إضاءات حول خفايا انكتاب النص

ثمة متعة خالصة في إعادة طرح الأسئلة التقليدية من منطلق ذاتي، قصد استشراف أجوبة مغايرة ومتحررة – ولو مؤقتا – من ملازمتها المملة لثوابتها. ذلك أن إعادة طرح السؤال، يفيد ضمنيا التشكيك في ما راكمته أجوبته من قناعات، حيث تتحقق بتجديده إمكانية زرع بذور مغايرة، في تربة الخطابات ذاتها، بحثا عن غلال معرفية مستندة إلى مبدأ التأمل الذاتي المتميز بأهميته الاستثنائية، بالنظر لتنصله من أي تعاقد قبلي يلزمه بتبني ثوابت محددة، بالإضافة إلى انزياحه عن صخب المقولات العامة وإكراهاتها. علما بأن أهم المنجزات الجماعية، تعود بجذورها، إلى جمالية الأسئلة الذاتية. تبعا لذلك، سيكون من حقنا التساؤل عن مصدر النبع، وعن «كيفية» تدفق ماء الكتابة، واثقين من أن العقود المقبلة، قد تكون أكثر حظا في الكشف عما قل من أسرارها، ومن مساراتها التي تتحقق عبرها لذة انكتاب النصوص الفكرية والإبداعية، من منطلق اقتناعنا بكون أغلب التأويلات العلمية والسيكولوجية، فضلا عن الجمالية المتداولة حاليا، لا تعدو أن تكون عتبات أولية للاقتراب من هذه الأسرار، بحكم طابعها التعميمي والاختزالي، إلى جانب مصادرتها مقولات تظل بحاجة دائمة إلى المزيد من المساءلة، شأنها في ذلك شأن خيمياء اللغة الإبداعية، المنبثقة من صلب المجاز، الذي يستمد جماليته من مصادره المتعددة، المحتفظة بالتباساتها، من قبيل الطاقة التخييلية والذاكرة والحدس والفهم، والملاحظة والوعي وغيرها من المقومات المعتمدة عادة في تفسير وتأويل ظاهرة الكتابة.

الكتابة بمختلف اختصاصاتها، بما في ذلك الكتابة الرياضية والفيزيائية، هي تعبير فعلي عن أرقى ما تتمتع به البنية البشرية من ذكاء، ومن اختلاف، وتميز بالقياس لغيرها من الكائنات>

ثم، وكما سبقت الإشارة إلى ذلك، سنكون معنيين في هذا السياق بالبحث عن عمقها الكيفي، أي عن المسار الذي تتشكل فيه خصوصيتها. طبعا، هناك وعي بصعوبة استكناه هذه المقومات وهذه الأسرار، ما يؤدي إلى احتمال التورط في تعويم المفاهيم والمصطلحات.
فالكتابة بمختلف اختصاصاتها، بما في ذلك الكتابة الرياضية والفيزيائية، هي تعبير فعلي عن أرقى ما تتمتع به البنية البشرية من ذكاء، ومن اختلاف، وتميز بالقياس لغيرها من الكائنات، فضلا عن ذلك، إن سلطة الكتابة تتدخل حتى في تمييز الكائنات البشرية عن بعضها، حيث لا يمكن مقاربة خصوصية/أهمية زمن الكتابة لدى هذه العينة، إلا من خلال مقارنتها بدلالة غيابها لدى تلك، والشيء نفسه بالنسبة لظاهرة انقطاع الكاتب عنها، الشبيهة بحالة تغيير جذري تتعرض له الهوية الجينية للذات الكاتبة. وهو ما يفسر الحظوة التي تتميز بها الظاهرة في حقول الدراسات المتخصصة، التي دأبت على تلمس ذلك الخيط الرهيف الفاصل بين من يكتب، ومن يكتفي بالتلفظ الشفاهي، المستقل ببنياته ومنهاجياته. وبالنسبة للسياق الذي نحن بصدده، فالأمر جد مختلف، حيث لا نسعى إلى تأكيد مكانة الكتابة على حساب غيرها، كما لا نروم الاحتفاء بالذات الكاتبة، باعتبارها استثناء بشريا، لأن ما يعنينا أساسا، هو بكل بساطة، الاستمتاع بإعادة طرح تلك الأسئلة المتقادمة حول الأسرار الخفية الكامنة في الحديقة السرية لفعل الكتابة، وطبعا بنبرة مختلفة، بدون أن ندعي امتلاكنا لأجوبة جديدة جاهزة وشافية لها.
إن القارئ، وبحكم العادة، قد ينتشي بكتابة ما، لكنه سيصاب حتما بالحيرة، حالما نستفسره عن علاقة هذا الانتشاء بالبعد الفيزيولوجي للكتابة، أو للكاتب، حيث ينحصر إطار التحري والمقاربة، في استجلاء المواصفات المحيلة مثلا على مكان الميلاد والموت، بما يتخللها من اعتبارات اجتماعية، وثقافية وسيكولوجية، معززة بقناعاتها الفكرية والجمالية. وربما بطقوس الكتابة، بدون أن يتجاوز ذلك إلى البحث عن آلية ترقرق فيض ماء الكتابة، أي إلى ذلك العالم الغامض والمستقل حتى عن صاحبه. فالقارئ، نادرا ما يستحضر ذات الكاتب، إنه يقرأ عملا ما، كما لو أنه خلق فجأة بدون وسيط.. قد يكون هذا القارئ معنيا في أحسن الأحوال، بالتعرف على الطقوس الشخصية الخاصة بالمؤلف، بدون أن يهتم بالطقس الذي تبني به الكتابة عوالمها. وهو شيء جد طبيعي، حيث ليس من الضروري أن نلزمه بإقحام ذاته في ما لا طاقة له به.

