بيروت-“القدس العربي”: يرى أخصائيون وناشطون في المؤسسات المعنية برعاية الأطفال، أن أكثر ما يتعرض له الأطفال الفلسطينيون داخل مخيماتهم في لبنان من مشاكل، هو فوضى السلاح وعمليات إطلاق النار العشوائي والاشتباكات التي تندلع بين لحظة وأخرى بين المجموعات المسلحة التي تنتشر بين الأزقة ومساكن المدنيين.
ويبلغ عدد الأطفال الفلسطينيين اللاجئين في لبنان حوالي 60 ألف طفل، بما نسبته أكثر من 30 في المئة من عدد اللاجئين، حسب إحصائيات “الأونروا” إلا أن هؤلاء الأطفال لا يعيشون ظروفا حياتيه عادية كباقي أطفال العالم، وقد تعرضوا للموت والقتل خلال سنوات الحرب والاجتياحات والمجازر، ويتعرضون اليوم للحرمان وقهر والخوف والفقر.
وتعتبر ظاهر فوضى السلاح وإطلاق النار العشوائي والاشتباكات بين الفصائل والمجموعات المسلحة وتجار المخدرات واحدة من أخطر ما يتعرض له الطفل الفلسطيني، ولها تأثير كبير على حياته الجسدية والنفسية.
تشير الدكتورة نزهة عواد الفلسطينية المتخصصة في علم الاجتماع أن عمليات إطلاق النار العشوائي والاشتباكات المسلحة التي تندلع بين الفترة والأخرى داخل مخيمات الفلسطينيين واحدة من أخطر ما يتعرض له الطفل. وتضيف “خلال عمليات استطلاع ومقابلات مع الأطفال الفلسطينيين داخل المخيمات وجدنا أن عددا كبيرا منهم يتردد عند الكلام ويتلعثم وتبدو عليه حالة الخوف والارباك. وهذا ما بدى واضحا على أطفال مخيمات عين الحلوة وشاتيلا وبرج البراجنة والرشيدية”.
وأكدت أن سبب ذلك هو الخوف والقلق الليلي بسبب عمليات إطلاق النار التي تصيب الأطفال بالهلع، لأنها تحصل بين المنازل وداخل الأحياء والشوارع العامة.
وتكشف عواد عن أن عددا كبيرا من الأطفال في مخيم عين الحلوة والمية ومية وأيضا شاتيلا مصابون بالتبول اللا إداري ليلا رغم أن عمرهم تجاوز 10 سنوات.
وحذرت من استمرار وضع الأطفال الفلسطينيين في لبنان على حاله، وأكدت أن هذا الواقع سيؤدي إلى نتائج كارثية في المستقبل لا يمكن تحديد ملامحها اليوم، لكنها حتما كارثية لأنها ستوصل إلى جيل فاقد للانتماء والوعي والثقافة، ما يؤدي حتما إلى تصاعد الجريمة والمخدرات والهجرة غير الشرعية و”السادية”.
واعتبر المدير العام لبيت “أطفال الصمود” قاسم العينا، أن إطلاق النار والاشتباكات المسلحة من أخطر الظواهر التي تهدد حياة الأطفال داخل مخيماتهم وأعرب عن أسفه الشديد لأن الأطفال والفتيان الفلسطينيين في لبنان يعيشون هكذا ظروف صعبة، ويتعرضون من حين لآخر لرصاص عشوائي، ما يجعلهم يعيشون حالة رعب، وهذا بدوره كما يضيف، يجعل الأطفال يتأثرون نفسيا في ظل عمليات عسكرية عبثية تثير عند الأطفال حالة الخوف والهلع، لذلك معظم الأطفال يعانون من اضطرابات نفسية ويصابون بالاهتزاز والارباك والتخلف العقلي وتخلف في الدراسة والمستوى التعليمي وتراجع المستوى التربوي، وهذه نتيجة طبيعة للظروف الأمنية والفوضى المسلحة إلى جانب مأساتهم وحرمانهم ونكبتهم.
ولا يختلف رأي اللواء صبحي أبو عرب قائد قوات الأمن الوطني الفلسطيني في لبنان كثيرا عن رأي مدير عام أطفال الصمود، حيث أكد اللواء أبو عرب أن للاشتباكات المسلحة والرصاص العشوائي تأثير كبير على حياة الأطفال، ويعرب عن اعتقاده بأن استمرار الاشتباكات وإطلاق النار العشوائي لها انعكاساتها السلبية على صحة الطفل ومستوى تعليميه واستيعابه، كما أن الاشتباكات المتكررة تؤدي إلى إصابته بأمراض نفسية خطيرة، كما تضعف درجة استيعابه وفهمه ووعيه.
ويضيف، يصحوا الأطفال الفلسطينيون داخل المخيمات، عند منتصف الليل على مدمن مخدرات يطلق النار في الهواء وبشكل عشوائي، وهذا طبعا له انعكاساته على مجمل حياتهم.
قلق اللواء صبحي أبو عرب صاحبه استعداد قوات الأمن الوطني وبالتنسيق مع الدولة اللبنانية لوضع حد لفوضى السلاح وعمليات إطلاق النار العشوائي داخل المخيمات، كما أكد أنه سيعمل مع السلطات اللبنانية المعنية لمطاردة مروجي المخدرات ومنعهم من حمل السلاح.
لكن الأمور لا تبدو بهذه السهولة التي تعمل من أجلها الفعاليات والمرجعيات الفلسطينية في لبنان، فالوضع العام كما يبدو وصل إلى مرحلة معقدة تتطلب الكثير من الجهود حفاظا على أمن المخيمات وسكانها وخاصة الأطفال الذين يعيشون حياة أقل من يكن وصفها بألنها مأساوية.
ويعتقد الناشط الفلسطيني سامر النداف، أن القوى والفصائل الفلسطينية وقيادتها أصبحت عاجزة عن معالجة الاشكالات والأزمات التي يتعرض لها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، لافتا إلى أنها أزمات اجتماعية وأمنية واقتصادية ونفسية، تهدد أمن المخيمات وأمن اللاجئ ا بشكل عام والأطفال بشكل خاص، وليس لدى الفصائل الفلسطينية القدرة على معالجتها وإيجاد حلول جذرية لها تبعث الأمن للاجئ وترفع عنه الأزمات.
ويرى النداف إن أخطر ما يتعرض له الطفل الفلسطيني في لبنان أنه يعيش بدون حقوق وبدون أمن واستقرار نفسي وجسدي واقتصادي.
وتابع، هذا وضع لم يعد يحتمل وهناك ضرورة لمعالجته قبل الانفجار، لكن اللاجئ الفلسطيني الذي يتعرض لكل هذه المأساة يتساءل من المسؤول؟ الفصائل الفلسطينية التي اعتبرت نفسها ممثلا شرعيا وحيدا ومدافعا عن مصالح الشعب، أم “الأونروا” التي أنشأت من أجل إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، أم الدولة اللبنانية التي تستضيف اللاجئين على أرضها وتطالب بالمحافظة على أمن واستقرار بلدها؟
وأجاب خاتما، اللاجئون الفلسطينيون يعيشون حالة فوضى وضياع والأطفال هم ضحايا هذا الواقع المأساوي وفي مقدمته السلاح وإطلاق النار والاشتباكات المسلحة بين الفصائل وتجار المخدرات كما يجري في شاتيلا. وإذا كانت الأطراف سابقة الذكر تدعي المسؤولية إلا أنها إما عاجزة ومترهلة أو تتهرب من مسؤوليتها وتترك اللاجئ لمصيره المجهول.
ولا تختلف آراء المتخصصين والمطلعين على أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، حول تأثير فوضى السلاح على الأطفال، بل وذهبت إلى التحذير من استمرار هذه الحالة والمستقبل الأكثر مأساوية الذي ينتظر الأجيال الفلسطينية الصاعدة إذا لم يسرع المعنيون لمعالجة هذه الظاهرة الخطيرة التي تنتشر داخل المخيمات الفلسطينية.