أ . د . علي الهيل إرتياب ‘العرب و المسلمين’ حكاما (و إنْ كان بعضهم لا يصرّح بذلك عَياناً لأسباب لم تعد خافية على أحد) و ليس محكومين فحسب – بالكاد ثمةَ استثناء – من أي تعاطف قد يبديه ‘الغرب’ إزاءَ أحوالهم هو ارتيابٌ جينيٌّ و فِطريٌّ وتاريخي يسري في أجسادهم مسرى الدم في العروق. وإنْ تحاشينا فرضية ‘الإرتياب’ منذ قرون خلت لنتخلص من تهمة ‘الهلع العاطفي أو the moral panic’ الذي عادةً ما يُردفها ‘الغرب’ بنا، كلما تناقشنا حول إشكالية علاقتنا معه، فلا ريبَ و لا مراء و ما من أدنى شك (والشك جزء من الريب) أنه بدأ مع خلق ‘الغرب’ للكيان ‘الإسرائيلي’ على أنقاض الشعب الفلسطيني عام ثمانية و أربعين و تسعمائة و ألف، فقط بعد ثلاث سنوات من صدور قرار تآمري عن ‘محلس الأمن الدولي’ (الغربي) التابع للغرب إلى يومنا هذا بتأسيس دولة لليهود على أرض فلسطين العربية الإسلامية المسيحية في أبشع صورة إحلالية إستئصالية وفي أفظع عملية تزوير لحقائق التاريخ والجغرافيا وفي أكثر عمليات السطو والسرقة سفوراً في التاريخ البشري قامت وما تزال تقوم بها دول توصف ‘بالمجتمع الدولي’.و ياليتهم كانوا يهوداً فهم ساميون مثلنا و بيننا وبينهم نقاط في الثقافة مشتركة، وكثيراً ما نشاهدهم يتظاهرون في الغرب ضد ‘إسرائيل’، ومؤخرا كانوا على الحدود الأردنية الفلسطينية ‘ الإسرايئلية’، نصرة للقدس كالأندونيسيين والماليزيين وغيرهم، بَيْدَ أن الذين إحتلوا فلسطين من بحرها إلى نهرها بقوة ‘الغرب’ قطعاً هم ‘صهاينة’ لا يمتون في سلوكهم وتصرفاتهم عموما تجاه شعب فلسطين ولا سيما أطفاله للديانة اليهودية التي نحن المسلمين نصيا مطالبين بالإيمان بها في قول الله الحق في القرآن الكريم ‘ كلٌّ آمن بالله و ملائكته كتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله’ (سورة البقرة آية: 284)، ولا لأخلاق النبي (إسرائيل) عليه السلام والذي للأسف سُميت دولتهم الإرهابية باسمه وهو إسمه قرآنياً النبي (يعقوب) عليه السلام. و عليهِ ، فإن ”لتكالب’ المفاجىء أو ‘المباغت’ بمعنىً أدق من ‘الغرب’ على دماء العرب المراقة في بلدان ‘الحرية الحمراء العربية’ وليست بلدان ‘الربيع العربي’ لأنها تسمية غربية مفخخة للغرب من وراء إطلاقها و تدشينها مآرب خبيثة، إذن ‘تكالب’ ‘الغرب’ بعباراته النارية ‘الإنتقائية’ ضد الأنظمة الشمولية (حسب مسافة المصالح مع هذا النظام أو ذاك) طبعاً التي ‘الغرب’ هو أصلاً من أتى بها أو على الأقل رعاها و تبناها وزكاها لصالح ما يبدو أنه تحيز للشعوب العربية رغم معرفته من أول يوم بفساد تلك الأنظمة وقمعها للشعوب بدرجات متفاوتة، غير أنه لم يكترث لأن الشعوب تحت هيمنة تلك الأنظمة فيما مضى كانت تؤثر السلامة، وكان ذلك بالضبط ما يبغيه ‘الغرب’ لأنه كان هو الآخرُ يؤثر مصالحه و على رأسها ‘أمن إسرائيل و أمانها’ على حساب أمن و أمان الفلسطينيين، أصحاب الأرض الشرعيين. و يتساءل كثير من العرب و المسلمين و كذا أصدقاؤهم في العالم عن مؤسسات أو عائلات الحكم التي لم تثُر الشعوب ضدها بعدُ و التي هي أيضا حليفة ‘للغرب’ منذ أمد بعيد و التي يوصف بعضها بأنها ليست أقل سوءاً وديكتاتورية وقمعاً من تلك التي ثارت الشعوب ضدها، مما يجعل الكثيرين في الكون كله يتأكد من النظرة ‘المكيافيلية’ الصارخة المنافقة التي بطبيعة الحال تتناقض إلى حد الإرتطام مع ما يدعيه ‘الغرب’ من قيم ديمقراطية وبرلمانية وحرص على حقوق الإنسان وهو ما صرح به لي شخصيا مذيعون ومنتجون إنكليز من البي بيسي (راديو لندن الإنكليزي) في لقاءات لي معهم عن الشأن السوري. أعجبتني جملة جريئة لمسؤول قَطَرِي سابق رفيع المستوى، حين سُئلَ: لماذا تدخل ‘الغرب’ في ليبيا عســــكريا ولا يقــــبل التدخــل في سورية مكتفيا ببيع الكلام ‘تحت أي ظرف من الظروف’ كما صرح بذلك الرئيس الفرنسي مؤخراً نيابة كما بدا عن دول ‘النيتو’ و’الغرب’ قاطبةً ، فأجاب الوزير القطري السابق: ‘الغرب’ هو ‘إسرائيل’ و’إسرائيل’ لا تفضل التدخل لأنها تحبذ ‘الشيطان’ الذي تعرفه خير من ‘الشيطان’ الآتي الذي لا تعرفه. ومثل هذا وأكثر منه قاله (جون ميرشيمار وستيفن وُلْتْ) في كتابيهما (2006) ‘اللوبي الإسرائيلي والسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط’ وتجاسر على قول شبيه له و ما أخطر منه كثيرون غيرهما في الغرب، لوحقوا في أرزاقهم وأُلصقت بهم تهمةُ ‘معاداة السامية’.قد لا نشكك كثيراً في نوايا بعض دول ‘الغرب’ ومؤسساته المنعوتة بالأممية التابعة ‘للأمم المتحدة’ التي هي أساسا ورأساً غربية القرار في دعمهم للثورات الشعبية العربية مع كل إنتقائيته المستهجنة، غير أن العرب والمسلمين ينظرون بريبة شديدة إلى ‘الغرب’ بسبب تحيزه المطلق ـ بالكاد لا يوجد إستثناء – ‘لإسرائيل’ رغم وضوح نهجها الإرهابي العدواني إزاء الفلسطينيين، وهنا تكمن الإشكالية وأزمة المصداقية مع ‘الغرب’. فمثلاً، أين كانت (نيفي بيلاي) المفوضة الأممية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة وبالمعنى الواقعي العملي التطبيقي التابهة ‘للغرب’، التي تتحدث عن إزهاق أرواح أطفال سورية من إزهاق ‘إسرائيل’ لأرواح أطفال فلسطين وغزة التي تشهد إستهدافا منهجيا ‘إسرايئليا’ يكاد يكون يوميا؟ لماذا لم تنبس ‘المسؤولة الأممية’ بِبِنت شفةٍ حول قتل ‘ إسرائيل’ أطفال فلسطين؟ ومثلها كل المسؤولين الغربيين و’الأمميين’ السائرين في ركابهم.. إنه قمة الإفلاس الأخلاقي ويكاد لا يوجد له نظير في التاريخ البشري. إن العرب و المسلمين وغيرهم كثير في العالم بمن فيهم غربيون وأوروبيون وأمريكيون مثقفون و أناس عاديون يدركون أن الغرب لم يعد فقط مفلساً إقتصاديا بل وأخلاقيا ويعزوا الكثيرون الإفلاس الأخلاقي ‘للغرب’ نتيجة للإفلاس الإقتصادي (أو العكس) الناجم عن أخلاقيات غير سوية أو إنسانية في غزو كل من العراق وأفغانستان حديثا، وإعطائه ‘إسرائيل’ الضوء الأخضر للعيْث فساداً وقتلاً وتدميرا في فلسطين. ‘ أكاديمي و كاتب قطري