الخرطوم ـ «القدس العربي»: شارك آلاف المحتجين، أمس الإثنين، في التظاهرات الرافضة للانقلاب العسكري، الداعمة لـ«ترس الشمال» في العاصمة السودانية الخرطوم ومدن أخرى، تحت شعار «لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية» في وقت أعلنت فيه لجان مقاومة أمدرمان عن إصابة 4 متظاهرين بالرصاص في شارع «الشهيد عبد العظيم» بينما اعتقلت قوة تابعة للاستخبارات فريقا إعلاميا تابعا لهيئة الإذاعة والبث البريطانية (بي بي سي) أثناء تغطيته التظاهرات.
ودعت لجان المقاومة وتجمع المهنيين السودانيين لـ«مليونية تروس الشمال» أمس الإثنين، تضامنا مع لجان المقاومة والأجسام المطلبية التي تغلق طريق «شريان الشمال» الرابط بين السودان ومصر.
وقال المتحدث الرسمي باسم لجان مقاومة مدينة الخرطوم، عثمان أحمد لـ«القدس العربي» إن الأجهزة الأمنية قمعت بطريقتها العنيفة المعتادة التظاهرات، وأصيب عدد من المتظاهرين قرب القصر الرئاسي، فضلا عن اعتقال آخرين لم يتم حصرهم بعد.
وأوضح أن مليونية أمس جاءت دعما لنضال «تروس الشمال» السلمي من أجل تحقيق مطالبهم المشروعة، والقضايا المطلبية في كل أنحاء البلاد، معتبرا التهديدات بفض ترس الشمال، أداة من أدوات المجلس العسكري القمعية، والتي تشمل القتل والإخفاء القسري والاغتصاب والتهديد وغيرها.
وأضاف: لن يزيدنا ذلك إلا إصرارا على إكمال مسيرة الثورة.
رمزية هامة
وبخصوص توجيه لجان المقاومة التظاهرات نحو القصر الرئاسي رغم قمع الأجهزة الأمنية المفرط، قال أحمد: «قوات الانقلاب تقمع التظاهرات في أي مكان، والقصر الرئاسي له رمزية هامة، لذلك سنواصل التظاهر هناك وفي أي مكان وسنستخدم كل أساليب المقاومة السلمية حتى نسقط الانقلاب العسكري ويتم تسليم السلطة للمدنيين وتحقيق شعارات الثورة «حرية، سلام وعدالة».
وأكد أن جميع تنسيقيات لجان المقاومة في الخرطوم أكملت مسودات ميثاقها السياسي، وأن لجنة الميثاق على وشك إنهاء صياغة المسودة المشتركة للجان مقاومة الخرطوم التي سيتم الإعلان عنها قريبا.
بداية التظاهرة
وبدأت مليونية «ترس الشمال» التي توجهت نحو القصر الرئاسي وسط الخرطوم، في منطقة باشدار، القريبة من القصر، حيث حمل المتظاهرون العلم السوداني وأعلاما تحمل صور ضحايا الاحتجاجات، مرددين النشيد الوطني وهتافات منددة بالانقلاب العسكري ومطالبة بتسليم السلطة للمدنيين و«القصاص للشهداء» فضلا عن رفعهم لافتات داعمة لـ«تروس الشمال» الذين يغلقون طريق شريان الشمال القومي الرابط بين السودان ومصر.
وطالب المحتجون، بقيادة لجان المقاومة في الأحياء، بأن يخرج الجيش بشكل كامل من الحياة السياسة. واتهموا الجيش بالعمل مع منتمين لنظام عمر البشير.
وقال حسن أحمد، وهو مهندس يبلغ من العمر 41 عاما، لرويترز «خرجنا اليوم (أمس) لتحقيق المدنية ولإيقاف عودة أعضاء حزب البشير الذين أعاد البرهان تعيينهم مرة أخرى. يريدون عودة نظام البشير».
وما بين كر وفر، وصل المتظاهرون إلى شارع القصر القريب من القصر الرئاسي، رغم إطلاق الشرطة الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية بكثافة والانتشار الأمني الواسع وإغلاق منطقة وسط الخرطوم التي حظرت اللجنة الأمنية التجمهر والتظاهر فيها.
إصابات
وحسب لجان مقاومة أمدرمان، الأجهزة الأمنية أطلقت النار على التظاهرات في شارع «الشهيد عبد العظيم» مؤكدة إصابة 5 متظاهرين بالرصاص.
وقالت سامية محمد من مدينة بورتسودان الساحلية في شرق البلاد لـ«فرانس برس» عبر الهاتف إنّ «ألفي متظاهر تجمّعوا في محطة المواصلات الرئيسية بوسط المدينة وهم يحملون أعلاماً ويهتفون ضدّ حكم العسكر».
كذلك تظاهر قرابة ألفي شخص في ولاية القضارف في شرق البلاد، حسب شهود عيان.
وفي ولاية كَسَلا على بُعد 600 كلم شرق الخرطوم، أكّد شاهد عيان يدعى حسن إدريس عبر الهاتف أنّ «مئات المتظاهرين تجمّعوا حاملين أعلام السودان ومردّدين هتاف العسكر إلى الثكنات ومدنية خيار الشعب» في إشارة إلى الحكومة المدنية التي يطالب بها المحتجون.
ومن مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، قال محمد عيسى، شاهد عيان، عبر الهاتف إنّ «المئات خرجوا في تظاهرة للمطالبة بالحكومة المدنية والعدالة».
وفي الأثناء، اعتقلت الأجهزة الأمنية خمسة من أعضاء لجان المقاومة في منطقة «الحفير» في الولاية الشمالية، عند محاولتها فتح طريق شريان الشمال الذي يمر بالمنطقة، لتمرير شاحنات مصرية، قبل أن تطلق سراحهم لاحقا تحت ضغط الاحتجاجات.
المحتجون أكدوا دعمهم لـ«تروس الشمال»… والاستخبارات تعتقل فريقا إعلاميا
واستنكرت تنسيقيات لجان المقاومة في الولاية الشمالية في بيان أمس، موقف تجمع مزارعي الشمالية الذين أعلنوا رفع ترس كبري الحمداب وإخلاء مسؤوليتهم عنه، مؤكدين أنهم ليسوا على استعداد للتضحية بنقطة دم واحدة خلال الساعات المقبلة التي وصفوها بـ «الحاسمة».
وتساءلت، في بيان أمس، عن مصدر معلومات تجمع المزارعين حول اللحظات المقبلة، وأنها ستكون حاسمة، وأن هناك من يخطط لإراقة دماء أهل الولاية الشمالية.
«جسم هلامي»
ووصفت لجان المقاومة تجمع المزارعين بـ«الجسم الهلامي المنتمي للنظام السابق، ولعضو المجلس السيادي أبو القاسم برطم» مؤكدة أنها ستواصل إغلاق شريان الشمال حتى يتم تحقيق جميع مطالبهم.
وقالت إن تجمع المزارعين أخطأ عندما اعتقد أن الفرصة مواتية لتنفيذ خطط «من يقفون خلفهم» مؤكدة أن كل الخطط مكشوفة للجان المقاومة والمزارعين وجميع المواطنين في الولاية الشمالية.
وأضافت: «إننا قادرون على إفشال كل مخططاتكم الهادفة لتصفية روح المقاومة وتدجين القضايا» مؤكدة أن التروس ستتمدد لتشمل كل طرق ومنافذ الولاية.
وأكملت: «سنأخذ تهديدكم بأن هناك دماء ستراق خلال الساعات المقبلة على محمل الجد، ونحذر من هم خلفكم من أي محاولة لاستخدام القوة».
وشددت تنسيقيات لجان المقاومة في الولاية الشمالية على أن أزمة الشمال لا تنفصل عن أزمة وقضايا الوطن، لافتة إلى أن الجميع يعلمون أنه لا مخرج للأزمة الراهنة في البلاد إلا بتنفيذ شعارات الثورة التي مهرها الشهداء بدمائهم في ظل حكومة مدنية مراقبة عبر مؤسسات تشريعية ورقابية وقضاء مستقل.
وأغلق المزارعون ولجان المقاومة وأجسام مطلبية أخرى في الولاية الشمالية طريق «شريان الشمال» الذي يربط السودان بمصر «ترس الشمال» بعد زيادة السلطات لتعريفة الكهرباء بالتزامن مع الموسم الزراعي هناك، الأمر الذي اعتبره مواطنو الولاية الشمالية تهديدا مباشرا لمصدر رزقهم الأساسي، حيث يعمل معظمهم في مجال الزراعة والخدمات والصناعات المتعلقة بها. ولكن سرعان ما تطورت مطالب المواطنين لتشمل إعفاء المشاريع الزراعية من الكهرباء تعويضا لخسائر الموسم الحالي، وإعطاء الولاية الشمالية نصيبها من كهرباء سد مروي يقع داخل الولاية، فضلا عن إعطاء الولاية نصيبها من عائدات التعدين. وتشمل المطالب أيضا وضع تعامل واحد متفق عليه وملزم لدخول الشاحنات لحدود السودان ومصر وتطبيق معايير السلامة لشاحنات البضائع بإنشاء نقاط موازين على الطريق القومي، بالإضافة إلى إصدار قرار يمنع تصدير أي خام سوداني إلا بعد إدخاله في صناعات تحويلية وإنشاء منطقة تجارية حرة، في وقت رفعت لجان المقاومة في الولاية الشمالية وبعض القوى السياسية، شعارات إسقاط الانقلاب وتسليم السلطة للمدنيين.
إعادة العسكر للثكنات
وفي مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة، خرج الآلاف من المتظاهرين مطالبين بإسقاط الانقلاب وتسليم السلطة للمدنيين، وأكدت لجان مقاومة ود مدني خلال وقفات أمام منازل ضحايا التظاهرات، أنهم خرجوا مؤمنين بقضيتهم وسيواصلون الطريق حتى تصل الثورة السودانية إلى غاياتها في الحكم المدني وإعادة العسكريين إلى ثكناتهم.
وأضافوا: نعرف جيدا أن هناك كوادر تابعة لجهاز الأمن داخل التظاهرات تقوم بتصويرنا ليتم استهدافنا، نعلمهم جيدا، ولكننا لن نتعرض لهم حفاظا على سلمية الثورة، ونقول لهم: «نحن لسنا خاىفين، وسنواصل المسير حتى النصر».
وبعد مقتل عدد من المتظاهرين في مدينة ود مدني نهاية الشهر الماضي، تصاعدت الاحتجاجات الرافضة للانقلاب العسكري هناك، لتصبح ود مدني من المدن أكثر مشاركة في التظاهرات. وخرج الآلاف أيضا في بورتسودان وكسلا والقضارف شرقي السودان، وعطبرة في الشمال والجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور.
إلى ذلك، اعتقلت قوة تابعة للاستخبارات الفدرالية، فريق هيئة الإذاعة والبث البريطانية، بي بي سي، بالقرب من مقابر فاروق جنوب الخرطوم، أثناء تغطيته مواكب 7 فبراير/ شباط في العاصمة الخرطوم.
والفريق الذي يضم المراسل فراس الكيلاني والمنتج محمد إبراهيم والمصور مارك بونسكي لا يزال قيد الاحتجاز حتى لحظة كتابة التقرير.
و أدان تجمع المهنيين السودانيين اعتقال فريق بي بي سي، وتقييد حركة الصحافيين ووسائل الإعلام المختلفة ومنعهم من القيام بعملهم.
اجتماع مشترك
في المقابل، عقد المجلس السيادي، أمس، اجتماعا ترأسه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في القصر الرئاسي.
وقالت المتحدثة باسم المجلس، سلمى عبد الجبار، إن الاجتماع أكد على ضرورة فرض هيبة الدولة ووضع حد للتفلتات الأمنية في ولايات دارفور، فضلا عن الأوضاع في بقية ولايات البلاد وتوفير الخدمات الضرورية، حسب بيان لإعلام المجلس السيادي.
وكان السفير المصري لدى السودان، حسام عيسى، قد التقى عضو مجلس السيادة الانتقالي يوسف جاد كريم محمد الذي أكد على «أزلية ومتانة العلاقات السودانية المصرية» مشيرا إلى أهمية تطويرها الى آفاق أرحب في المجالات كافة من أجل مصلحة الشعبين الشقيقين.
وأشار، في تصريح صحافي، أن اللقاء بحث علاقات البلدين في المجالات الاقتصادية والسياسية بالتركيز على العلاقات التجارية والفائدة المرجوة للشعبين، وتطرق لحجم الصادرات المصرية للسودان من الأدوية والمواد الكيميائية والأغذية ومواد البناء والإسمنت والحديد.
ولفت إلى الجهود التي تبذلها مصر لتعزيز مسيرة التنمية في السودان خلال المرحلة الانتقالية، خاصة فيما يتصل بالربط الكهربائي المصري للسودان.
وأضاف السفير المصري أن اللقاء تناول سبل التعاون بين البلدين في المجالات الطبية والعلاجية والمنح الدراسية.