الواقع الخام لا يمكن أبدا أن ينتج الكتابة. كما أن ما يتواضع عليه باسم الواقع، هو في الأصل ذو طبيعة شبه افتراضية.

إن النص/الكتاب، ككل بالنسبة له هو غنيمة حقيقية، ينبغي التقاطها من فم النار، والاختلاء بها تحت شجرة القراءة، لكن في المقابل، ثمة خلوة مضاعفة، هي خلوة الكتابة التي تسفر حركيتها الخفية عن عمل/نص، أو كتاب. مع التذكير سلفا بالأبعاد المتعددة التي تأخذها الخلوة، حيث تتسع الفجوة بين خلوة الإبداع، وخلوة التلفيق، أو خلوة السطو. عدا ذلك، فإن الأمر شبيه بلحظة الصمت التي تسبق «البن بانغ». إنها اللحظة الفارقة المثقلة بأسرارها، حيث تشرع عناصر الكتابة في مغادرة هلاميتها الأصلية، بالإعلان عن وجودها المهيكل، وفي مغادرة خفائها، كي تتهيأ للتفاعل في ما بينها، ضمن المدار المهيأ من قبل روح الكتابة، الشبيهة بطيف لا مرئي، يوزع إشاراته على الكائنات المهيأة للاندماج في طقس الوجود الجديد، والمقترحة من قبلها، والتي يتوقع أن تكشف عن حضورها في صيغة نص مستقل تماما عن كل ما له صلة واقعية بالواقع. ذلك أن الواقع الخام لا يمكن أبدا أن ينتج الكتابة. كما أن ما يتواضع عليه باسم الواقع، هو في الأصل ذو طبيعة شبه افتراضية. إنه الواقع بدون أن يكون بالضرورة كذلك. إنه ذلك الفضاء الذي يقع ضمن ممتلكات الكتابة، وضمن ما تتفرد به من خصائص رمزية وترميزية. فشراسة الواقع، عنفه، وجدلياته الغامضة، أكبر من أن تتسع له الكتابة. لذلك، سيكون عليها أن تلجأ إلى ترويضه وتدجينه مؤقتا، من خلال اختلاقها مرحليا لشبيه يحيل إليه، بدون أن يكون هو ذاته، مع قابلية هذا الشبيه لأن يتحول إلى مادة للكتابة، التي تتمتع بقدرة فائقة على توظيفه وفق منهاجيتها. إنها هي من يزرع الحياة فيه، بما يوهم القراءة بأنه هو الواقع الحقيقي. كما أنها وحدها القادرة على إنتاج واقعها، أي على أن تكون الذات الممتلكة لشروط وجودها وتشكلها. وامتلاك هذه الشروط، له علاقة بالكتابة وقراءاتها، وليس بالواقع. فهذا الأخير هو مجرد ذريعة لاشتغال الكتابة، التي تمتلك نسقها الخاص بها. مع العلم، أن الواقع هو أحد أهم الفضاءات التي تتردد عليها الكتابة، باعتباره جزءا من ممتلكاتها وليس العكس. لأنه ومهما حاول تملك الكتابة، فإنها تظل خارج سلطته، ما يجعله حريصا على اختلاق نسيخة لها، تتقمص شكلها بدون أن ترقى إلى مكانتها. وفي اعتقادنا أن الخطابات النقدية ككل، تحاول أن تتخلص من إشكالية البحث في خيمياء الكتابة، من خلال تحويلها إلى مجرد وسيط، قد ينجح أو يفشل في قراءة الواقع، وفي الحديث باسمه، حيث يتم التنويه بها استنادا إلى ما يمكن أن تتمتع به من قدرة على تمثيله. الكاتب هو أيضا، وفي ظل تخوفه من مأساوية اليتم ومحنه، لا يملك سوى الاقتناع بالحكم ذاته، من خلال إضفاء المصداقية على تبعية كتابته للواقع، وتزكية المقاربات المنوهة بنصوصه، كلما أكدت على حسن تفاعلها مع الواقع. علما بأن المبدع الحقيقي، ينتمي أولا وأخيرا، إلى أزمنة الكتابة، وحضاراتها، قبل انتمائه إلى أي شيء آخر، يحمل اسم هذا الواقع أو ذاك.

٭ شاعر وكاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية