إصلاحات دستورية مخيبة للآمال في مصر

حجم الخط
0

أسامة رشدي أعلن الرئيس مبارك عن مشروعه بشأن التعديلات الدستورية والتي شملت تعديل أو إلغاء أو استحداث 34 مادة دستورية، جاءت مخيبة لآمال الحالمين بالإصلاح والتغيير في مصر، بل إن تمريرها ـ كما هو متوقع ـ سيعيد مصر عقودا للوراء من حكم التسلط والإقصاء.

فقد صـــــدقت توقعاتنا عندما ربطنا بين التعديلات الدستورية المرتقــــبة والحملة الشرسة التي تعرضت لها جماعة الإخوان مؤخرا، خاصة بعد ما أسفرت عنه حالة الهستيريا التي اجتاحت النظام بعد العرض الرياضي السلمي لبعض طلاب الأزهر أثناء اعتصامهم الاحتجاجي علي شطبهم من الانتخابات الطلابية والإجراءات التأديبية التي اتخذت بحقهم. حيث سمعنا لأول مرة أصوات حملة المباخر المطالبة بالنص في الدستور علي حظر تأسيس الأحزاب علي أساس ديني، رغم أن قانون الأحزاب الحالي ينص بالفعل علي ذلك ولا توجد لدينا أحزاب دينية ولا علم لنا أن هناك من يريد تأسيس حزب ديني.. ولكن بدا واضحا أن الهدف هو أبعد من ذلك.

فسرعان ما استجـــاب الرئيس وجاء في نص خطابه لمجلس الشعب والشوري الطلب بإضافة فقرة جديدة للمادة 5 من الدستور بحظر أي نشاط سياسي أو حزبي أو تأسيس أحزاب علي أساس ديني.

هذا التوسع الخطير في الحظر علي النشاط السياسي عامة والحزبي خاصة والنص عليه في الدستور في محاولة لضرب نشاط الجماعات الإسلامية وعلي رأسها الإخوان في الجامعات والنقابات والاتحادات، وهو ما سيؤدي لتكريس القمع والديكتاتورية والإقصاء السياسي. ومثل هذا الحظر المطاط لن يساهم إلا بتكريس الفوضي القانونية ولا مبرر له لأن الحظر علي تأسيس أحزاب علي أساس ديني كان منصوصا عليه بالفعل في القانون، وهو ما يعني عدم تأسيس هيئات سياسية تكون قاصرة علي أبناء دين محدد.

أما أن تنال هذه التعديلات من مقومات الأمة وهويتها التي حددها الدستور نفسه في المادة الثانية بأن دين الدولة الإسلام ولغتها هي اللغة العربية وان الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، فهذا يعني أن من سيدعو لتطبيق هذه المادة سيعاقب ويحظر بالمادة الأخري!

ما هذا التخبط وضيق الأفق ومحاولة النظام المصادرة علي المطلوب، وانفراد فئة ضيقة في غيبة من المشاركة الحقيقة للشعب في فرض توجهاتها ومصادرة حقوق خصومها السياسيين وإقصائهم من الحياة السياسية بدلا من مواجهتهم في الانتخابات، وهذا ما يؤكد علي النظرة الحزبية الضيقة التي صاغت هذه التعديلات والتي تؤكد أن كل ما يجري هو مرتبط بإعداد الساحة السياسية لفرض مشروع التوريث، ومن ناحية أخري هي محاولة لعقاب الشعب الذي اختار الإخوان بنسبة كبيرة في الانتخابات الأخيرة علي نحو أزعج النظام.

ومن المواد الخطيرة الأخري التي طلب مبارك تعديلها المادة 136 بما يتيح للرئيس حل مجلس الشعب بدون الحاجة لاستفتاء الشعب علي قراره وهو اتجاه خطير لا يعزز استقلال السلطة التشريعية كما زعموا.. ومن أخطر التعديلات أيضا ما تتجه له النية من التفلت من الإشراف القضائي الكامل علي الانتخابات كما نص علي ذلك حكم المحكمة الدستورية العليا من قبل، وهو ما أدي لفرض إشراف القضاة علي اللجان الفرعية للانتخابات، ومثل هذا التوجه أيا كانت مبرراته سيعيدنا للمربع الأول من التزوير البشع وتقفيل الصناديق كما كان يجري في السابق، وأنه يعد بمثابة معاقبة لقضاة مصر الشرفاء علي جهودهم الكبيرة في الإشراف علي العملية الانتخابية كما حدث في الانتخابات الأخيرة، بدلا من الاستجابة لمطالبهم بتعزيز إشرافهم عليها في كل مراحلها كما كانوا يطلبون، وما يساق من مبررات في هذا الشأن بعيدة تماما عن الشفافية.

ومن أخطر التعديلات التي وردت في خطاب الرئيس لمجلسي الشعب والشوري أيضا استحداث مادة في الباب السادس تقوض الحريات الأساسية لطائفة من الشعب بزعم الحاجة لعمل قانون للإرهاب.. وهو خداع كبير للرأي العام لأن مصر لديها قانون متشدد بالفعل للإرهاب وهو جزء من قانون العقوبات المصري وهـــــو القانون 97 لسنة 92، وأن الزعم بأن مصر تفعل مثل باقي دول العالم هو زعم مغلوط لأننا لم نر دولة في العالم غـــــيرت دستورها لعمل قانون للإرهاب.. لأن قضايا الإرهاب والجريمة المنظمة بشــــكل عام تحتاج لبعض التسهيلات الإجرائية التي يمكن أن تنـــص عليها القوانين العادية. أما النص في الدستور علي استثناء طائفة من المواطنين كل الوقت بزعم الاشتباه بهم من ضمانات المواد 41 و44 و45 من الدستور وتجريدهم من حقوقهم الأساسية لمجرد الاشتباه وجعل مواد الدستور تتناقض بعضها مع بعض، سيفتح الباب لكل الشرور وهو يعني أن الطوارئ ستستمر بأشكال جديدة وأن المطلوب منا كمجتمع أن نتنازل عن حقوقنا وحرياتنا لحساب الدولة البوليسية التي ارتكبت الكثير من الموبقات في العقود الماضية.

وما جاء في التعديلات من مواد تهدف للنص علي الاقتصاد الحر وإزالة ما يتعارض مع ذلك من النص علي النظام الاشتراكي وإلغاء نظام المدعي العام الاشتراكي وغير ذلك من النصوص جاءت لطمأنة الرأسمالية الجديدة التي تسيطر الآن علي مفاصل الاقتصاد في مصر وهي بذلك تفتح الطريق أمامها تماما من أي مراعاة للجانب الإجتماعي والإنساني لتغول رأس المال علي مصر.

ولعل الجميع تابع بعد حادث العبارة وطلب مجلس الشعب من المدعي العام الاشتراكي التحقيق، أن المدعي العام الاشتراكي استطاع في فترة وجيزة التحقيق والوصول لحقائق التقصير والتلاعب التي اكتنفت عمل صاحب شركة السلام مالكة العبارة، وأمر فورا بوضع كامل ممتلكاته تحت الحراسة، وتدخل أصدقاء الرجل في النظام الذين ساندوه وحموه وسمحوا له بمغادرة مصر، بل ولا يزال حتي اليوم عضوا في مجلس الشوري، لعمل التسوية وإلغاء قرارات المدعي الإشتراكي، وهو ما يعني أن هذا الجهاز بات يرهبهم ويريدون التخلص منه.

فكل ما يطمئن رجال الأعمال ويطلق يدهم جري رفعه، وكل ما يرعب الشعب وقواه السياسية ويطلق يد الحاكم والنظام في قمع الشعب جري تضخيمه وزيادته.

فهل هذا هو الإصلاح الذي كان ينتظره الشعب؟

ہ صحافي والمسؤول الإعلامي لجبهة إنقاذ مصر ـ لندن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية