مازلت أتذكر ناقدا عرّفني بنفسه على أنه دارس مختص بالمناهج النقدية الحديثة جدا جدا، وهو يرفع يديه بزهو كبير، على اعتبار أنها الأحدث والأجد. المشكلة التي لم يدركها الناقد العزيز هو أن الأحدث والأجد بمرور وقت قصير يصبح قديما، وليس ابن لحظته الراهنة. هذه نقطة مهمة لا بد من الالتفات إليها من قبل النقاد والأكاديميين ودارسي الأدب، لأن الناقد إذا اعتبر نفسه حديثا جديدا، ملمّا بكل الاتجاهات النقدية في البيئة المكانية التي ينتمي إليها، هذا لا يعني أنه حديث بالنسبة للمجتمعات الأكاديمية الأخرى، وأن على الدارس أن يطور ويجدد أدواته، فالتخصص بمنهج نقدي ما وتطبيقه مدى الحياة، يدل على عجز الباحث والدارس على تطوير نفسه. هذا الناقد الذي اعتبر السيميائية منهجا حديثا جدا لا اختلف معه في أن السيمايئية حديثة في الوطن العربي، ولكن تبعها الكثير من النظريات والمناهج التي طرحت مفاهيم متعددة، أصبحت تقارب النص بطرق مختلفة ومغايرة، وتكمل وتراجع وتحلل بعمق، مثل الدراسات مابعد الحداثية التي أكملت مشروع الحداثة الناقص، وعدّلت عليه.
الدراسات البنيوية من أسلوبية وسيميائية أسست ورسخت أساسيات مهمة في نقد الأدب، ودراسات النص الأدبي، ظهرت من رحم الشكلانية الروسية، والمنهج البنيوي، ولكن هذا لا يعني أن هذه المناهج صالحة دوما وأبدا، بل يعني أن هناك ضرورة للبحث في إشكالية التشابه والتكرار، وتناسخ الأفكار نفسها، وعدم تجديد الدراسات العربية الحديثة. وعلينا معرفة أن الدراسات البنيوية ليست هي الاتجاه الوحيد الصالح للقراءة النقدية. وما يحدث في عالم النقد الأدبي العربي حاليا هو تطبيقات واسعة بدراسات تتبنى مناهج محدودة مثل: الأسلوبية والبنيوية والسيميائية بتفرعاتها. يقول الناقد الماركسي الإنكليزي تيري إيجلتون في صدد نقده للبنيوية، مبينا نقطة ضعف التحليل البنيوي: لو أخذنا عبارة «الصبي يتنازع مع أبيه» على اعتبار أن «الأدنى يتمرد على الأعلى» «من الملاحظ أن هذا النوع من التحليل، مثل الشكلانية، يضع المحتوى الفعلي للقصة بين قوسين ويركز كليا على الشكل. وهكذا يمكنك أن تستبدل بالأب والابن، وبالحفرة الشمس، عناصر مختلفة تماما- أما وابنة، عصفورا وخلدا- وتبقى لديك القصة ذاتها. فما دامت بنية العلاقات بين الوحدات قائمة، لا يكون مهما ما هي المفردات التي تختارها». ( تيري إيجلتون، نظرية الأدب).
ما يوضحه، هنا، إيجلتون هو إن البنيوية ليست معنية بالوحدات الفردية التي من الممكن استبدالها إذا كانت العلاقات الثقافية سليمة. كما يحدد ايجلتون ثلاث ملاحظات لافتة ومهمة على المنهج البنيوي من المفيد ذكرها هنا:
لا تهتم البنيوية بكون الأعمال المدروسة هي نماذج من الأدب العظيم أم لا. فالناقد البنيوي لا يهتم بالقيمة الثقافية لموضوع النص، لأن المنهج يقوم على التحليل وليس التقويم.
ما يوضحه، هنا، إيجلتون هو إن البنيوية ليست معنية بالوحدات الفردية التي من الممكن استبدالها إذا كانت العلاقات الثقافية سليمة.
الملاحظة الثانية كما يقول إيجلتون: «هي أن البنيوية إهانة محسوبة للحس السليم، أو الفهم الشائع. لا تتناول قيمة النص الظاهرة بل تقصيه بحثا عن أشياء مختلفة تماما تخالف الفهم الشائع للنص» (إيجلتون، المصدر السابق).
تنظر البنيوية لمحتوى السرد أنه يكمن في بنيته، وكأن العملية النقدية البنيوية هي البحث في علاقاته الداخلية وحسب، والبحث في السرد يكمن في بنية السرد وشكله.
نحن كنقاد وقراء نحتاج أن نخرج من هذه القوالب الجاهزة والتعامل مع النص كعملية حسابية بالجمع والتقسيم، والبيانات الهندسية لكي نصل إلى نتيجة هي بالأساس أمور تتحقق من خلال النظرة المتفصحة للنص، من دون عد وجمع، بل علينا تقديم قراءات تفتح آفاقا متعددة للنصوص نسائل فيها بنية النص، وما يصرح ويلمح عنه النص، والمناطق المسكوت عنها في النصوص وما أكثرها، حتى إن كان المسكوت عنه يكمن في بنية النص اللغوية الكلاسيكية، في زمن متطور فكريا ومعرفيا في زمن أصبحت فيه الأشكال اللغوية هي أشكال منبثقة من هوية وثقافة الفرد التي ترتبط بالجماعة. ولا ننسى طبعا النقد الثقافي وما يفتحه من إمكانيات في قراءة المجتمع من خلال النص، ومن خلال وسائل الإنتاج المتعددة في المجتمع. وهذا أمر مهم، علينا أن نقرأ تكوين مجتمعاتنا ونتحسس من النصوص النماذج والأشكال التي صنعتنا وأنتجتنا، والعادات الجديدة والمستحدثة الخ.
يبدو أن الناقد العربي يعيش عددا من الأشكاليات التي أضع بعضا منها ولا أحصيها:
أولا: الألفة والاعتياد على نوع واحد من النقد، يجيده أثناء دراسته، ويمارسه في كل دراساته اللاحقة، ما يعكس كسل عقل الناقد وعدم قدرته على التطور. والأمثلة، حقيقة، متعددة على هذه الظاهرة، فلو التفتنا إلى القراءات النقدية الموجهة لرواية «موسم الهجرة إلى الشمال»، سنجد أن مجموعة كبيرة منها تتكئ بشكل واضح على ما قدمه الناقد المصري رجاء النقاش في دراسته «الطيب صالح: عبقرية روائية جديدة»، باستثناء مقالات ودراسات نقدية قليلة اتخذت مسارات نقدية مختلفة مثل، دراسة خيري دومة الأكثر من رائعة بعنوان: «عدوى الرحيل: موسم الهجرة إلى الشمال ونظرية ما بعد الاستعمار». وهذا الأمر تحدثت عنه في دراسة سابقة بعنوان «تطبيقات نظرية «ما بعد الاستعمار» في رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح: «الاستغراب» و»الهجنة» أنموذجا. إذ كتب رجاء النقاش في مقال نقدي عن الطيب صالح بعنوان: «الطيب صالح.. عبقرية روائية جديدة»، متزامنا مع بدايات انتشار الرواية يصفه فيه بأنه عبقري الرواية العربية، ويبين ميرغني كيف أن هذا المقال رسم طبيعة القراءات النقدية لها وخلق نوعا من القراءات الأحادية مثلما يوضح ميرغني: «ولكن الإشكال أن قراءة رجاء النقاش للطيب صالح، مارست تأثيرا طاغيا على كل من أتى بعده، حتى أن حزمة الروايات التي ذكرها باعتبارها تتحدث عن هموم موسم الهجرة إلى الشمال نفسها، وهي «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، و»قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، و»الحي اللاتيني» لسهيل إدريس، صارت تنتقل من دراسة إلى أخرى، بحيث صرنا نتوقعها آليا في أي دراسة عن الطيب صالح». (هاشم ميرغني، «الطيب صالح وإشكاليات الخطاب النقدي، مجلة العلوم والتكنولوجيا، مجلة «العلوم الإنسانية»، 13 (1)) وهذا حقيقة ما أخشى أنه يحصل في أغلب الدراسات العربية، بحيث توجهنا القراءات السابقة لنوع معين من القراءات نحن بحاجة إلى الابتعاد عنه والتغريد خارج السرب، والخروج من سرب التشابه إلى الاختلاف والتنوع.
الإشكالية الثانية الأكثر خطورة هي احتماء وتحصن الناقد العربي في قضية المناهج الداخلية، التي تحميه من المساءلات السياسية والاجتماعية والدينية.
ثانيا: الإشكالية الثانية الأكثر خطورة هي احتماء وتحصن الناقد العربي في قضية المناهج الداخلية، التي تحميه من المساءلات السياسية والاجتماعية والدينية، لأنه يصف ويحلل ويعرض ويمدح ويتغزل بالبنية الظاهرية للنص، ويتعامى عن التبصر والتفكر والتدبر بمضمرات النصوص وتحليلها واستنطاقها وإظهارها إلى السطح، فتكون قراءته أشبه بقراءة أولى للنص في سبيل كسب ود كاتب ما والابتعاد عن تبعات النقد الحر الجريء.
ثالثا: قضية «موت المؤلف» تعد مشكلة حقيقية في قراءة النصوص، مع إيماني المطلق، بضرورة عدم التعرض والتجريح لذات المؤلف وعدم مساءلته بالمعنى الأيديولوجي الضيق، بل علينا بالمقابل، فهم طبيعة العملية الإبداعية التي تبدأ بالمؤلف وتكوينه الفكري والثقافي، واطلاعه الواسع على المدارس الفكرية والأدبية والجمالية التي من خلال إحداها ينبثق نصه ويتجلى. والأهم من هذا، فهم المؤلف للسمات والمكونات والتطورات الحاصلة على الجنس الأدبي، الذي يحاول أن يبدع فيه. ليس من المعقول، أن يكتب مبدع نصا في جنس ما وهو لا يفهم طبيعته واشتراطاته، ويخفق إخفاقات حادة في الشكل والمضمون، ولا يحق لنا هنا أن نسائل تكوين الرجل الفكري والمعرفي بمنظور فكري ضيق. الأدب الحقيقي ليس محصلة محاولات وتجارب فاشلة لا تصمد أمام التاريخ، بل من يكتب الأدب لا بد أن يكون على قدر هذه المسؤولية الأخلاقية والجمالية والفنية. وإذا كان الأديب لا يستطيع فهم هذه القضايا، فمن حق الناقد أن يوضح للأديب مثالب نصه التي هي نتاج عقله وتكوينه المعرفي وقدرته الإبداعية في النهاية، وعلى الأديب أن لا يتحسس، ولا الناقد كذلك، لأنك في النهاية عندما تنقد عمل الرجل فهو في النهاية نقد لعقل الرجل في هذا العمل من دون تجريح أو قسوة.
ختاما، أخشى أن ألتقي بعد عشر سنوات بناقد وناقدة يعرفان أنفسهما على أنهما من نقاد المناهج الجديدة: (البنوية والسيميائية)!
٭ كاتبة من الكويت