الذي يطالب به دعاة الاصلاح في العالم العربي يواجه هذه الصعوبات بشكل يمنعه من الانطلاق والوصول الي مراحل النضج والثمرة. فالوضع اصبح اكثر استقطابا بين قوات محتلة (انكلو ـ أمريكية من جهة، واسرائيلية من جهة أخري)، ومجموعات مسلحة تتبني العنف المفرط لمواجهة ذلك الاحتلال، بما في ذلك العمليات الانتحارية التي لا يمكن احتواؤها بسهولة، او اعلان الانتصار عليها. في هذا الخضم، اصبحت الدعوات للديمقراطية والاصلاح السياسي أقل جذبا للانظار، حتي لتبدو احيانا في غير محلها امام حمامات الدم التي تجري في العراق والصومال وافغانستان والشيشان. وقد تفسر هذه الاوضاع حرص الحكومات العربية علي اطالة امد الصراع الدموي في العراق، لعلمهم ان انتهاءه سوف يفتح الباب مجددا علي موضوع الاصلاح السياسي والديمقراطية. كما انه يوفر عليها احتمالات عودة المقاتلين في صفوف المجموعات المسلحة الي بلدانهم، وما تمثله تلك العودة من احتمالات سفك الدماء والارهاب. وما حدث في الجزائر قبل خمسة عشر عاما شاهد علي ذلك. فعودة العرب الأفغان ساهم في اذكاء الصراع الدموي الذي تأجج في البداية كحركة احتجاجية ضد الغاء الممارسة الانتخابية بعد ان بدا ان الاسلاميين سوف يحصدون مقاعد البرلمان الجزائري، ولكنه سرعان ما تحول الي ارهاب اعمي لا يوفر احدا، بل يحصد الارواح بلا توقف. ولا شك ان انتهاء الفصل الدموي في العراق سوف يؤدي الي وضع مماثل، ما لم يكن انهاء ذلك الفصل مدروسا وفق خطط لاحتواء آثاره. الحكومات العربية لا تتمني عودة مواطنيها الذين انخرطوا في المجموعات الارهابية المسلحة في العراق، لان ذلك يمثل بداية فصول دموية في تلك البلدان. وما حدث في السعودية الاسبوع الماضي من مواجهات بين قوات الامن ومجموعة صغيرة من المتطرفين، يؤكد هذه المقولة، ويدفع للاعتقاد بان السعودية ودولا أخري تسعي لاطالة امد الصراع الدموي في العراق لمنع عودة المسلحين الي اراضيها. الصراع من اجل الديمقراطية إذن، اصبح معقدا لان الفرقاء المعنيين به اصبحوا ينظرون اليه وفق حسابات خاصة. فالنشطاء من اجل الديمقراطية اصبحوا مكشوفين سياسيا، بعد ان تخلت واشنطن عن مشروع دمقرطة الشرق الاوسط ، واصبحوا يدخلون السجون مجددا بعد توقف مؤقت، خصوصا في مصر والبحرين والسعودية وحتي في المغرب والاردن. والامريكيون اصبحوا اقل حماسا لديمقراطية تسمح بصعود الاسلاميين الذين لا ترغب فيهم الي مواقع متقدمة في النظم السياسية العربية. وحكومات الدول العربية اصبحت أكثر تحسسا من تصاعد نغمة الاصلاح والدمقرطة، وتتمني ان لا تتوفر الفرص لنجاحها. وهكذا تبدو أهداف اللاعبين في المعترك السياسي العربي متداخلة جدا، يصعب علي الكثيرين استيعاب أبعادها. الأمر المؤكد ان الاستبداد ليس حلا، مهما تغيرت الوانه ومسمياته، وان تأجيل المعركة الديمقراطية لا يعني إلغاءها، وان تراجع الحماس الامريكي للمطالب الديمقراطية لن يؤدي الي فشلها، بل سوف يزيد الوضع توترا، ويزيد من المخاطر المحيطة بالقوي الكبري ذات المصالح في المنطقة العربية. هذا التداخل والتعقيد اصبحا عنصرين صعبين في المعادلة الديمقراطية، ولن يحسما بسهولة. اما واشنطن فان مصالحها علي المدي البعيد لن تتحقق بدعم الاستبداد والقمع، بل بدعم الاصلاح السياسي من جهة والتخلي عن عقلية الاحتلال والهيمنة من جهة اخري. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية