إصلاح ‘الدولة العميقة’ لا يعني إسقاطها

حجم الخط
0

إنها الحلقة المفقودة من أحاديث وسائل الإعلام، أو لنقل ليست مغيّبة تماما، ولكنها إن طفت على سطح مقالات الصحف ووقع ذكرها في البرامج الحوارية التلفزيونية، فإنّ ورودها يمر مرور الكرام، في معرض الحديث عن موضوع أشمل. ولكننا هذه المرة سنفرد لها مقالا كاملا، لأنها تستحقها. فبغض النظر عن مدى استحسان او استنكار هذا الاستحقاق، إنه الواقع السياسي والاجتماعي الذي يحتم محورية الموضوع، لا نحن. ومحورية الموضوع على ضوء التطورات الراهنة هو الاتيان فعلا بحديث منفرد عن هذا الكيان، الذي حان وقت تسميته بالعربي الفصيح كما يقال: الدولة العميقة.
الدولة العميقة، التي يرد ذكرها بين الفينة والفينة على ألسنة المعلقين، عندما تجود بها قريحتهم، وقت قدوم لحظة تحميل الشتيمة العظمى للمسؤول الأعظم.
الدولة العميقة، التي تبدو، في خطاب هؤلاء كائنا ممسوخا يستطيب له تحريك كل كبيرة وصغيرة بقبضة من حديد لا تترك متنفسا لأي كان.
وتعبير الدولة العميقة تعبير جميل: يوحي في ما يوحيه بتغلغل مستحكم ممّا تقع عليها التسمية في مفاصل البلاد، لا تدور رحاه بغير إذنها.
أما مدلول الدولة العميقة، فأكثره مبتور، خاصة عندما يقع كثيرون في فخ اعتبارها مرادفة للنظام، غير واعين بالخطأ الاصطلاحي الكبير الذي يرتكبونه إذاك، فإن كانت الدولة العميقة، حسب تعريفهم، سلسة محكمة الخيوط، فإنّ سوء التفسير يقع عند تحديد دور ماسكي هذه الخيوط، فهم ضامنو عدم سقوط النظام أبدا حتى لو اعتقد الشعب اعتقادا راسخا أنّهم أسقطوه.
من يقرأ هذه السطور، سيتوقع باننا نرى سقوط النظام مستحيلا. وسنأتي لنؤكد ان الأمر فعلا كذلك. سقوط النظام، في هذه الأحداث التي باتت توصف بتعبير ‘الربيع العربي، الرومانسي الناعم، لم يحدث. اختفاء النظام من سطح الشاشة هو الذي حدث، ونعود ونؤكّد، من سطح الشاشة.
ودائما، عندما يقع التطرق للسطح، توجّب علينا التذكرّ بأنّ السطح مقابل للعمق. وهنا يأتي بيت القصيد والـتحليل: لقد برزت كلمة ‘النظام’ في هذه الثورات العربية في كل الشعارات، في كل الإعلانات، على كل الألسنة وفي كل المشاهد، أما عبارة ‘الدولة العميقة’، فبرزت أكثر ما برزت، في كلام المراقبين وجدليات المفكرين، لا أكثر.
كأنّ كلمة النظام، كانت في غمرة الحركات الثورية كلمة الشعب، وكأن كلمة الدولة العميقة باتت كلمة العالم المصغّر من المفكرين وهم من الشعب أيضا. ولكن المطب الذي وقع فيه هؤلاء وأولئك أنّهم أعطوا النظام والدولة العميقة معنى واحدا، بينما يباعد بينهما ما يباعد… السطح عن العمق.
السطح، لأن النظام هو التمظهر البادي للعيان من الدولة، فمنطقي ان يتناوله الشعب بالتوبيخ والتقريع متى وصلت المعاناة الصميمة من غياب الخبز والكهرباء والبنزين حد ذروة لا يقبل التراجع.
لكن شتّان بين أن تشمّر عن ساعديك للتنديد بتفشي الفساد واحتكار حفنة من المنعّمين لوسائل الانتاج واساليب الاغتناء بها – وهذا ما أورده في الواقع تعبير إسقاط النظام – وأن تطالب بإسقاط دولة بمؤسساتها ومرافقها وكوادرها، وهنا متى طالبت بذلك طالبت بإسقاط الدولة ككيان.
الفرق جوهري بين المطالبة بإسقاط السطح والمطالبة بإسقاط العمق. الفرق جوهري بين إعطاء اسم النظام لشتى تمظهرات الفساد العام وإعطاء اسم النظام لمرافق الدولة وبناها التحتية. الفرق جوهري بين شعار ‘الشعب يريد إسقاط النظام’ وفرضية أن الشعب يريد إسقاط ‘الدولة العميقة’.
فماذا سيحدث لو أنّ ‘الدولة العميقة’ سقطت فعلا؟
سيحدث أنّ الدولة ستصبح بلا رابط يبث اللحمة بين شعبها، سيحدث أن النعرة الطائفية ستزداد إذكاء وتمددا، سيحدث أنّ زجّ الدين في الدولة سيزيد من محاولة غير محترفي السياسة الدخول في معتركها، بما لا يترك مجالا لقيادة السفينة قيادة تصل بركّابها إلى برّ الأمان. وهنا بدأنا نرى النتيجة…
بغياب ‘الدولة العميقة’، ستغيب إحدى الركائز الأساسية لتسيير شؤون البلاد، وقد نسيه الكثيرون إنها السياسة الدولية، السياسة الدولية الضامنة لإشعاع البلد، وفيصل تطور اقتصاده من عدمه.
أما أن تكون ‘الدولة العميقة’ قد عرفت من التجاوزات ما فاض بها الكيل وما اقتضى وضع حدّ نهائي لهذا الفيض فوارد. وأن يكون فوق الطاقة تحمّل أكثر تلصص أجهزة جماعات تستعدي مصلحة الأكثرية لرفاه أقلية، فوارد أيضا.
ولكن هذه ليست مطالبة بإسقاط، إنما هي مطالبة بإصلاح.

‘ باحث أكاديمي فرنسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية