عبد الحميد صيامسيظل عام 2011 مرتبطا في الذاكرة العربية والعالمية بثورات الشعوب العربية ضد الطغاة وإسقاط ثلاثة منهم وخلخلة الأرض من تحت أرجل إثنين آخرين أو ثلاثة. وسيحفر هذا العام في الذاكرة كأحد الأعوام التي تحمل في طيها أحداثا عظيمة لا تمّـحي مع الأيام. فمثلا سيبقى عام 1948 مرتبطا بالنكبة الفلسطينية وعام 1917 بوعد بلفور وهام 1962 بتحرير الجزائر وعام 1979 بثورة الخميني وتوقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل وغزو الاتحاد السوفييتي لأفغانستان وهكذا. وسنحاول في هذا المقال إستعراض باقة من الأحداث التي تحمل دلالات تاريخية هامة عصفت بالعالم العربي من محيطه إلى خليجه وفتحت المجال أمام تغييرات جذرية ستترك أثرها على مر العصور.
عام الشباب العربي والانتصار للكرامة ونوبل هناك إقرار لا جدال فيه أن الربيع العربي رغم بعض الإخفاقات، كان الحدث الأبرز لعام 2011 تجاوزت آثاره المنطقة العربية ورشق رذاذه الدنيا شرقا وغربا وعدلت إنجازاته الصورة النمطية البغيضة للعربي في العالم المختزلة في الإرهاب وبرميل النفط واستبدلتها بصورة أكثر حضارية وحيوية وشبابية وخاصة فيما يتعلق بالمرأة التي كانت تعتبر رمزا للقهر والتهميش والعزل، وإذا بها تتصدر الانتفاضات العربية محمولة على الأكتاف تقدم دمها من أجل إسقاط الطغاة فتسمع الدنيا صرخاتها وتحني لها لجنة جائزة نوبل رأسها فتمنحها الجائزة العظيمة عن جدارة واستحقاق. كما إختارت مجلة التايم العريقة شخصية العام لـ’المتظاهر’ ووضعت على الغلاف صورة للمرأة العربية المحتجة وصدرت مقالها بصورة للشهيد محمد بو العزيزي تحملها والدته المبجلة وكتب تحتها شرارة ثورة الكرامة. لقد كان عام 2011 عام الشباب العربي الواعي المسلح بالمعرفة والتكنولوجيا والمصاب بالإحباط والقهر والتهميش مقارنة مع شباب العالم المنطلق نحو الإبداع والتميز. شباب أخذ على عاتقه مسؤولية تغيير الأوضاع المتردية مهما كان الثمن. إنه عام الشعب التونسي الحضاري وهو يطرد الطاغية بيديه العاريتين، وملايين الشعب المصري التي تملأ ساحة ميدان التحرير وتودي بالطاغية إلى غياهب السجن، وملايين الشعب اليمني وهي تهتف في صنعاء وتعز ‘إرحل، إرحل’ وعام ثوار بنغازي والزنتان ومصراتة وهم يتعرضون لقصف كتائب ومرتزقة القذافي وأولاده ولا يتوقفون إلا بإسقاط الطاغية وأولاده، وعام جماهير البحرين في ميدان اللؤلؤة في المنامة وهم يسحقون تحت جنازير قوات درع الجزيرة التي ‘تستأسد فقط على مواطنيها’ وعام الشجعان السوريين في درعا وحماة وحمص وإدلب وهم يواجهون قتلة النظام وشبيحته بصدورهم العارية إنه عام الشعوب العربية وعام الشباب العربي بامتياز. فتحية لصانعي فجر الأمة الجديد المعافى من القهر والظلم وامتهان الكرامة. إن مجرد قيام ثورات الشعوب العربية بنزع القداسة عن هؤلاء الحكام وركل بعضهم إلى مزابل التاريخ وتوجيه الصفعات المتتالية لآخرين يعتبر إنجازا عظيما على طريق تحرر الشعوب العربية من ربقة الدكتاتوية البغيضة وما يتبعها من قهر ومصادرة للحريات وتحكم الأجهزة الأمنية في مصائر العباد وانتشار الفساد وحماية الفاسدين وتجهيز الأولاد المدللين لتورث ‘الوطن المزرعة’ عن آبائهم. إن إسقاط عدد من الطغاة يعتبر إنجازا عظيما لا يجب التقليل منه بغض النظر عن المسارات التي اتبعتها كل ثورة. فمسألة الاستقرار مسألة وقت ولا يوجد رجعة إلى الوراء. لقد تخطت الشعوب العربية حاجز الخوف وداست بنعالها على حصون الحكام المنيعة والمشيدة فوق رؤوس الشعوب مرة وإلى الأبد وهي في طريقها لتشييد نظم تخضع لإرادة الشعوب وتعكس آمالها وآلامها وخياراتها. العراقبعد ثماني سنوات وثمانية أشهر وواحد وعشرين يوما إنتتهى الاحتلال الأمريكي الدموي رسميا للعراق لتبدأ بعده مرحلة ما بعد الاحتلال. خرج الاحتلال وترك وراءه أكبر سفارة للولايات المتحدة في العالم يشرف عليها آلاف من الجنود ورجال الأمن والاستخبارات والمستشارين. لقد خلف الاحتلال وراءه عراقا ممزقا متخلفا مقسما أو شبه مقسم إلى أقاليم متنازعة وطوائف متنافرة على أبواب أن تعلن حربا على بعضها البعض. سنوات الاحتلال دمرت كل ما في العراق من مصادر قوة ووحدة وتقدم وفتحت نباعة التفتيت الطائفي والاستقواء بالجيران والاتجاه نحو إنفصال الشمال. هذا هو ما يريده أعداء العراق التاريخيون: عراق ضعيف ممزق متخلف لا يشكل وحدة جغرافية ولا وحدة سياسية ولا قوة محلية أو إقليمية. بعض القوى التي تتحكم في الأجهزة الأمنية تريد أن تعيد صياغة العراق بمفهومها الطائفي مستندة على دعم من خارج الحدود فتكون بذلك قد أنهت العراق كدولة قوية من أجل حسابات طائفية وشخصية. نتمنى أن ينتصر أبناء العراق المخلصون من كافة الأطياف على مخطط تفتيت بلدهم الغـنيّ بشعبه وحضارته وتاريخه ومصادره الطبيعية. هل بقي مكان للعقل والحكمة وتغليب العام على الخاص ومصالح الوطن على مصالح الطائفة؟ هذا ما نتمناه مع بداية هذا العام وأيادينا على قلوبنا.
السودانلقد توج عهد البشير في سنته الثانية والعشرين باقتطاع جزء من جنوبه يعادل مساحة فرنسا وفبركة دولة تتحكم في منابع النيل وتعقد معاهدات مع أعداء الأمة وتكون إسرائيل أول محطة يحل بها سيلفا كير ضيفا وتستعد لاستقبال أسلحة أمريكية متطورة. في عهده ‘الزاهر’ دخل السودان في صراعات بعضها موروثة وبعضها مستولدة، مع كل جيرانه بما في ذلك مصر وتشاد وإريتريا وليبيا وأوغندا. وانطلقت الحروب الداخلية في الجنوب ودارفور والمنطقة الشرقية على الحدود مع إريتريا وحاليا في منطقة أبيي وجنوب كردفان بل وارتدت قيادة الجبهة الإسلامية القومية على نفسها، كالنار ‘تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله’ فالترابي، صانع الملوك وضع في السجن ثم انتقل إلى صفوف المعارضة. ومنذ تورط النظام في المحاولة الفاشلة لاغتيال حسني مبارك في أديس أبابا في حزيران/يونيو عام 1995 ووقوع السودان تحت طائلة العقوبات الدولية والبشير يعمل كل شئ لإعادة تأهيله دوليا وكلما تخطى مصيدة وقع في فخ ألعن من الذي سبقه إلى أن وقع في مصيدة المحكمة الجنائية الدولية شخصـــيا بعد إدانته بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور. السودان مقبل على حوادث عظيمة وخاصة في منطقة أبيي وجنوب كردفان قد تجرف البلاد مرة أخرى إلى حرب بين دولتين هذه المرة عندها سيعرف البشير معنى إنفصال الجنوب عن جسد السودان. ومن الضروري أن ننوه بالدور الغبي والخطير الذي لعبه الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك في إنسلاخ جنوب السودان إذ إن عقلية مبارك الانتقامية دفعته للتعامل مع جيش تحرير جنوب السودان مكايدة في البشير وعندما تنبه لخطورة الانفصال كان الوقت متأخرا جدا وستدفع مصر المستقبل ثمن هذا الخطأ الاستراتيجي الذي تجاوز مرحلة الترميم والإصلاح. نتوقع أن تصل ألسنة الربيع العربي للسودان وتدق أبواب الخرطوم ونتمنى على البشير أن يتعلم الدروس من الطغاة العرب فيقوم بالاستقالة المشرفة بدل الطرد المهين. فلسطينشهد عام 2011 جعجعة عالية حول طلب انضمام فلسطين لعضوية الأمم المتحدة استغلتها قيادة سلطة أوسلو لتعزز مواقعها المهزوزة وخاصة عندما شعرت أن هناك بوادر للربيع العربي بدأت تظهر في الأراضي المحتلة. ولامتصاص النقمة الواسعة ضد القيادة التي أوصلت القضية إلى هذا المستوى من الانحطاط إختلقت القيادة معركة وهمية تحت عنوان ‘استحقاق أيلول’ وعبأت الشارع الفلسطيني لانتظار الانتصار العظيم الذي على وشك التحقيق وإذا بالانتصار ينتهي ‘على فاشوش’ كما يقول أهلنا في لبنان. خطاب جيد ألقاه أبو مازن في قاعة الجمعية العامة أستحق الإطراء لكن كما قلت في مقال سابق ‘وعادت حليمة إلى عادتها القديمة’. طبعا هناك بعض الإيجابيات التي لا بد أن نسجل شيئا منها كارتفاع علم فلسطين أمام مبنى اليونسكو في باريس يوم 13 كانون الأول/ديسمبر وإحراز تقدم في الوساطة المصرية للمصالحة الفلسطينية الفلسطينية وصفقة تبادل الأسرى التي عقدتها حماس بوساطة مصرية أيضا. لكن في المقابل شهدت فلسطين المحتلة تصعيدا خطيرا من قبل جيش الاحتلال من جهة وقطعان المستوطنين، الوجه الأكثر بشاعة لاحتلال بشع أصلا. ففي غزة ظل الحصار مطبقا على القطاع للعام الخامس على التوالي. توسعت المستوطنات القديمة وافتتحت مستوطنات جديدة وخاصة في القدس وبلغ عدد المداهمات التي شهدتها الضفة الغربية أكثر من 300 غارة أدت إلى إعتقال أزيد من 233 فلسطينيا وسقوط 12 شهيدا خمسة منهم على أيدي المستوطنين وجرح 1.516، بينما سقط 105 شهداء في غزة وجرح 452 مواطنا. كما كانت 2011 سنة هدم البيوت والمساجد والمباني العامة حيث بلغ عدد المباني التي هدمتها قوات الاحتلال 547 نتج عنها تشريد 1.051 فلسطينيا. حتى مقبرة ‘مأمن الله’ في القدس الغربية لم تسلم من التجريف ونبش القبور.
كل هذه الإجراءات التي تجاوزت معدلات السنوات السابقة وما زال ممثل اللجنة الرباعية توني بلير، الصديق العزيز لرئيس الوزراء سلام فياض، يصول ويجول متنقلا بين رام الله والقدس المحتلة ‘لإعادة إحياء المفاوضات المباشرة بين الأطراف المعنية’ كما يصرح دائما. وستنتهي مهمة بلير عندما يضمن أن فرصة قيام دولة فلسطينية مستقلة ومترابطة جغرافيا وذات سيادة وعاصمتها القدس قد تبخرت نهائيا. عندها سيعلن إنتهاء مهمته الحقيقية في إنجاز ما تبقى من حلم جده بلفور عندما تعهد سنة 1917 بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. ولنا أمل في أن يحمل العام الجديد بشائر أكبر على طريق تحقيق هذه الأمة العظيمة لأهدافها التاريخية في التحرر والتحرير والتقدم والازدهار وصولا، في يوم من الأيام، إلى الوحدة الحقيقية التي تصنعها الشعوب الحرة.’ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك