الخرطوم ـ «القدس العربي»: في وقت اعتبرت فيه قوى «الحرية والتغيير» مقاطعة جميع أطراف المعارضة للمحادثات المباشرة التي أطلقتها الآلية الثلاثية المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي و«إيغاد» فرصة «لتوحيد قوى الثورة المناهضة للانقلاب» أكدت أنها سوف تجتمع بالمكون العسكري في لقاء «غير رسمي» برعاية أمريكية سعودية. وتزامن ذلك مع قمع الأجهزة الأمنية، بالرصاص الحي والغاز المسيل الدموع، أمس الخميس، تظاهرات في الخرطوم، تطالب بإسقاط الانقلاب وتسليم السلطة للمدنيين.
نداءات استغاثة
وعلى أثر التظاهرات، أطلقت لجنة أطباء السودان المركزية، نداءات استغاثة، بعد سقوط عشرات المصابين في الاحتجاجات.
وقالت، في بيان، إن «تظاهرات مدينة الخرطوم المتجهة نحو القصر الرئاسي وسط الخرطوم تعرضت إلى قمع مفرط من قوات الأمن التي استخدمت الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية في مواجهة المتظاهرين، مما أدى إلى سقوط عدد من المصابين من بينهم إصابات خطرة وغير مستقرة».
ونددت باستخدام السلطات القوة المفرطة في قمع التظاهرات، محملة قادة الانقلاب مسؤولية سلامة المحتجين.
وبينما حاولت الأجهزة الأمنية تفريق تظاهرات مدينة الخرطوم، منذ انطلاقها من نقطة التجمع في تقاطع باشدار، وسط الخرطوم، استطاع المحتجون كسر الطوق الأمني والتوجه نحو القصر الرئاسي، الذي يبعد نحو 6 كيلومترات عن باشدار.
وأخترق المتظاهرون، ركضا، سُحب الغاز المسيل للدموع هناك، وهم يرددون الهتافات المطالبة بإسقاط الانقلاب وتحقيق العدالة والأناشيد الوطنية، في حين ظلت تتعالى أصوات الدفوف والصرخات الحماسية للمحتجين.
«غاضبون بلا حدود»
وكالمعتاد تقدم التظاهرات فتيات وشبان، لا تتجاوز أعمار معظمهم 25 عاما، ينتمون لمجموعة «غاضبون بلا حدود» مرتدين الخوذات والنظارات الخاصة بالسباحة، ويحملون ألواحا من الخشب، ومقاطع من براميل المياه البلاستيكية، كدروع يحاولون حماية أنفسهم بها من الرصاص وعبوات الغاز المسيل للدموع.
وبالقرب من موقف شروني القريب من القصر الرئاسي، هاجمت قوات الأمن المحتجين، بإطلاق الرصاص والغاز المسيل للدموع، والقنابل الصوتية بكثافة، ولاحقتهم بالسيارات المدرعة، مما أسفر عن سقوط عشرات الإصابات، التي نقلت إلى مستشفى الجودة القريب من القصر الرئاسي، في وقت ظلت حشود المحتجين تحيط بالمستشفى.
«عدم جدية العسكر»
وقال المتظاهر عبد العزيز أحمد ( 24 عاما) لـ«القدس العربي» إن «قمع الأجهزة الأمنية للاحتجاجات دليل واضح على عدم جدية العسكر في التفاوض» مؤكدا أنهم يبحثون فقط عن الشرعية أمام المجتمع الدولي، لا أكثر.
وأضاف: أن «خروج آلاف المحتجين في تظاهرات رافضة للانقلاب بعد يوم واحد من انطلاق المحادثات المباشرة، يعتبر ردا واضحا من الشارع على دعوات شرعنة الانقلاب».
وتابع: «على المؤسسة العسكرية أن تطيح بقادة الانقلاب وتنحاز للشارع، ساعتها يمكن أن نتوحد كسودانيين لبناء دولتنا المدنية التي يقوم فيها الجيش بأدوار حماية الحدود والدستور وينأى بنفسه عن السياسة».
ولم يختلف الحال كثيرا في مدينتي بحري وأمدرمان حيث لاحقت الأجهزة الأمنية التظاهرات غير المركزية هناك، وأعلنت لجان المقاومة عن حملات اعتقال واسعة للمحتجين.
ومع تواصل قمع الأجهزة الأمنية للتظاهرات خاصة في الخرطوم، خرجت تظاهرات في عدد من أحياء العاصمة، لتخفيف الضغط عن التظاهرات الرئيسية، بعد دعوات أطلقتها لجان المقاومة.
إلى ذلك، أكد ائتلاف قوى «الحرية والتغيير» على مواصلة المقاومة السلمية، واستخدام كل الأدوات السياسية السلمية والمدنية المشروعة لهزيمة الانقلاب، وتأسيس السلطة المدنية الانتقالية الكاملة على قاعدة جديدة ومتينة.
وقال في بيان أمس، إنه «لن يحيد أو يتراجع عن طريق الثورة حتى بلوغ آمال وتطلعات ورغبات الشعب السوداني كاملة غير منقوصة».
وأضاف: «تم إثبات فشل اجتماع المحادثات المباشرة، من خلال الفرز الواضح بين معسكر الانقلاب والقوى المناوئة له، والمقاطعة الجماعية التي أعلنتها قوى الثورة التي تقاوم السلطة الانقلابية» مشيرا إلى أن «ما حدث في اجتماع المحادثات المباشرة يجب أن يكون دافعاً لوحدة قوى الثورة التي تكتشف يوماً بعد يوم أهمية عملها المشترك والتنسيق الذي من دون احكامه وتقويته سيكون من العسير التخلص من السلطة الانقلابية».
وتابع: «لقد أثبتت مجريات الاجتماع الفني الذي دعت له الآلية الثلاثية بفندق روتانا وسط حضورٍ، والذي ضم سلطة الانقلاب وحلفاءها، صحة ومصداقية الأسباب والمسوغات التي أعلنتها قوى الحرية والتغيير، التي رفضت الانخراط في الاجتماع الذي ضم قادة الانقلاب والموالين لهم».
اتهامات لقوات الأمن بقمع المحتجين بالرصاص الحي والغاز المسيل الدموع
وأكمل أن «المحادثات بشكلها الراهن استنساخ للحوار الوطني الذي أطلقه الرئيس المخلوع عمر البشير في عام 2014، بحضور غالب الوجوه التي حضرت اجتماع المحادثات المباشرة، في تكرار للمسرحية ذاتها التي لم تنقذ نظام الإنقاذ، (النظام الحاكم السابق) من ثورة الشعب السوداني» مؤكدا أن من يحاولون استخدام الأساليب نفسها، سيجدون المصير نفسه».
وأشار البيان إلى أن قوى الحرية والتغيير ظلت تؤكد منذ انطلاق العملية السياسية بتيسيرٍ من بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال الديمقراطي (يونيتامس) مطلع العام الجاري وتوسيعها اللاحق لتصبح آلية ثلاثية تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والإيغاد، أن تعاطيها الإيجابي مع هذه العملية رهين بثبوت توجهها نحو مساعدة السودانيات والسودانيين في إنهاء الانقلاب والتأسيس الدستوري الجديد لمسار انتقال ديمقراطي مستدام تقوده سلطة مدنية كاملة تعبر عن الثورة وغاياتها.
ورأى أن التصميم الصحيح للعملية السياسية يقوم على التعريف الدقيق لطبيعة الأزمة السياسية الراهنة في البلاد، وهو تقويض انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي للحكومة الانتقالية، وما ترتب عليه، وأنه يجب أن تضع أي عملية سياسية إنهاء الانقلاب وتسليم السلطة للمدنيين كهدف أساسي.
ولفت إلى أن «إنهاء الانقلاب رهين بتحقيق غايات الشارع الذي قاومه، والمكون من قوى الحرية والتغيير ولجان المقاومة والقوى السياسية والمدنية والمهنية التي قاومت الانقلاب، في حين يضم المعسكر المقابل القوى التي قامت بالانقلاب والتي تشمل المؤسسة العسكرية والموالين لها».
وشدد على أنه «لا يمكن إنهاء سلطة الانقلاب من دون التعريف الصحيح للأطراف التي واجهته والنأي عن منهج الإغراق الذي اتبعته الآلية الثلاثية ولم تحصد مقابله سوى تقليل الثقة في العملية السياسية التي تيسرها وفي موثوقيتها وصدقها».
ووصف الاجتماع بالحوار الداخلي بين «قوى انقلابية تتشارك المشروع ذاته ولا خلافات بينها» مؤكدا أنه «أبعد ما يكون عن التناول الصحيح لكيفية إنهاء الانقلاب والتأسيس الدستوري الجديد لسلطة مدنية كاملة تقود الانتقال الديمقراطي في البلاد».
وعلى الرغم من رفض قوى «الحرية والتغيير» الانخراط في المحادثات المباشرة التي تيسرها منظمات دولية، أكدت «تواصل تعويلها على دعم المجتمع الدولي لمطالب الثورة السودانية».
«التضامن مع شعب السودان»
ودعت المجتمع الدولي لـ«لاستمرار في التضامن مع شعب السودان وسعيه الحثيث لبلوغ دولة السلام والحرية والعدالة، والنأي عن إظهار أي دعم لمشاريع شرعنة الانقلاب، مؤكدة أن تلك المشاريع لن تجد سنداً شعبياً كافياً، وأن الشعب حدد اتجاه بوصلته بدقةٍ نحو تحقيق أهداف وتطلعات الثورة السودانية».
ولاحقا، أصدرت قوى «الحرية والتغيير» بيانا أكدت فيه أنه «بدعوةٍ من مساعدة وزير الخارجية الامريكي للشؤون الأفريقية، مولي في، وسفير المملكة العربية السعودية في السودان، سوف يعقد لقاء غير رسمي بين وفد من الحرية والتغيير والمكون العسكري».
«إنهاء الانقلاب»
وبينت أن اللقاء سيتناول «اجراءات إنهاء انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول وكل ما ترتب عليه من آثار وتسليم السلطة للمدنيين والتنفيذ الفوري لاستحقاقات تهيئة المناخ الديمقراطي جميعها ودون استثناء».
كما سيتناول «وقف إجراءات الآلية الثلاثية في جَمع قوى مؤيدة للانقلاب وعناصر النظام البائد في العملية السياسية وحصر إجراءاتها بين الذين قاموا بالانقلاب وبين الذين يقاومونه من قوى الثورة» فضلا عن «النقاش حول كيف تكون العملية السياسية شاملة بعد اتفاق قوى الثورة والمقاومة والانقلابيين على كيفية وإجراءات إنهاء الانقلاب».
وأكدت القوى أن «هذا هو موقفنا وسوف نقوم بطرح ما جرى في الاجتماع بكل شفافية لقوى الثورة والتغيير المقاومة للانقلاب والمؤمنة بالتحول الديمقراطي والمدني وإكمال مهام ثورة ديسمبر المجيدة».
وكانت الآلية الثلاثية المشتركة، المكونة من بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال الديمقراطي في السودان والاتحاد الأفريقي و«إيغاد» قد أطلقت، الأربعاء، أولى جلسات المحادثات غير المباشرة، وسط مقاطعة قوى المعارضة، حيث ضم الاجتماع المكون العسكري وبعض الحركات المسلحة والأحزاب الموالية للعسكر والنظام السابق.
وقال رئيس بعثة «يونيتامس» فولكر بيرتس، في بيان، عقب انتهاء اليوم الأول للمحادثات المباشرة، إن نجاح أي عملية سياسية مرهون بمشاركة الفاعلين السياسيين الذي امتنعوا عن المشاركة، مؤكدا أن الآلية الثلاثية ستواصل جهودها لإقناعهم بالانضمام للمحادثات.
وعلى الرغم من مضي نحو ثمانية أشهر على انقلاب العسكر في السودان وسقوط أكثر من 100 قتيل و6000 جريح، لا تزال تتصاعد التظاهرات المطالبة بإسقاط الانقلاب، وتسليم السلطة للمدنيين.