إصلاح، بلطجية، وملوخية!

حجم الخط
0

أمجد ناصر

أغرب تحرك ‘إصلاحي’ للتكيِّف مع رياح التغيير التي تهبُّ على العالم العربي هو ما جرى في الأردن: إقالة حكومة يرأسها مدني والمجيء بحكومة على رأسها عسكري! كأن مشكلة الأردن التاريخية مع الإصلاح السياسي تكمن في حكوماته قصيرة العمر، بصرف النظر عمن يرأسها، وليس في النظام السياسي للبلاد. الجميع يعرف أن الحكومات في الأردن لا تحلُّ ولا تربط على حد قول المثل الشعبي. كانت للحكومات الأردنية قدرة نسبية على اتخاذ القرار في الخمسينات والستينات عندما كانت هناك حركة وطنية أردنية قوية، لكنَّ هذه الحكومات راحت تفقد قدرتها على اتخاذ القرار ويخفُّ وزنها في العقود الأربعة الماضية. غير أن فقدانها، شبه الكامل، لقدرتها على إدارة شؤون عملها المباشرة لم تحصل إلاّ في العقد الأخير. ففي عهد الملك عبد الله الثاني يصعب أن يتذكر الأردنيون أسماء رؤساء الوزارات الذين عيَّنهم لفرط خفَّتهم السياسية وانعدام حضورهم في الشارع. وليست حكومة معروف البخيت الثانية استثناء رغم أنها جاءت في ظرف استثنائي يشهد سلسلة من الثورات الشعبية التي تتدحرج على طول الخارطة العربية وعرضها. ففي ثلاثة أشهر سقطت أنظمة حكمت شعوبها بالحديد والنار، وها هي أنظمة أخرى تتأرجح على حبل رفيع يصعب أن تستمر في الرقص عليه طويلاً. ومع ذلك حلَّ الملك عبد الله الثاني حكومة سمير الرفاعي الثاني (ابن زيد الرفاعي ابن سمير الرفاعي الأول!) لتفادي رياح التغيير القوية التي تعصف بالعالم العربي وكلف الجنرال معروف البخيت الذي شهدت حكومته الأولى واحدة من أكثر الانتخابات الأردنية تزويراً في تاريخ البلاد، بحكومة جديدة وادارة ‘ملف الإصلاح’! مفارقة، أليس كذلك؟

لكن المفارقة الأكبر هي أن كتاب التكليف الملكي الذي شخّص، بدقة، جملة من معيقات الاصلاح السياسي في الاردن يوجَّه إلى شخصية سياسية ذات منشأ عسكري ـ أمني لم يعهد عنها أي عمل اصلاحي إن لم يكن العكس. الرسالة المباشرة التي وصلت إلى الأردنيين من اختيار البخيت رئيساً للحكومة هي التالية: لا إصلاح ولا من يحزنون. فرجل مثل هذا لم يكن اصلاحياً قط ولم يحسب على الاصلاحيين وليس قادراً، بالتالي، على قيادة عملية الاصلاح التي ألحت رسائل الملك عبد الله الثاني على الشروع بها في التو واللحظة. كان توقع الأردنيين في محله. فلم تتحرك عجلة الاصلاح خطوة واحدة الى الأمام.. بل ما جرى كان عكس ذلك. ولننظر إلى ما حصل بعد خطاب التكليف الملكي. شكل البخيت حكومة لا مفاجأة سياسية فيها اللهم سوى تعيين رئيس تحرير صحيفة ‘العرب اليوم’ طاهر العدوان وزيراً للإعلام وناطقاً باسم الحكومة، ووضع المحامي المعارض حسين مجلي على رأس وزارة العدل. أما الوزارات السيادية المؤثرة في سياسات البلاد وحياة الناس اليومية فظلت في عهدة حرس قديم أو وزراء ورثهم البخيت من حكومة الرفاعي المقالة، أو حتى من رموز ‘عرفية’ لا تؤمن بالإصلاح. لكنَّ هذا ليس نهاية المطاف رغم أن اختيار الأشخاص يعني شيئاً. لقد توقع الناس، بعد مسارعة الملك إلى حل حكومة الرفاعي أن يحصل شيء على أرض الواقع، أن تبدو للاصلاح الموعود عناوين يمكن الرهان عليها، بيد أن شيئاً من ذلك لم يحصل. ما له دلالة على انعدام الرغبة في التغيير الحقيقي أن البخيت وأركان حكومته تحدثوا عن سبعة أشهر ليرى الناس شيئاً من هذا الإصلاح المنتظر. يكفي أن نعرف أن حكومة البخيت حدَّدت البوابة الرئيسية للإصلاح في تشكيل لجنة للحوار الوطني تعمل على بلورة شكل الاصلاح القادم! هذا يعني كما يقول جرير: أبشر بطول سلامة يا مربعُ. ولكن رغم تراكم الشكوك حيال الجهة المنوط بها قيادة عملية الاصلاح انتظر الأردنيون أن يحدث اختراق سريع على صعيد المطالب الاصلاحية، بعد إلحاح الرسائل الملكية على ذلك، إلى أن حصلت الانتكاسة: الهجوم على معتصمي دوار جمال عبد الناصر، واطلاق ‘البلطجية’ و’الهتيفة’ عليهم، وتسيير تظاهرات ‘تأييد’ مماثلة لما يقوم به علي عبد الله صالح في اليمن في مواجهة محتجي الدوار وبعض شوارع عمان الأخرى.. أخطر من ذلك: التلويح بورقة ‘الأصول والمنابت’.. وهذه لم ترفعها الحكومة مباشرة بل تركت لـ ‘بلطجيتها’ الفحَّ بسمومها رغم خطورتها السياسية والاجتماعية على النظام والمجتمع في آن.

يتضح، مما سبق، أن انحناء النظام الأردني أمام العاصفة التي تجتاح العالم العربي وتدقُّ باب أقرب جيرانه واعتاهم في قبضته الأمنية (النظام السوري) ليس ســـوى ‘تقطيع’ وقت، أو بتعبير آخر: شراء وقت ريثما يتبين نظام الملك عبد الله الثاني حصته من تلك العاصفة الهادرة. ‘ ‘ ‘ولكن ماذا يعني مفهوم الإصلاح في عقل النظام السياسي الأردني؟ إنه ‘مكرمة’. هذا هو التعبير الشائع، على نطاق واسع في الأردن، عما ينبغي أن يكون عليه، أصلاً، العمل الحكومي الرشيد، وعما هو من صلب عمل الدولة. لم يشع هذا التعبير أردنياً، حسب ظني، كما شاع في عهد الملك عبد الله الثاني حتى ليستحق أن يوصف بـ ‘عهد المكرمات’. ولا يشذ الاصلاح السياسي عن أي ‘مكرمة’ انمائية متواضعة يهلل لها الاعلام الأردني الرسمي ويطبل. يُهيأ لي أن الاصلاح في عقل النخبة السياسية الأردنية الحاكمة يعني ‘تنازلها’ عما تتوافر عليه من امتيازات اسثتنائية صارت، في غيبة دستور المملكة الأول، جزءاً من حقوقها. وتنازل، من هذا النوع، نادراً ما يتم طوعاً. وما لم تعِ هذه النخبة أن ما هي مقدمة عليه من اصلاح ليس تنازلاً عما بين يديها من أســـباب القوة والتمكّن غير الدستوريين لن يحدث الإصلاح. فالأمر، في أصله، ليس تنازلاً. إنه حق دستوري. لأن التنازل هو عما يملك المرء، بالطبيعة، وليس عما حازه بالقوة والقهر. الاصلاح ليس منَّة. إنه العودة الى الدستورالذي عملت فيه الماكينة العرفية تضييقاً، أو بالتعبير الأردني ‘تقييفاً’، حتى بات على مقاس الحاكم فقط. إنه نصيب الناس من العقد الاجتماعي الذي أبرموه مع الحكم قبل أكثر من نصف قرن. لقد نسيت مؤسسة الحكم في الأردن (يعنيها في ذلك منتفعون ومتسلّقون) أن هناك عقداً بينها وبين المواطنين وظنت أن قضمها التدريجي لبنود هذا العقد صار جزءاً من العقد نفسه!

الآن، وبعد أن سقط أول دم أردني في مهب رياح التغيير التي تجتاح العالم العربي يصعب العودة إلى الوراء. لقد اختارت الغرفة السوداء في النظام، على ما يبدو، شكل الرد على المطالب الاصلاحية: المواجهة. وهذا خيار لا يرغب فيه المنادون بالحرية، وأحسب أنه مكلف لهم وللنظام على السواء، فضلا عن ثبوت فشله في البلاد العربية التي ثارت من أجل انتزاع حريتها. وما لم يتراجع الحكم في الأردن عن هذا الخيار الأمني، الصدامي، سنكون أمام لحظة فارقة في تاريخ النظام من جهة وتاريخ النسيج الاجتماعي في البلاد من جهة ثانية، لأننا سمعنا من الأصوات المنتصرة في دوار جمال عبد الناصر ‘حديث الملوخية’ الذي يقسم البلاد قسمين ويعلي شأن مواطنين على مواطنين ويعيد التذكير بزمنٍ لم يبرأ الأردن من جراحه الداخلية.

أخيراً أقول لعقلاء مؤسسة الحكم في الأردن إن البلاد تواجه أخطاراً كبيرة ليس أقلها ما يثوي في أدراج الحكومة الاسرائيلية الحالية من حلول ‘نهائية’ للقضية الفلسطينية على حساب فلسطين كقضية وحساب الأردن كوطن لكل ابنائه. لا تصيخوا السمع للعرفيين والأيلوليين الذين يجهدون لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. الإصلاح، بين كل الخيارات المطروحة علناً وسراً على الأردن، هو الأقل كلفة. وقت الإصلاح لم يفت تماماً. فلا تضيعوا الوقت في انتظار ما ستسفر عنه العاصفة في الأرجاء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية